الرئيسية / الترجمة / وهم الشفافية

وهم الشفافية

الترجمة الشفافة تضمن النزاهة والتوافق والتكافؤ وهي جيدة كالنص الأصلي. وهذا هو السبب الذي مكّن الناس من الادعاء بأنهم قرأوا دوستويفسكي وكافكا، في حين أن ما قرأوه هو في كثير من الحالات ترجمة لأعمالهم (Schaffner, 1999). ويستند وهم الشفافية على فرضيتين، وهما أن الفرق بين اللغات والثقافات يمكن تحييده، وأن كل الاحتمالات التفسيرية للنص يمكن تلخيصها أو معالجتها كليا في ترجمة واحدة (López and Wilkinson, 2003). يدعي هيرمانز (Hermans, 1996:5) أن هذا الوهم ينبع من الحالة التي تمتعت بها الترجمة والمترجمين تاريخيا، حيث كان هناك دائما فرق هرمي بين النسخ الأصلية والترجمات، وبين المؤلفين والمترجمين، واعطاء الترجمة دائما منزلة أدنى. وقد عبّر عن هذا بأضداد مقولبة مثل “عمل ابداعي مقابل عمل مشتق”، و “أولي مقابل ثانوي”، و “فن مقابل حرفة”. تبدو هذه المكانة المتدنية واضحة أيضا في حقيقة أن الترجمة لم يتم اعتبارها تخصص أكاديمي قائم بذاته حتى منتصف القرن العشرين (Munday, 2001).

ومع ذلك، في هذا الوهم الواضح، لا يزال عمل المترجم واضحا جدا لأنه هو الذي يترجم أصوات ومنظورات ومعاني النص المصدر، مكثفا أو منقصا بعض جوانبه ويوجه القارئ من خلال الفروق الدقيقة، والأسلوب، أو السخرية التي قد تكون موجودة (Schaffner, 1999; O’Sullivan, 2003). في المنتج الناتج عن ذلك، النص الهدف، هناك دائما صوتان موجودان، صوت مؤلف النص المصدر وصوت المترجم (O’Sullivan, 2003)، ومحاولة محو تدخل المترجم تنطوي في الواقع على محو الترجمة نفسها (Schaffner, 1999). ويتفق هيرمانز (استشهد في Hatim and Munday, 2004) مع هذا الرأي ويقول أن أيديولوجية الترجمة فقط، وهم الشفافية، هو الذي يعمينا عن رؤية وجود صوت المترجم عند قراءة الترجمة.

من وقت لآخر، يكون من الضروري أن نذكر أنفسنا بما تعنيه الترجمة والدور الحاسم الذ يلعبه المترجمين في عملية فك رموز النص المصدر وتحليله وتفسيرها، وإعادة ترميز كل ذلك في اللغة الهدف. إن خلق النص الهدف له عدة آثار، بدءا من خصائص اللغة الهدف (المؤلف / القراء، الوظيفة، النوع ومعايير اللغة المصدر/ الهدف، الخ) والمتطلبات التي يحددها مفوض الترجمة (المقصد من وظيفة النص والقراء والوسط والدافع، وما إلى ذلك). ومع كل هذه المعلومات يصبح المترجم الشخصية المركزية التي تحتاج إلى إجراء عدد من الخيارات ووضع استراتيجيات من أجل إنتاج ترجمة وافية. هذه الخيارات والاستراتيجيات تمنح المترجم صوتا، حيث أن جميع الخيارات التي اختارها المترجم ستنعكس في النص الهدف النهائي، وهذا ما يتضح من خلال الكثير من الترجمات المعروفة. تُظهر بعض من هذه الترجمات كيف يمكن في بعض الأحيان أن يُنظر إلى وجود المترجم من خلال التحليل التقابلي بين النص المصدر والهدف، وبالتالي تقليل حجم هذا الصوت. إن الاتجاه الحالي الذي يقيّم الترجمة اعتمادا على سلاستها ومدى قربها أن تكون كنص أصلي في اللغة الهدف يُشكل مفارقة مثيرة للاهتمام. يحتاج المترجم إلى توظيف الاستراتيجيات والخيارات (صوتهم) لخلق نص يكن اعتباره استنساخ موثوق وأمين للنص الأصل، ولكن في نفس الوقت لا تبدو قراءته كترجمة. وعلاوة على ذلك، يتم الوثوق بالمترجم في ترجمة نص اللغة الأصل وإعادة ترميزه في اللغة الهدف، ولكن وجوده غير مرحب به في النص النهائي، ويجب أن يظل مخفيا قدر الامكان. وهذا هو ما يسميه الكتّاب وهم الشفافية، حيث يصبح صوت المترجم صامتا تقريبا، ويكون لدى القارئ انطباع بأنه يقرأ النص الأصلي أو نسخة طبق الأصل جيدة. وهذا له جذوره في مكانة الترجمة التاريخية المتدنية. ولكن، مهما كان النص الهدف سلسا وشفافا، ومهما بدى وجود المترجم هادئا ، فلن يمكن أن يكون صوته صامتا تماما، لأنه الترجمة نفسها، بكل خياراتها المعجمية، وتشكيلاتها النحوية، وبنية نصها، هي التي تحتوي على صوت المترجم.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

واقع الترجمة في العالم العربي

واقع الترجمة في العالم العربي

لقد وهنت حركة الترجمة في العالم العربي نتيجة تدني مستوى الحرية وتغليب المصلحة المادية والتجارية …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.