وسائل التواصل الاجتماعي في تعليم وتعلم اللغة الثانية والأجنبية

المدونات ، الويكي، والشبكات الاجتماعية

هذه المراجعة تستعرض وتجمع ملخصات لـسبعة وثمانين (87) مقالة محورية، تم نشرها بشكل أساسي منذ عام 2009 وحتى منتصف 2018 ، حول الاستخدام الرسمي وغير الرسمي لوسائل التواصل الاجتماعي – المدونات ، الويكي ، والشبكات الاجتماعية – في تدريس وتعلم اللغة الثانية والأجنبية (L2TL) ، بما في ذلك الدراسات التي أُجريت حول استخدام المواقع التعليمية مثل لايفموكا (Livemocha ) وبوسو (Busuu) والمواقع العامية مثل فيسبوك (Facebook) وتويتر (Twitter).  هذا المقال يؤطر المراجعة في تطوير وسائل التواصل الاجتماعي وتاريخ البحث في تعلم اللغة الاجتماعي بمساعدة الحاسوب (CALL). تحدد التوليفة النتائج الشائعة، بما في ذلك أن الوسائط الاجتماعية يمكنها تطوير الوعي بين الثقافات، والوعي البرجماتي الاجتماعي، ووعي الجمهور، وهوية المستخدم ومتعلم اللغة، ومعارف معينة للقراءة والكتابة. يتشابك عرض القطع المحورية والنتائج المشتركة مع مناقشة المسائل الإشكالية. ويختتم كل قسم بموجز والآثار المترتبة على البحث والممارسة في المستقبل.

 

 

1.  المقدمة

لقد أثرت الإنترنت على تدريس اللغة بشكل كبير على مدار العشرين عامًا الماضية، كما يتضح من مجموعة البحوث المتنامية في مجالات متنوعة، بما في ذلك علم أصول التدريس والتقييم، واكتساب اللغة الثانية، وتحليل الخطاب، ودراسات محو الأمية، والتواصل عبر الحاسوب، وعلم اللغة الاجتماعي. لقد اهتم مجال تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب على وجه الخصوص بإمكانية استخدام الإنترنت لتعلم اللغة، بدءًا من نشر العديد من المقالات الأساسية في منتصف التسعينيات والتي أشارت إلى فوائد مناقشات الفصل الدراسي عبر الحاسوب (مثل Chun, 1994; Kern, 1995) والتبادل بين الثقافات (مثل Warschauer, 1996). على الرغم من أن تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب اليوم يشمل مجموعة متنوعة من القضايا مثل التعليم عبر الإنترنت، الاختبار التكيفي المحوسب، الألعاب الرقمية، ولسانيات المجاميع (انظر الكتب الحديثة التي تم تحريرها بواسطة Farr & Murray, 2016 و Chapelle & Sauro, 2017)، فقد تزايد الاهتمام بالجانب الاجتماعي لاستخدام الإنترنت منذ أن قام مجال اكتساب اللغة الثانية بالمنعطف الاجتماعي (Firth & Wagner 1997; Block 2003) وبدء الجيل الثاني لتقنيات الويب (Web 2.0)، إلى جانب النطاق العريض الموسع وإمكانية الوصول إلى الأجهزة المحمولة، في دعم طرق جديدة للتفاعل الاجتماعي (Lankshear & Knobel, 2006; Warschauer & Grimes, 2007). فبدءًا من منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت التقنيات المعتمدة على منصات الويب 2.0 معروفة شعبياً باسم ‘وسائل التواصل الاجتماعي’، بما في ذلك المدونات والويكي والشبكات الاجتماعية ومجموعة متنوعة من المنصات والخدمات والتقنيات الإعلامية ذات الصلة.

بحلول عام 2009 ، وفقًا لمركز أبحاث بيو (Pew Research)، فقد أصبح نصف البالغين في الولايات المتحدة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سجل عدد المستخدمين ارتفاعًا من العُشر عام 2005 إلى ثلاثة أرباع بحلول عام 2015. كما شهد عام 2009 أيضًا علامة فارقة في الوعي بوسائل التواصل الاجتماعي بين ممارسي تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب مع نشر مجلدين بعنوان دليل البحوث على الويب 2.0 وتعلم اللغة الثانية (Thomas, 2009)، والجيل القادم: التواصل الاجتماعي والتعاون عبر الإنترنت في تعلم اللغات الأجنبية (Lomicka & Lord, eds. 2009). وقد كان قطاف عام 2012 مراجعة 85 قطعة عن الويب 2.0 في تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب (Wang & Vasquez, 2012)، والتي وجدت تركيزًا ناشئًا للبحوث على الهوية والتعاون والمجتمع. من عام 2009 حتى كتابة هذا التقرير، كانت هناك زيادة مستمرة في النشر حول وسائل التواصل الاجتماعي في المجلات التي تركز على تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب وغيرها من المجلات (على سبيل المثال ، Demaiziere & Zourou, 2012) وفي مجلدات محررة (مثل Lamy & Zourou,  2013؛ Dixon & Thomas, 2015). إن الغرض من المقالة الحالية هو تجميع هذه القطع وتقديم مراجعة حديثة للوسائط الاجتماعية في  تدريس وتعلم اللغة الثانية والأجنبية.

لإجراء المراجعة، اتبعت إجراءات نورس وأورتيغا (Norris & Ortega, 2006) لإجراء التوليف البحثي والتي تتمثل في: (1) تحديد الدراسات ومعايير الاختيار؛ (2) التركيز على المتغيرات والبيانات واستخلاص استنتاجات المرء، بدلاً من استنتاجات الباحث؛ (3) فحص المعلّمات والفئات التي تشملها الدراسات؛ و (4) إنشاء استدلال فائق التنسيق لتجميع الاستنتاجات. ولتحديد الدراسات ، بحثت عن الكلمات الرئيسية المرتبطة (الوسائط الاجتماعية، الويب 2.0، المدونات، الويكي، الشبكات الاجتماعية، فيسبوك، تويتر، وما إلى ذلك) في إصدارات 2009 وحتى منتصف 2018 من المجلات الأكثر شهرة في تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب: تعلم اللغة والتكنولوجيا (Language Learning and Technology) ومجلة اتحاد تعليم اللغة بمساعدة الحاسوب (CALICO Journal) و مجلة الجمعية الأوروبية لتعليم اللغات بمساعدة الحاسوب (ReCALL) ومجلة تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب (Computer Assisted Language Learning) ومجلة النظام (System) والمجلة الدولية لتعليم وتعلم اللغات بمساعدة الحاسوب (International Journal of Computer-Assisted Language Learning and Teaching). بالإضافة إلى ذلك، قمت بالبحث عن الدراسات الرئيسية قبل عام 2009 في المجلدات المحررة المذكورة أعلاه وأعداد المجلات الخاصة. وأخيراً، راجعت المراجع من أحدث المقالات والفصول بحثًا عن مقالات قد تكون ظهرت في المجلات أو المجلدات الأخرى. لقد قرأت 160 قطعة لتحديد فروع البحوث التي يمكن تصنيف دراسات متعددة تحتها على مدى السنوات العديدة المستهدفة. بعد ذلك ، اخترت الدراسات التجريبية التي اعتبرتها ممثلة للفروع المحددة كقطع محورية، بالإضافة إلى بعض القطع البيداغوجية أو قطع “الأفكار” التي شعرت أنها مفيدة لتأطير فرع بحثي معين، حيث بلغ العدد الاجمالي 87 قطعة. وعلى الرغم من أن بعض القطع التي تمت مراجعتها وفقًا لهذه المعايير بها عدد مشاركين منخفض أو أنها ذات طبيعة نوعية، وبالتالي لا يمكن بالضرورة تكرارها أو تعميمها علميًا، إلا أن أخذها في الاعتبار لا يزال مهمًا لأنها مبنية على أسس تجريبية وتقع في سياقات صالحة للتطبيق البيئي. فمن منظور ظواهري، ربما يعتبر النظر في مثل هذه الدراسات بشكل جماعي أفضل لإرشاد التنظير البيداغوجي والممارسة التأملية لأن سياقاتها التنفيذية أكثر ارتباطاً من سياقات الدراسات التجريبية الكبيرة.

تنقسم المراجعة إلى ثلاثة أقسام: المدونات (القسم 2) ، الويكي (القسم 3)، ومواقع وخدمات الشبكات الاجتماعية (القسم 4)، والذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام فرعية تشمل الاستخدام والتعلم غير الرسمي المعزز بمواقع وخدمات الشبكات الاجتماعية (4.1)، بيداغوجيا تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية المعززة بمواقع وخدمات الشبكات الاجتماعية (4.2)، و تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية بالمواقع التجارية لخدمات تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب المعززة بالشبكات الاجتماعية (4.3). لم يكن هناك ما يكفي من البحوث التجريبية المنشورة حول تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية بوسائل التواصل الاجتماعي الأخرى لتحديد مسارات البحث والاتجاهات وبالتالي ضمان إدراجها هنا. تعد المدونات والويكي ومواقع وخدمات الشبكات الاجتماعية هي الأكثر بحثًا لأنها الأكثر شعبية وموجودة منذ زمن طويل، وهي حقيقة لا تقلل بأي شكل من الأشكال ضرورة البحث لاستكشاف تقنيات التواصل الاجتماعي الأخرى. وعلاوة على ذلك، فقد تم أيضًا حذف البحث عن تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية بالتقنيات الأخرى كالتدوين المرئي (podcasting) (مثل Rosell-Aguilar, 2013) والتدوين الصوتي (مثل Huang, 2015) والعوالم الافتراضية (مثل Christensen & Christensen, 2015) والألعاب الرقمية (مثل Thorne & Fischer, 2012) لأن تاريخها ومساراتها في تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب فريدة ولن يؤدي تضمينها هنا إلى إنصافها، على الرغم من أنها قد تنطوي على ديناميات الوسائط الاجتماعية. أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن هناك عملًا كبيرًا على بيئات التعلم الافتراضية (virtual learning environments)، والتعلم غير الرسمي، ومحو الأمية الرقمية، واستقلالية المتعلم، والذي يتداخل مع الكثير مما تم تقديمه هنا ويمكن الإشارة إليه، ولكن دون حسابه من ضمن الدراسات المحورية.

 

1.1 وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات الاجتماعية والويب  2.0

لقد طور البشر قبل اختراع الإنترنت بوقت طويل تقنيات امتدت من الكتابة إلى بطاقات الاتصال إلى التلغراف، والتي شاركوا بها في التواصل الاجتماعي، ومشاركة المعلومات، والنشاط الإبداعي المشترك (Standage, 2013). في الأيام الأولى للإنترنت، دعمت أنظمة يوسنت (Usenet) و أنظمة لوحات الإعلانات النقاش غير المتزامن ومشاركة الموارد، وأتاحت برامج ومضيفي صفحات الويب التصويرية إنشاء الصفحات الرئيسية الشخصية وربطها تشعبيًا. كما قدمت الخدمات المبكرة القائمة على الويب مثل كومبيوسيرف (Compuserve)[1] و أمريكا أون لاين (America On Line)[2] للمستخدمين واجهة واحدة للوصول إلى الأخبار ومشاركة المعلومات والتفاعل اجتماعيًا مع مستخدمي الشبكة الآخرين. من منتصف إلى أواخر التسعينيات، بدأ مؤلفو المجلات الشخصية على الإنترنت في ربط مدوناتهم تشعبيًا بالمدونات الآخرى فيما أصبح يعرف باسم ‘عالم المدونات’ (blogosphere). ظهرت الويكي في نفس الوقت تقريبًا كوسيلة سريعة للمبرمجين لمشاركة وتنظيم الموارد بشكل تعاوني. في منتصف الألفينيات من القرن الماضي، أطلقت فريندستر (Friendster) وماي سبيس (MySpace)[3] ولينكد إن (LinkedIn)[4] وفيسبوك مواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي سمحت للأفراد بإنشاء الملفات الشخصية، والاتصال بالملفات الشخصية للمستخدمين الآخرين الذين عرفوهم أو أرادوا معرفتهم في الحياة الواقعية، ومشاركة المحتوى معهم. وكذلك قامت خدمات الويب التي ركزت على إنشاء الوسائط ومعالجتها ومشاركتها، مثل فليكر (Flickr) ويوتيوب، بدمج عناصر الشبكات الاجتماعية تدريجيا، حيث أصبحت بحلول عام 2010 من وسائل التواصل الاجتماعي.

أظهرت بعض التقديرات أنه بحلول عام 2018 ، سيكون لدى ما يقرب من ثلث سكان كوكبنا، أو ما يعادل 2.6 مليار شخص، نوع من الاستخدام لوسائل التواصل الاجتماعي (Statista, 2018). ترجع هذه الزيادة الهائلة في الاستخدام جزئيًا إلى التحول للويب 2.0 في منتصف العقد الأول من القرن العشرين إلى جانب التطوير المستمر لتقنية المعلومات والاتصالات الرقمية المحمولة التي يمكن الوصول إليها بأسعار معقولة. يشير  مصطلح الويب 2.0 (Web 2.0) إلى الجيل الثاني من تقنيات الشبكة العالمية التي سمحت بمشاركة أكثر للمستخدم ومشاركة للمحتوى أكثر مما كان ممكنًا باستخدام تقنيات الويب 1.0 القديمة، وهو ما أدى إلى وفرة الوسائط الاجتماعية. إن ما نعرفه اليوم كوسائط اجتماعية له جذور في تقنيات التواصل عبر الحاسوب، وتأليف الصفحات الرئيسية الشخصية، ومشاركة مجتمع الإنترنت، ولكن قدرة تقنيات الويب 2.0 الجديدة، التي بدأت في أوائل العقد الأول من القرن العشرين، على فصل المحتوى عن الشكل، هي التي سمحت للمستخدمين بإنتاج شبكات المحتوى والتعبير، مما أدي إلى إنشاء المدونات والويكي ومواقع الشبكات الاجتماعية.

وبينما ليس هناك اتفاق على تعريفها تمامًا، فإن الوسائط الاجتماعية تشير عادةً إلى أي تطبيق أو تقنية يشارك المستخدمون من خلالها في موارد وممارسات الوسائط وإنشاءها ومشاركتها مع مستخدمين آخرين عن طريق الشبكات الرقمية. يجادل زورو ولامي (Zourou & Lamy, 2013) بأن الافتقار إلى الوضوح يؤدي إلى إرباك كل التفاعلات الاجتماعية التي تتم بوساطة الإنترنت باعتبارها ممارسة لوسائل التواصل الاجتماعي. يستعير الكاتبان وصف موسير وآخرون (Musser et al., 2006) لوسائل التواصل الاجتماعي على أنها تتميز بإعادة استخدام المحتوى ومشاركته، وانفتاح البنية الذي يتيح الاستخدام السهل والتوسعي، وامكانية التأثير لنشاط المشاركة على الشبكة. يصنف زو وتشن () الوسائط الاجتماعية بأنها من جانب تتمحور إما على الملفات الشخصية أو على المحتوى، وإما أنها قائمة على الرسائل الشخصية أو الرسائل الإذاعية من محور آخر، وهو الأمر الذي عنه أربعة أنواع أو أغراض تتمثل في الاتصال بالآخرين وبناء العلاقات، التعاون مع الآخرين، تقديم أو نشر هوية، أو التعبير عن النشاط الإبداعي. يُعرّف نيشنز (Nations, 2015) وسائط التواصل الاجتماعي بأنها تتميز بخصائص مثل حسابات المستخدمين، صفحات الملفات، والربط الشبكي، والتغذية والتنبيهات الاخبارية، ميزات التخصيص، أنظمة المراجعة، وأنظمة التغذية الارتجاعية مثل أزرار ‘صوت’ (upvote) أو ‘أعجبني’ (like). تُعد مواقع وخدمات الشبكات الاجتماعية نوعًا من وسائط التواصل الاجتماعي التي تجعل أنشطة ملفات الدعم الشخصي والشبكي في الطليعة، أما تطبيقات الوسائط الاجتماعية الأخرى فترتكز عادة على تنظيم المحتوى. ينشأ الارتباك لأن تطبيقات الوسائط الاجتماعية، بما في ذلك تطبيقات التعلم المهيكلة (انظر القسم 4.3)، يتم دمجها بشكل متزايد في واجهات مواقع الشبكات الاجتماعية أو يتم تعزيزها بميزات مواقع الشبكات الاجتماعية، والعكس بالعكس، وغالبًا ما تصنف المواقع والخدمات نفسها تحت اسم ‘وسائل التواصل الاجتماعي’ لأغراض تسويقية و لتمييز نفسها عن منافسيها، وليس لأن هناك تعريف محدد يناسبها.

 

1.2  وسائل التواصل الاجتماعي في تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب

منذ أن تم اعتبار التفاعل الاجتماعي الهادف ضروريًا لتعلم اللغة، سعى مدرسو اللغة إلى دمج وسيلة للممارسة التواصلية في التدريس، حيث تم تحديد بعض تطبيقات الإنترنت الأولى للتبادل المتزامن (الدردشة) وغير المتزامن (البريد الإلكتروني و أنظمة لوحات النشرات) على أن لها إمكانات تعليمية، ومن ثم بدأ المعلمون في الاستفادة منها والباحثون بدراستها بمجرد أن أصبح ذلك ممكنًا من الناحية اللوجستية. وجدت الأبحاث التجريبية المبكرة (مثل Beauvois Beauvois, 1992; Chun, 1994;Kern, 1995;؛ راجع Ortega, 1997 للحصول على خلاصة) دليلًا على أن السمات المختلفة للتواصل بواسطة الحاسوب أدت إلى زيادة إنتاج المخرجات، والوصول إلى مجموعة واسعة من الخطابات، والمشاركة المساوية، وزيادة الفعالية، وإن كان ذلك في بعض الأحيان على حساب الدقة. لا تزال هذه الامكانات المتوفرة مرتبطة باستخدام الوسائط الاجتماعية في تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية.

لقد وجد باحثو الإنترنت الاجتماعية في تصميماتهم البحثية أن الأطر المعرفية والنفسية اللغوية غير كافية لتفسير بعض نتائج المناقشات بوساطة التقنية والتعاون عن بعد (انظر Reinhardt, 2012). وبإلهام من “المنعطف الاجتماعي” في مجال اكتساب اللغة الثانية (Firth & Wagner, 1997; Block, 2003)، تحول الكثيرون إلى أطر نظرية مستنيرة اجتماعيا، مثل النظرية الاجتماعية الثقافية، أو الممارسة الوضعية، أو التنشئة الاجتماعية للغة، أو الأطر الاجتماعية المعرفية التي تنظر إلى تطور اللغة على أنه أساسًا ظاهرة اجتماعية. ففي الفصل التمهيدي لكتابهم المهم تعليم اللغة المعتمد على الشبكة والذي تم تحريره في عام 2000 ، أوضح كيرن ووارشوير (Kern & Warschauer, 2000) ما يلي:

إن النهج الاجتماعية المعرفية لتعلم اللغة بمساعدة الحاسوب تحول الديناميكية من تفاعل المتعلمين مع أجهزة الحاسوب إلى التفاعل مع البشر الآخرين عبر الحاسوب. يكمن أساس هذا النهج الجديد لتعلم اللغة بمساعدة الحاسوب في كل من التطورات النظرية والتكنولوجية. فمن الناحية النظرية، كان هناك تركيز أوسع على التفاعل الهادف في مجتمعات الخطاب الأصلية. أما من الناحية التكنولوجية، فقد حدث تطور في شبكات الحاسوب يسمح باستخدام الحاسوب كوسيلة للتواصل الإنساني التفاعلي. (ص 11)

بمعنى آخر ، قبل الويب 2.0 والمفاهيم الشائعة عن وسائل التواصل الاجتماعي، وجد مدرسو اللغة الثانية والباحثون في الأطر المستنيرة اجتماعيًا الأساس النظري الذي يمكن من خلاله الاستفادة من المعطيات الاجتماعية التفاعلية للتواصل عبر الإنترنت (البريد الإلكتروني، ولوحات المناقشة، والدردشة) لغرض تدريس اللغة. لقد أتاحت إمكانات استخدام اللغة والتعلم، أو ‘معطيات’ (Gibson 1979؛ van Lier, 2004) هذه الأدوات التعبير الفردي من خلال تأليف الصفحات الرئيسية والمشاركة في ‘المجتمعات الإلكترونية’ غير الملزمة بدنيًا وزمنيًا.

استمرت الأسس النظرية والمنهجية للبحث حول ما سيصبح وسائل إعلام اجتماعية خلال العقد الأول من القرن الحالي أثناء التحول للويب 2.0. إن العمل على وسائل التواصل الاجتماعي في علم الاجتماع، ودراسات التواصل، والتعليم (انظر Boyd & Ellison, 2007 للاطلاع على مراجعة محورية؛ و أيضًا Wilson, Gosling & Graham, 2012) قد ألهم أبحاثًا جديدة في مجال تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية. جادل لام (Lam. 2000, 2004) بأن استخدام الإنترنت الاجتماعي كان ممارسة لمحو الأمية الاجتماعية، حيث أن أعمال تقديم الذات والهوية عبر الإنترنت كانت أفعال إشارية اجتماعية تتضمن مخزونات رمزية تم تعلمها من خلال التنشئة الاجتماعية. وكاستجابةً لفرضية برنسكي (Prensky, 2001) عن “السكان الرقميين الأصليين (digital natives)، قدم ثورن (Thorne, 2003) تفسيرًا نظريًا اجتماعيًا ثقافيًا للسلوك على الإنترنت حيث اعتبره انعكاسًا  لثقافات الاستخدام المحتملة سياقيًا. حددت دراسات التعاون عن بعد إمكانات التواصل بواسطة الحاسوب لتطوير الكفاءات البين ثقافية والاجتماعية البراجماتية (مثل Furstenberg et al., 2001; Belz & Kinginger, 2002). ومع ظهور أدوات وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظ وارستشاور وجرايمز (Warschauer & Grimes, 2007) أن المدونات بدت وكأنها تسلط الضوء على التأليف كتملك وعكست نوعًا من حوارية باختين (Bakhtinian dialogism)[5]، وأن الويكي ركزت على الإنتاج التعاوني للنص وعكست التنشئة الاجتماعية في مجتمعات الخطاب، وأن التشبيك الاجتماعي قللت من التركيز على التأليف وعكست مفاهيم ما بعد البنيوية من تعددية الأصوات والتفكيكية[6]. بحلول عام 2009 ، كان لدى الباحثين قواعد نظرية صارمة وأمثلة منهجية متاحة بسهولة لفحص ودراسة وسائل التواصل الاجتماعي.

 

على الرغم من أن بعض الأبحاث التي شملها المسح عمهيه (agnostic) من الناحية النظرية، كما هو الحال أحيانًا مع الأبحاث الجديدة في تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب الجديدة (Blyth, 2008)، إلا أن معظمها يستخدم أطر مستنيرة اجتماعيًا، وخاصةً البنائية الاجتماعية، إلى جانب منهجيات قابلة للقياس تميل للنهج النوعي والعاطفي (emic)[7] والاثنوجرافي. يستخدم الكثيرون مفهوم المعطيات المذكور آنفًا ويتبنى العديد منهم صراحةً إطارًا بيئيًا يرتكز على فكرة أن المعطيات والقيود الخاصة بتعليم وتعلم اللغة الثانية تتطور من التفاعلات الديناميكية المعقدة الناشئة للجهات الفاعلة والبراعات في سياق معين. وجادل البعض (مثل Lafford, 2009؛ Reinhardt, 2012) بأنه نظرًا لأن التعقيد واللا خطية مركزيان في تعريفاتهم، فإن المنظورات البيئية يمكن أن تستوعب بسهولة أكثر الطبيعة الديناميكية المتشابكة متعددة الوسائط والعقد لاستخدام الوسائط الاجتماعية.

 

 

 

2. المدونات

المدونة (blog) عبارة عن موقع على شبكة الإنترنت يشبه المجلات مؤلف من منشورات مؤرخة يتم تقديمها بترتيب زمني عكسي، وغالبًا بتعليقات مترابطة تحت كل منشور. تقدم المدونات “مزيجًا بنسب فريدة من الارتباطات والتعليقات والأفكار والمقالات الشخصية” (Blood, 2000)، وبالتالي يُجادل بأنها مساحات مثالية لتطوير الخبرة والتعبير عنها. يرتبط المدونين مدوناتهم بالمدونات الأخرى، مما يخلق مجتمعات شبكية من الكتاب والقراء تُعرف مجتمعة باسم ‘عالم المدونات’. ظهرت العديد من الأنواع بمرور الوقت (Herring et al., 2005 ، استشهد به في Warschauer & Grimes, 2007)، بما في ذلك المدونات الشخصية والمدونات المصفية (filter blogs) ومدونات المعرفة – أي ما يكافئ تقريبًا يوميات الإنترنت والمجلات الإخبارية والأدلة الموضوعية، على التوالي. وبينما تختلف الأنواع وفقًا للغرض والجمهور ودور المؤلف، فإن التدوين يتصدر الفعل الخاص بالتأليف الفردي المعروف (على عكس المجهول — انظر Zhao, Grasmuck & Martin, 2008)، رغم أن بعض الأنواع، خاصة المدونات المصفية، تسمح لمؤلفين متعددين.

يمكن القول إن المدونات هي أول وسائل التواصل الاجتماعي لأنها مصممة لدعم القراءة التفاعلية وتضمين الوسائط المتعددة منذ إنشائها في أواخر التسعينيات. وبمجرد أن سمحت الويب 2.0 للأفراد الذين ليس لديهم معرفة بالبرمجة بإنشاء مدونات، ازدهرت هذه الممارسة – يعتبر مزود ووردبرس (WordPress) واحدا فقط من العديد من مضيفي المدونات، حيث نشر لوحده أكثر من 18 مليون مدونة في عام 2014  (Crum, 2015). ولكن في الآونة الأخيرة، عندما أصبحت الكتابة التفاعلية الشخصية المستندة إلى الويب مدمجة في الشبكات الاجتماعية وغيرها من الوسائط الاجتماعية مثل تويتر (والتي تسمى أحيانًا ‘التدوين المصغر’ – راجع القسم 4)، ربما أخذت المدونات التقليدية ذات التأليف الفردي في التراجع بشكل عام وبدأت تصبح ممارسة تخصصية.

ومع ذلك، كما لاحظ العديد من المدرسين والباحثين في اللغة الثانية، فإن التدوين قد يستمر في الحفاظ على إمكانات لتعلم اللغة بسبب معطياته الفريدة للكتابة كممارسة اجتماعية. لقد كانت الكتابات المبكرة في كثير من الأحيان تأملية واستكشافية، وتصف إمكانات لم يتم فحصها ودراستها تجريبيا بعد. على سبيل المثال ، ناقش جدوين-جونز (Godwin-Jones, 2003) أصول الويب 2.0 الخاصة بالمدونات وإمكانية المدونات للعمل كمجلات أو حقائب وثائق شخصية، لأنه بدى أنها تدعم التعلم التأملي وتطور الإحساس بالملكية أو السلطة. عرض كامبل (Campbell, 2003) إطارًا لأنواع المدونات من أجل التطبيق التعليمي شمل مدونات المعلم كمجموعات من المراجع والمصادر الصفية يديرها المعلم، ومدونات المتعلم كمجلات أو حافظات على الإنترنت للطلاب الأفراد، ومدونات الفصل كمساحات للتعاون والتفاعل (راجع Alm, 2009 ، والقسم  2.1.3).

تُكمل الكتابات البيداغوجية المبكرة الأخرى مناقشة الإمكانات بأمثلة للتطبيق، وعادةً ما يتم تقديمها بشكل إيجابي. فكسياق لممارسة الكتابة باللغة الإنجليزية كلغة ثانية، سرد وارد (Ward, 2004) المعطيات المزعومة، مجادلًا بأن عالم التدوين يوفر الوصول إلى مجموعة واسعة من المواضيع والسجلات وأن التدوين يعزز تطوير الاستراتيجيات والمهارات، مثل القراءة السريعة والقراءة الدقيقة والقراءة النقدية. إن تطبيقه يوضح كيف يمكن للطلاب الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية استخدام المدونات للرد على الأخبار وتقديم النقد للأفلام. وفي مقال مبكر آخر تم الاستشهاد به كثيرًا، وصف دوكاتي ولوميكا (Ducate & Lomicka, 2005) مشروعًا أنشأ فيه متعلمو الفرنسية مدونة للتواصل مع بعضهم البعض وأفراد العائلة والأصدقاء في الوطن أثناء الدراسة في الخارج، ومشروع آخر حيث استخدم المتعلمون المدونات الألمانية كمدخلات لمجموعة متنوعة من أنشطة القراءة والكتابة. لقد تم تنفيذ العديد من الأفكار التي عرضوها منذ ذلك الحين وكتابة التقارير عنها من قبل الآخرين، بما في ذلك قراءة المدونات بلغة الدراسة، والنشر في مدونة فصل مشتركة، واستخدام المدونات كوسيلة للتبادل التعاوني عن بعد.

 

2.1 البحوث البارزة على تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية المعزز بالمدونات

منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتبعت الأبحاث حول تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية المعزز بالمدونات العديد من المسارات المتشابكة: (1) المدونات كوسيلة للتعلم الثقافي والتبادل بين الثقافات؛ (2) المدونات كمساحات لمحو الأمية وتنمية الهوية؛ المعطيات المزعومة للمدونات لتطوير (3) استقلال المتعلم و (4) توعية الجمهور؛ و (5) أهمية تصميم المهام ومتغيرات المتعلم، وهي نسيج ظهر من/عبر المسارات أخرى.

 

2.1.1 تعلم الثقافة

أدركت مجموعة مهمة من الأبحاث أن المدونات هي مساحات مثالية للتعلم الثقافي والتبادل بين الثقافات، ولكنها تقدم بعض التحديات. على سبيل المثال ، كان لدى دوكاتي ولوميكا (Ducate & Lomicka, 2008) 9 من متعلمي الفرنسية الأمريكان  في سن الجامعة و 20 من متعلمي الألمانية يتابعون مدونين معينين ويقدمون عنهم من الثقافة الهدف ثم يتطورون ويتفاعلون من خلال المدونات الشخصية. وجد الباحثون عند تحليلهم لعمل الطلاب أن بعض الطلاب عبروا عن أنفسهم بحرية أكبر في المدونات مقارنة بتعبيرهم في الصفوف أو في مهام أخرى. وتوافقًا مع النتائج المستقبلية في العمل على استقلالية المتعلم (راجع Alm, 2009 ، والقسم 2.1.3) وقضايا تصميم المهام (راجع Lin, Groom & Lin, 2013; Chen, 2015، والقسم 2.1.4 )، ومع ذلك، فقد كشف دوكاتي ولوميكا العديد من التحديات، بما في ذلك أن الطلاب أبلغوا عن عدم قراءة تعليقات بعضهم البعض، وأن بعض المتعلمين اشتكوا من أن المدونات المستهدفة التي يقرؤنها لم تكن مرتبطة دائمًا بمحتوى المقرر، وأن بعض الطلاب أرادو مزيدًا من الحرية في اختيار ما يكتبون عنه في مدوناتهم الخاصة .

في الوقت نفسه، لم يبلغ إيلولا وأزكوز (Elola & Oskoz, 2008) عن أي تحديات جدية في مشروعهم للتعاون عن بعد الذي تفاعل فيه متعلمو الإسبانية كلغة ثانية في الولايات المتحدة مع متعلمي الإسبانية كلغة ثانية الذين يدرسون في الخارج في إسبانيا في مدونات مجموعات صغيرة، حيث يتصرف الطلاب في الخارج كمخبرين ثقافيين. ووجدوا أيضًا اختلافات قليلة مهمة في المجموعات قبل التجربة أو بعدها فيما يتعلق بكل من الكفاءة البين ثقافية والمواقف تجاه المدونات كأدوات تعلم. وفي مشروع مشابه، استخدم لي (Lee, 2009) المدونات والتدوين المرئي لمشروع تعاون عن بعد يربط المتدربين من المعلمين الخريجين في إسبانيا بمتعلمي الإسبانية في الولايات المتحدة. وجد لي أن الطلاب أحبوا أن يكون لديهم جمهور حقيقي، ولكن بسبب عدم المساواة في الوضع فيما يتعلق بإتقان اللغة، فقد أبلغ بعض الطلاب عن شعور بعدم التوازن – وهي مسألة ليست غير شائعة بالنسبة للتعاون عن بعد. دمج مشروع  لي اللاحق (Lee, 2012) بعض من تصميمات المهام الخاصة بدوكاتي ولوميكا (Ducate & Lomicka, 2008) وإيلولا وأزكوز (Elola & Oskoz, 2008)، بالإضافة إلى المقابلات المستنيرة اثنوغرافيًا مع المخبرين والخبراء. جادل لي إنه كان هناك دليل على أن المدونات دعمت تطوير الوعي النقدي بين الثقافات، وخصوصًا لأن الطلاب يمكنهم رؤية كيف تغيرت وجهات نظرهم من خلال مقارنة التدوينات القديمة بالجديدة. قد يكون تصميم المهام ذا أهمية خاصة عند استخدام المدونات كمساحات تعليمية للمتعلمين الذين يدرسون في الخارج. يلاحظ جابودان (Gabaudan, 2016) الحاجة إلى تصميم واضح للمهام، وتوجيهات التقييم، وملاحظات المدرس المتسقة، بالإضافة إلى أهمية دعم المتعلمين في ممارسات الكتابة التأملية المنتجة للغة الثانية قبل المغادرة.

وبالذهاب إلى ما وراء الابتكار البيداغوجي، استخدم بعض العمل اللاحق طرقًا أكثر تعقيدًا لتقديم أدلة عن التعلم الثقافي المدعوم بالمدونات، مع وجود محاذير مهمة. على سبيل المثال ، حدد يانغ (Yang, 2011) التوترات والأحداث الرئيسية في مدونات المجموعات التي تم إنشاؤها عن بعد بواسطة 9 من متعلمي اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية في اليابان و 20 في تايوان. وجدت يانغ أن معظم الطلاب قاموا بتفسير التبادلات من وجهات نظر عامة، معتقدين أن التفاهمات المتبادلة والمصالح المشتركة ستؤدي إلى الألفة، وعلى العكس من ذلك، فإن الافتقار إلى العمومية يعني عدم وجود أساس لبنائها. وفي المقابل، سعى الطلاب القادمين من منظورات نسبية إلى الربط من خلال تفسير المعاني ليس بالقيمة الاسمية ولكن من خلال الارتباط بها، محددين القواسم المشتركة على مستوى رمزي أعمق. يوضح عمل يانغ أنه سواء كانت ميزة التبادل المعزز بالمدونة الذي وفر التعلم أم لا، ربما تكون خارج الموضوع، لأن المدونات (والوسائط الاجتماعية الأخرى – راجع القسم 4.1.1) تم تطبيعها كمساحات تفاعلية. وبمعنى آخر، على الرغم من أن التقنية قد توفر وسائل جديدة للتفاعل، إلا أنها قد تضلل بسبب التأثيرات الوسيطة (Ware, 2005; Kern, 2014)، حيث لا يمكن ضمان نتائج التعلم التحويلية بأي شكل من الأشكال.

 

2.1.2 معرفة القراءة والكتابة وتنمية الهوية

يركز فرع بحثي آخر في تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية المعزز بالمدونات على تطوير معرفة القراءة والكتابة الأكاديمية والهوية، وغالبًا ما يستخدم أساليب دراسة الحالة النوعية في مدرسة عمل لام  (على سبيل المثال ، Lam, 2000) على تطوير الهوية بالتواصل بوساطة الحاسوب. ففي مقالة مبكرة استشهد بها كثيرًا، يقدم بلوخ (Bloch, 2007) دليلًا على أن المتعلم الأساسي، المتعلم الانجليزي المراهق، وجد مساحة للتأمل، والعرض الذاتي، والتعبير الشخصي في مدونة الفصل، وبالتالي طور القراءة والكتابة الناقدة. وبالمثل ، توضح دراسة جيبهارد وشين وسيجر (Gebhard, Shin & Seger, 2011) كيف أن استخدام متعلمة إنجليزية شابة لمدونة صفية لمجموعة من الأغراض الأكاديمية والاجتماعية قد وسعت محزونها التواصلي، وطورت مهارات القراءة والكتابة، وبنت الوعي الفوق لغوي والوعي بالنوع. وباستخدام أساليب مماثلة وطرح أسئلة مشابهة أيضًا، درس صن وتشانغ (Sun & Chang, 2012) دور الحوار التعاوني المعزز بالمدونات في تطوير الهوية التحريرية بين سبعة مدرسين من الخريجين التايوانيين للغة الإنجليزية كلغة ثانية. أظهر تحليل استخدام اللغة أن الهوية المفهرسة وتحديد المواقع أن المتعلمين كانوا مدركين جدًا لقلة خبرتهم كمبتدئين في الكتابة الأكاديمية، ومشككين في كفاءتهم، لكنهم وجدوا الإلهام في الروايات المقدمة من محترفي تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية من غير الناطقين الأصليين. كما اكتشف أرشافسكايا (Arshavskaya, 2017) أيضًا، وهو يستكشف تطوير هوية المعلم، أن التعلم التحويلي يمكن أن يحدث عندما يتأمل المعلمون المتدربين في انتاج سلاسل الأحداث وهوياتهم المستقبلية من خلال المهام المعززة بالمدونات، على الرغم من أن بعض المتعلمين قد يستجيبون بشكل أفضل للمناقشة وأساليب التوجيه التفاعلية التي لا تدعمها المدونات.

وبينما كانت صارمة منهجيًا، فإن حقيقة أن بلوخ (Bloch, 2007) وجيبهارد وآخرون. (Gebhard, Shin & Seger, 2011) قد قدموا دراسات حالة فردية وأن المشاركين في دراستي صن وتشانغ (Sun & Chang, 2012) وأرشافسكايا (Arshavskaya, 2017) كانوا معلمين متدربين، وبالتالي ربما تم اختيارهم ذاتيًا، لا يرفع بالضرورة قضية للتطبيق الواسع النطاق لبيداغوجيا اللغة الثانية المعززة بالمدونات. ومع ذلك، فهي منهجيًا صارمة للغاية وتعمل على إعلام الممارسة في المواقف ذات الصلة. من المهم أيضًا، على الرغم من أنه لم يكن محور البحث، إلا أنها ضمنيا تشترك في أن تعليم اللغة الثانية الناجح المعزز بالمدونات قد يعتمد على التفاعلات المعقدة بين تصاميم المهام ومتغيرات المتعلم (راجع القسم 2.1.5). وبمعنى آخر، فإن أكثر مهام المدونات نجاحًا تشجع على التأمل والعرض الذاتي والتحقيق في المعرفة العميقة وتطوير الخبرات، ولكن متغيرات المتعلم مثل الخلفية والخبرة في التقنية، وكذلك متغيرات المهام مثل الجمهور والموضوع، قد تؤثر على النتائج.

 

2.1.3 استقلالية المتعلم

يجادل مسار آخر للبحث حول تعلم وتعليم اللغة الثانية والأجنبية المعزز بالمدونات أنه يجب على المهام القائمة على المدونات أن تدعم وتطور استقلالية المتعلم. على سبيل المثال ، صممت آلم (Alm, 2009) تدريسًا للغة الألمانية مُحسَّنًا بالمدونات بهدف تعزيز استقلالية المتعلم. سعى تصميمها المستنير بنظرية تقرير المصير[8] (Deci & Ryan, 2007، استشهد به في  Alm, 2009: 208) إلى توفير التحدي والمكافأة المثليين، وتوفير التفاعل الاجتماعي، وتعزيز الوكالة من خلال السماح للطلاب بالتحكم في إعدادات الخصوصية وتحديد من سيكون جمهورهم. وفي مقال مشابه، وصف جوث (Guth 2009) ’بيئة للتعلم الشخصي’  قائمة على المدونات لمتعلمي اللغة الإنجليزية الجامعيين كلغة أجنبية يمكن تعديله من قبل المتعلمين الأفراد، وهو ما يزيد من استقلالية المتعلم ويعمل كمساحة لتجميع وأرشفة وإدارة مصادر التعلم عبر الإنترنت. ومع ذلك، فعلى عكس نظام إدارة التعلم، فإن بيئة التعلم الشخصي القائمة على المدونات مفتوحة المصدر ومصممة لتكون قابلة للتنقل والتوسع إلى ما بعد المقرر الواحد، وبالتالي تعزيز التعلم غير الرسمي المستقل و التعلم مدى الحياة.

يضيف العمل اللاحق الفوارق الدقيقة إلى هذا الفهم بدعم تجريبي. فعلى سبيل المثال، سعى لين وجروم ولين (Lin, Groom & Lin, 2013) إلى اكتشاف سبب عدم قيام العديد من الطلاب بالتدوين أكثر من المطلوب في المناهج الدراسية الرسمية، ولم يستمروا في التدوين بعد التدريس. أظهرت الدراسات الاستقصائية التي أجريت على ثمانية طلاب السنة الجامعية الأولى من متعلمي اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أنهم يعترفون بالطبيعة الابداعية المريحة للمدونات، لكنهم كانوا أكثر تركيزًا على الطبيعة الرسمية المعينة لمهام التعلم بدلاً من جودتها المحسّنة بالمدونات. لقد شعروا أن المدونات عرّضتهم لمدخلات لغوية جديدة ومفيدة، لكنهم شعروا أيضًا بمشكلة الضغوط الاجتماعية وحدود الوقت المتصورة لعدم ارتكاب أخطاء لغوية في منشوراتهم ولتقديم التعليقات للأقران. لقد وجد الطلاب أن التدوين في الفصل يمثل إلهاءً عن الوقت الثمين للتفاعل وجهاً لوجه، ولكن التدوين خارج الفصل أمر صعب بسبب الملهيات الأخرى. ولتوضيح النتائج، افترض الباحثون أن انخفاض مستوى طلاقة الطلاب المراهقين وربما الإفراط في الألفة مع وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهم في الاستياء وعدم الرضا.

 

2.1.4 الوعي بالجمهور المعزز بالمدونات

ينصب التركيز الآخر لأبحاث تعلم وتعليم اللغة الثاني والأجنبية المحسّن بالمدوّنات على تنمية الوعي بالجمهور – يُجادل إنها من معطيات الوسائط الاجتماعية الأخرى أيضًا (راجع القسم 3.1.4). في مقال مبكر، قارن رايث (Raith, 2009) المجلات الورقية والقائمة على المدونات لتسعة وعشرين (29) من متعلمي اللغة الإنجليزية المراهقين كلغة أجنبية فيما يتعلق بالعناصر التفاعلية واللغة بين الأشخاص، حيث وجد أن كتّاب المدونات كتبوا أكثر وبشكل بتفاعلي أكثر. ثم وجد مسح بعدئذ أدلة على أن المدونين كان لديهم شعور أكثر تطوراً بالجمهور، في حين أن كتّاب المجلات الورقية أكثر اهتمامًا بالخصوصية. قارن أرسلان وساهين-كيزلي (Arslan & Sahin-Kizli, 2010) تدريس عملية الكتابة المحسّن بالمدونات مع عملية الكتابة وجهًا لوجه. أظهرت المقارنة اختلافات كبيرة في التحسّن من قبل المجموعة التجريبية، حيث كانت الاختلافات الأكبر في المحتوى والتنظيم. يشرح الباحثان هذه النتيجة من حيث الوعي بالجمهور، أي أن المدونين استفادوا من معرفة وتجربة جمهور موسع لمقالاتهم القصيرة.

ولكن، مثل الفوارق الدقيقة المذكورة آنفًا التي أضافها عمل لين وآخرون (Lin et al., 2013) إلى التفاهمات حول استقلالية المتعلم، فإن الأبحاث الحديثة أيضًا تقتضي ضمنًا تصميم المهام في الإمكانات المزعومة للوعي بالجمهور. وللتوضيح، كان لدى تشن (Chen, 2015) 33 من المتعلمين التايوانيين الجامعيين للغة الإنجليزية كلغة أجنبية يحتفظون بمدونات شخصية حول مواضيع من اختيارهم، ويقومون بالتعليق على مدونات بعضهم البعض. أظهر تحليل ما بعد التدريس أن المتعلمين ككل كانوا أكثر رضًا عن الأنشطة المعرفية (التي تركز على المعرفة) التي تتضمن تصحيحًا للنحو والقواعد أكثر من الأنشطة الاجتماعية (التي تركز على العارف) والتي تتضمن التواصل والتفاعل، وذلك ربما لأن المدونات تدعم التعبير الفردي عوضًا عن التعاون ( Warschauer & Grimes, 2007). ومع ذلك، فقد بين التحليل الأعمق أنه من المحتمل أن النتائج كانت منحرفة لأن المتعلمين الأكثر رضًا قد أظهروا خبرة أكثر في مواضيع مدوناتهم، والمزيد من الاستثمار في التقديم الذاتي لجمهور متخيل، حتى عندما تلقت منشوراتهم تعليقات قليلة (راجع King, 2015 ، القسم 3.1.4). أما المتعلمين غير الراضين فقد شعروا بأنهم أقل استثمارًا أو تأهيلًا في الكتابة حول موضوعات مدوناتهم، حيث كانوا إما متأثرين سلبًا بالوعي بالجمهور، مثل بعض طلاب لي (Lee, 2009، القسم 2.1.1 )، أو مقتنعون بعدم وجود جمهور لمدوناتهم، لأنها كانت مجرد مهام صفية. وباختصار، يبدو أن المهام التي تشدد على جمهور خارجي سيف ذو حدين، لأن إدراك ذلك الجمهور يمكن أن يمكّن متعلمي اللغة الثانية أو يخوّفهم.

 

2.1.5 تصميم المهام المعززة بالمدونات ومتغيرات المتعلم

البحوث المتعلقة بالتبادل بين الثقافات، ومعرفة القراءة والكتابة وتنمية الهوية، واستقلالية المتعلم، والوعي بالجمهور المعزز بالمدونات تقتضي ضمنًا النظر في كل من تصميم المهام ومتغيرات المتعلم لتحقيق الإمكانات التعليمية للمدونات. توضح دراسة ديبولد (Dippold, 2009) لتعليقات الأقران في المدونات كيف أن الاثنين متشابكان. فعند دراسة جودة تعليقات المدونات التي وفرها متعلمو الألمانية المتقدمون لبعضهم البعض، وجد الباحث أنهم نادراً ما كانوا منتقدين أو مركزين على الصيغ لأن المتعلمين كانوا مترددين بسبب مشكلات المواجهة وعدم الأمان فيما يتعلق بقدرات اللغة. وفي دورة أكاديمية متقدمة لتعلم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية مع أحد عشرة (11) طالبًا، وجد فيردين (Vurdien, 2013) أدلة على أن مهام الكتابة المعززة بالمدونات المصممة جيدًا والمكمّلة بالنقاش وجهاً لوجه قد أدت إلى مكاسب تعلم مقيّمة ذاتيًا. في حين أن معظم الطلاب قدّروا وقت الإنشاء والتأمل الذي توفره مهام ما قبل الكتابة غير المتزامنة والتغذية الراجعة، إلا أن قلة منهم لم نعجبهم طبيعتها المنظمة المفروضة، وشعروا بأن المزيد من أنشطة النقاش المفتوحة المتعلقة بالمسائل الحالية التي كتبوا عنها كان يمكن أن تكون  أكثر تحفيزًا. تتمثل الآثار المترتبة على دراسات ديبولد وفيردين في أنه يجب أن يكون لدى المتعلمين بعض الخيارات في التركيز المواضيعي لأنشطة وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى بعض التحكم في الجمهور (راجع Chen, 2015 ، والقسم  2.1.1) للتخفيف من مشكلات المواجهة المحتملة.

ركز تشين وشيه ولين (Chen, Shih & Liu, 2015) بشكل مباشر على تصميم مهام تعلم اللغة الثانية المعزز بالمدونات، والتي يجادلون بأنها قد تكون مسؤولة عن بعض النتائج السلبية، مثل تلك التي في دراسة كروز (Krause, 2005)، الذي وجد أن معلمات المهمة المبهمة أدت إلى تثبيط الطلاب، حيث أنه غالبًا ما تم استخدام المدونات عندما كان يمكن للتقنيات الأخرى الأكثر بساطة أن تؤدي الغرض، فكانت تعليقات الأقران المعززة بالمدونات غير فعالة. فمن خلال العمل مع 17 زوج من الطلاب التايوانيين للغة الإنجليزية كلغة أجنبية الذي كانوا في شراكة تعاون داخل الوطن عبر الإنترنت، قاموا بمقارنة مهام الحوار المفتوحة والمغلقة، حيث أن الأولى لا تتطلب التفاوض أو اتخاذ القرارات، في حين أن الأخيرة تتطلب منتجًا مشتركًا واحدًا كنتيجة. أثارت المهام المغلقة توليد أكثر تكرارا لوحدات الأفكار وتم تفضيلها من قبل الطلاب، على الرغم من أنهم شعروا أن المدونة كانت وسيلة أفضل للمهام المفتوحة التي تدعم الفكر المتباين وعمق الرأي. بمعنى آخر، يتعرف المتعلمون أنفسهم على عدم توافق المهام القائمة على المدونات مع امكانات المدونات، حتى لو كانت المهام تتماشى مع أنماط تعلمهم وتفضيلاتهم.

[1] أول مزود للخدمات التجارية عبر الإنترنت في الولايات المتحدة – تم وصفه في عام 1994 بأنه “أقدم خدمات المعلومات الثلاث الكبرى”. سيطرت على الحقل خلال الثمانينيات وظل تأثيرها رئيسيًا حتى منتصف التسعينيات.

[2] شركة أمريكية عالمية لخدمات الإنترنت والإعلام. تتبع إيه أو إل لشركة فيرايزون للاتصالات العملاقة ويقع مقرها في نيويورك.

[3] ماي سبيس هو موقع إلكتروني أحد وسائل تواصل اجتماعي يقدم خدمات الشبكات الاجتماعية على الويب وشبكة تفاعلية بين الأصدقاء المسجلين في الخدمة بالإضافة إلى خدمات أخرى كالمدونات ونشر الصور والموسيقى ومقاطع الفيديو والمجموعات البريدية وملفات المواصفات الشخصية للأعضاء المسجلين, اُنشأ سنة 2003 على يد توماس أندرسون.

[4] لينكد إن هو موقع على شبكة الإنترنت يصنف ضمن الشبكات الاجتماعية، تأسس في ديسمبر كانون الأول عام 2002 وبدأ التشغيل الفعلي في 5 مايو 2003. يستخدم الموقع أساسًا كشبكة تواصل مهنية. في يونيو 2012 بلغ عدد المسجلين في الموقع أكثر من 176 مليون عضو من أكثر من 200 دولة.

[5] تشير حوارية باختين إلى فلسفة اللغة والنظرية الاجتماعية التي طورها ميخائيل ميخائيلوفيتش باختين (1895-1975). الحياة حوار وحدث مشترك. والمعيشة مشارك في الحوار. والمعنى يأتي من خلال الحوار على أي مستوى يحدث فيه الحوار. لا شيء يمكن أن يوجد بدون معنى. فكل شيء له معنى.

[6] طريقة للتحليل النقدي للغة الفلسفية والأدبية التي تؤكد على الأعمال الداخلية للغة والأنظمة المفاهيمية ، والجودة النسبية للمعنى ، والافتراضات الضمنية في أشكال التعبير.

[7] ينطوي هذا النهج على تحليل للظواهر الثقافية من منظور الشخص الذي يشارك في الثقافة التي تجري دراستها. في النهج العاطفي للدراسات بين الثقافات، يحاول الباحثون النظر في الظواهر من خلال منظور الأفراد في السياق الثقافي الخاص، وبالتالي يجب على الباحثين تجنب استخدام المفاهيم والمقاييس من الثقافات الأخرى. يشدد النهج العاطفي على التفسير المحلي والخاص الأكثر ارتباطًا بتفسير الثقافة.

[8] نظرية تقرير المصير (Self-determination theory) هي نظرية كلية للحوافز والشخصية البشرية تتعلق باتجاهات النمو المتأصلة لدى الناس والاحتياجات النفسية الفطرية، وتهتم بالدوافع وراء الاختيارات التي يتخذها الناس دون تأثير أو تدخل خارجي. تركز نظرية تقرير المصير على الدرجة التي يكون بها سلوك الفرد مدفوع ومحدد ذاتيًا.

 

تُكمل   المراجعة بإذن الله

الوسوم: