بدر شاكر السياب

تقديم

بعد تتبعي لما كتب وما يكتب من شعرنا العربي، لاحظت أن أبياتا لم تذكر في صفحات الفضاء السيبيري عن شاعرنا بدر شاكر السياب ، ولذلك اشرأبت رؤوس أصابعي مشتاقة لتلامس أزرار لوحة المفاتيح لتبوج بما أراد أن يخفيه بعض الجهلة عن فصاحة حديث شعرنا العربي. وها أنا ذا أورد لذكراكم أنت وشاعرنا بدر جزء من أشعاره التي حاول أعدائنا إخفائها مع قليل من التلميحات عن حياته وشعره. هذا طبعا لا يجعل مني شاعرا أو حتى ناقدا، ولكنني فقط أطمح أن يتلذذ كل بني جلدتي ما صاغه شعرائهم حتى يتبينوا المغزى ويأخذوا النماذج من فصيح لغتهم، فبها نفهم ونُعلم.

شوق الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادة

تحت الشموس الأجنبية

متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديّة

صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب

بين العيون الأجنبية

 

بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيّة)

و الموت أهون من خطّية

من ذل الاشفاق تعصره العيون الأجنبية

قطرات ماء … معدنية

وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع

 

في كلّ قطرةٍ من المطر

حمراءُ أو صفراءُ من أجنّة الزهر

وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة

وكلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد

أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد

في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة

مطر … مطر … مطر

سيعشبُ العراقُ بالمطر

 

نبذة عن الشاعر بدر شاكر السياب

يعتبر بدر شاكر السياب من أعظم الرواد واشهرهم لحركة التجديد التي أصابت القصيدة العربية. ولد الشاعر عام 1926 في إحدى قرى مدينة البصرة ( جيكور)، وقد ماتت أمه  وهو في السنة السادسة من عمره، أنهى دراسته الابتدائية والثانوية، في أبي الخصيب، والبصرة، ثم التحق بقسم اللغة العربية في البداية، ثم غير بعد ذلك تخصصه الى اللغة الإنجليزية، في دار المعلمين العالية ( كلية التربية حاليا)، وحين تخرج من الجامعة، عين مدرسا في الرمادي، ثم فصل من عمله لأسباب سياسية، مما اضطره أن يمتهن وظائف مختلفة بعيدة عن مجال اختصاصه، مما أوجعه كثيرا حيث أصيب بمرض عضال عز شفاؤه.  لقد توفاه الله وحيدا في مستشفى الكويت عام 1964، بعيدا عن معشوقه العراق، وشيعه قليل من أصدقائه، حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير. أصدر شاعرنا رحمه الله عدة دواوين نذكر منها: “أزهار ذابلة” و “المعبد الغريق” و “أنشودة المطر” التي تعتبر من أروعهم. جمعت دواوينه كلها في مجلدين بعنوان “ديوان بدر شاكر السياب”.

تعتبر أنشودة المطر للشاعر العربي بدر شاكر السياب من أجود وأروع ما قيل في الشعر الحديث شكلا وموضوعا، فهي قصيدة جمعت كل المعاني الطيبة التي يحبها الإنسان الشريف؛ ففيها الحب وحب الوطن والأرض والروح القومية، وفيها على أعداء الوطن وأعداء الإنسان، بل إن فيها التفاؤل بانهيار الظلم الواقع على الشعوب المستضعفة وظهور فجر جديد يعم هؤلاء المعذبين.

تشكل هذه القصيدة مثالا لا مثيل له من الشعر الحر أو ما سمي فيما بعد بشعر التفعيلة  في الشعر العربي الحديث، الذي يعتبر السياب من أبرز رواده . يتصف النص بالوحدة الموضوعية ، إذ يدور حول محور واحد هو تصوير ما يحس به الشاعر من خلال شعب العراق ، وهو من لون الشعر الملتزم الذي يعالج قضايا الأمة . وفيه نبوءة واستشراف لما يحلم به الشاعر وشعبه من تغير نحو الأفضل .

تكشف القصيدة عن النفسية التي كان فيها الشاعر، فقد ورد أنه عاش عيشة بائسة مع أن عائلته كانت تنحدر من أسرة متعلمة ذات غنى وجاه في قريتهم الصغيرة جيكور القاطنة في محلته التي كان يسكنها “بقيح” بالقرب من البصرة بالعراق.

كان في قريته نخيل وأشجار وناعمة بالحياة، ولكن الديون التي تراكمت على أسرته جعلت كل أملاكهم تباع حين كان طفلا صغيرا. كما أن أمورا أُسرية قد أصابته وهو صغير جعلت العاطفة الصادقة تزداد في قلبه إذ عاش مع أمه التي تركها أبوه. كان بدر نحيلا ذا صحة سقيمة أثرت كلها في نفسه بحيث وضعت فيه الشعور بهؤلاء الناس الفقراء المعدومين.

إضافة لذلك، فقد كان العصر الذي عاش فيه شاعرنا بدر، عصر بؤس وشقاء! إذ كان الاستعمار يسيطر على معظم البلاد العربية، وكان الإنجليز يقرضون سيطرتهم على العراق، وكانوا يأخذون خيراته، وينعمون بنخيله، وماءه ومعادنه. لقد كان الشعب يرى البؤس والنعيم والشقاء! أثر هذا كله في شاعرنا بدر حيث انحفر في ذاكرته، ويمكننا القول أن إحساسه بالألم في ظل الاستثمار كان أقوى من إحساسه بالألم في جسمه النحيل.

لا نستطيع أن نعطي أبعادا قريبة للقصيدة التي بين أيدينا، لأنها تمتد في جذور صاحبها إلى الماضي البعيد، فهي ذات مدى  وذات تاريخ تعيد الشاعر إلى التاريخ الذي يرى فيه كثيرا مما في نفسه من حركه.

أشار بدر إلى المسيح عيسى عليه السلام، وهو يعلم أن المسيح لم يُقتل ولم يُصلب وإنما إشارته هنا إلى الألم الذي لاقاه المسيح في بني إسرائيل.

إنه يصور الألم الذي يلاقيه الجياع والعراة من ظلم الأجانب الذين أخذوا الخيرات وتركوا الويلات. إن ما يقصده بدر شاكر السياب بكلمة “مطر” هو الغد الذي يشع بالخصب والحياة، وذكره للمطر إنما يُذكر بالحياة العزيزة، ويريد بها ابتعاد الغرباء عن بلاده، بل أعتقد أنه حتما أراد بها أن يذكر المجتمع اللغوي أن يتذكر المطر كرمز للطهارة!

الوسوم: