فوضى ما بعد القذافي في ليبيا: هل هناك أي مخرج؟

يونيو 1, 2017 أ. فرج محمد صوان
كتب ريتشارد جالوستيان على موقع معهد رون باول للسلام والازدهار (The Ron Paul Institute for Peace and Prosperity) يوم أمس (31/05/2017) حول فوضى ليبيا ما بعد القذافي متسائلا هل هناك من طريقة للخروج منها، حيث قال أن مأساة مانشستر قد أثرت على مستقبل ليبيا بطرق عديدة أكثر بكثير مما يدرك الناس. فحتى الحكومات الغربية اضطرت إلى أن تطلب من أجهزة الاستخبارات إعادة تركيزها على ليبيا، وهو الموضوع الذي انخفضت أولويته في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. أما الآن بسبب الربط بين مقاتلي القاعدة الليبيين السابقين (الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة) وانتحاري مانشستر الذي تأكد الآن أنه كان جزءا من خلية، فقد أصبحت ليبيا على قمة قائمة الأولويات.

ولوضع الأمر في سياقه، فإن فراغ السلطة ما بعد القذافي الذي خلفه سقوط نظامه قد أخضع ليبيا إلى صراع على السلطة بين الجهات الفاعلة الأجنبية.

فمن جهة قامت قطر وتركيا، المعنيتان أساسا بجماعة الإخوان المسلمين، برعاية العديد من الميليشيات الإسلامية، التي يعتبر بعضها موال لحكومة الوفاق الوطني الهشة التي تم الاعتراف بها دوليا، والتي يشار إليها أيضا باسم المجلس الرئاسي في طرابلس. وعلى الجانب الآخر، دعمت مصر وفرنسا والأردن وروسيا والإمارات العربية المتحدة الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر ويحارب لصالح حكومة البرلمان المنتخبة في طبرق.

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية في عام 2014، كما أن صعود جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا والعديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدى إلى عدم استقرار الإمارات ومصر والسعودية على وجه الخصوص. وتفضل هذه البلدان الثلاثة أن تكون منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا بيئة خالية من الاخوان المسلمين.

منذ منتصف عام 2014، كانت دولة الإمارات حليفا حيويا للمشير حفتر. ولم تزود أبو ظبي ومصر قوات حفتر بالإمدادات العسكرية فحسب، بل قامت الإمارات والقوات المسلحة المصرية أيضا بضربات عسكرية برا وبحرا ضد بعض أعداء الجيش الوطني من الإسلاميين المتطرفين. وفي الوقت نفسه، من خلال تقديم مليارات الدولارات لحكومة مصر منذ عام 2013، والتعاون مع القاهرة في قضايا الدفاع، والعمل مع الكرملين لتسليح الجيش الوطني الليبي، كانت أبوظبي المنسق الرئيسي مع الداعمين الأجانب لحكومة طبرق لتعزيز قوة الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر.

وقد لعبت روسيا أكبر دور في الشؤون الليبية ووافقت سرا على دعم كل من مصر والإمارات لحفتر، أكثر بكثير مما يقدره الغرب، ولا يزال هذا التأثير في الازدياد.

وفي 2 مايو، التقى فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ، وجها لوجه مع المشير حفتر في أبو ظبي للاجتماع الثاني للقادة المتنافسين في أعقاب الاتفاق السياسي الليبي، الاتفاق الذي أبرم بوساطة الأمم المتحدة والذي أنشأ حكومة الوفاق الوطني ( وعينت أعضاءها) في ديسمبر 2015. أشاد الجميع باجتماع 2 مايو باعتباره معلما بارزا في طريق ليبيا نحو انهاء حربها الأهلية. ومع ذلك، على جانب حكومة الوفاق الوطني ، كانت هناك مخاوف من أن محادثات السراج مع حفتر يمكن أن تضعف الاتفاق السياسي الليبي بدلا من إصلاحه. واتفق الاثنان على الاجتماع مرة اخرى في الاسبوع التالي بالقاهرة بتنسيق من لاعب رئيسي آخر وهو الرئيس عبد الفتاح السيسي. على الرغم من ذهاب حفتر إلا أن السراج لم يظهر. ويشاع أنه تلقى تهديدات بالقتل من ميليشياته مما جعل السراج يذهب لقضاء وقته بالذهاب الى غينيا!

ومما لا شك فيه أن الهجوم الذي شنته ميليشيا القوة الثالثة التابعة لحكومة الوفاق ، والمدعوم من قطر وفقا لبعض المصادر، والذي أدى إلى قتل 141 من قوات الجيش الوطني الليبي في 18 مايو ، قد أكد كيف أن المحادثات في أبو ظبي مثلت صفعة من قبل المتطرفين في وجه أبوظبي و حفتر.

إن الحقد الذي هاجمت به ميليشيات “القوة الثالثة” الإسلامية ،التابعة لمصراته في الأساس، قاعدة براك الشاطئ الجوية، والذي أعدمت فيه مجندي الجيش الوطني الليبي العائدين من الذكرى الثالثة لعملية الكرامة، كان بالنسبة للكثيرين القشة التي قسمت ظهر البعير.

ولا يوجد لدى حكومة الوفاق الوطني الضعيفة سيطرة حقيقية على مساحات واسعة من الأراضي الليبية خارج طرابلس، فحتى تلك المواجهات الروتينية في المدينة بين الميليشيات المختلفة تؤكد ضعف الحكومة المعترف بها دوليا. إن قدرتها على السيطرة على الميليشيات القوية أمر مشكوك فيه نظرا إلى أن حكومة الوفاق الوطني لا تترأس الهياكل الحكومية في طرابلس إلا نظريا، والتي هي في الواقع مقسمة فعلا بين العديد من الميليشيات المسلحة. وإذا وافقت قيادة حكومة الوفاق الوطني في طرابلس على تقاسم السلطة مع المشير حفتر، فإن بعض الميليشيات الموالية شكليا لحكومة الوفاق الوطني يمكن أن “تتحول” وتدعم أو حتى تنضم إلى الجيش الليبي الوطني بقيادة المشير حفتر.

ومن المؤكد أن الزخم الذي حدث مؤخرا في الحرب الأهلية هو مذبحة براك، وبالتالي فإن ليبيا قد تسقط في نهاية المطاف في أعماق أعمال العنف والاضطراب الفوضوي إذا فشلت المبادرات الدبلوماسية. وفي هذه الحالة ستحاول قوات الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر السيطرة على طرابلس، بل وحتى مصراته.

قد يختار المشير حفتر بذكاء أن يكون أقل تصلبا. وسيخبرنا الوقت بذلك. النقطة الوحيدة التي لن يتنازل فيها حفتر هي الدعم الذي تقدمه قطر من خلال عملاءها الاخوان المسلمين الليبيين، لأن هذا لا يطاق بالنسبة له.

وهناك فرصة في المستقبل القريب للجانبين المتحاربين في ليبيا لإفساح المجال لبعضهما البعض واستكشاف السبل الدبلوماسية التي تتطلب تنازلات من جميع الجهات الفاعلة المعنية. لا يزال المشير حفتر الحل الأمثل في رأي كثير من الليبيين، ولكن أعتقد أنه أكثر مرونة مما يقدر الغرب. يمكن أن تكون فترة رمضان هي التي تحدث فيها نقطة التحول عسكريا ودبلوماسيا.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *