هل الترجمة فن، حرفة أو علم؟

هل الترجمة دراسة علمية أو مسعى فني، نظرية يمكن بحثها أو حرفة تقنية، فرع من علم اللغة أو الأدب؟ نظرا لأن الترجمة تستخدم كوسيلة تعتبر بمثابة جسر بين ثقافتين، فإن الترجمة تبدو نشاط أو ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه.

وفقا لبنيامين (Benjamin, 1923)، فقد سمي القرن العشرين بعصر “الاستنساخ”، أو عصر الترجمة  كما يشير إليه جمبلت (Jumplet, 1923 كما ورد في Newmark, 1988a:1)؛ ومع ذلك، فإن الجدل المستمر حول ما إذا كانت الترجمة فن أو علم لديه تاريخ طويل. قد يقول بعض العلماء أن الترجمة هي عملية تفكير إبداعي. وبالتالي، فهي شخصية ولا يمكن تنظيمها بقوانين.

على الرغم من حقيقة أن الترجمة تلعب حاليا دورا حاسما في الشأن العالمي، فقد اعتبرت دائما كفن من الدرجة الثانية. وفي هذا الصدد، يعتقد بيلوك (Belloc, 1931:6) أن الترجمة، “لم تُمنح أبدا كرامة العمل الأصلي، وعانت كثيرا من الحكم العام على الحروف”.

وكما يدعي سافوري  (Savory, 1957:49) ، “سيكون من الصحيح تقريبا القول بأنه ليست هناك مبادئ عالميا مقبولة للترجمة، لأن الناس الوحيدة المؤهلة لصياغتها لم يتفقوا فيما بينهم”، وبالتالي، فإنه لا يميل إلى اعتبار الترجمة كعلم.

وفقا لكيلي (Kelly, 1979:51)،  يدعي هيرونيموس (المعروف أيضا باسم القديس جيروم، القرن الرابع الميلادي، وغيرهم الذين تبعوا فترة شيشرون  “Cicero”من 9106 إلى 9143  قبل الميلاد) باستمرار بأن الترجمة كانت فرع من الخطابة، أما هولمز (Holmes, 1979a:23)، فقد حدد فرعين من دراسات الترجمة، وهما البحتة والتطبيقية، ويشير إلى أن الهدف من دراسات الترجمة البحتة هو وصف ظاهرة الترجمة والتحقيق في جميع الجوانب المتعلقة بها، أما دراسات الترجمة التطبيقية فتركز على تطبيق نظريات الترجمة على جوانب الترجمة مثل ممارسة الترجمة، وتعليم وتعلم الترجمة، وهو يعتقد بأن كل فصائل الترجمة مترابطة وعلاقتها جدلية. ومع ذلك، يقول توري (Toury, 1995:7) أن العلاقة بين دراسات الترجمة البحتة والتطبيقية أحادية الاتجاه لأن الدراسات النظرية تعتبر بمثابة مصدر تغذية للدراسات التطبيقية. وعلاوة على ذلك، فإن توري (Toury, 1982:7) يعتقد أن الترجمة، كعلم معرفي، يجب أن تصل إلى ما وراء علم اللغة، ويصفها بأنها “متعددة التخصصات”، وبالتالي، يبدو أنه يعتبر الترجمة علم. يبدو أن هذا العلم مرحب به ترحيبا حارا من قبل بعض العلماء في شكل “كلمة بكلمة”. فعلى سبيل المثال، نجد أن نورتون (Norton, 1984:59) يقتبس هوراس (8 – 65 قبل الميلاد) ليقول أنه “من واجب المترجم الوفي ترجمة ما يتعهد به كلمة بكلمة.”

ومع ذلك، لا يعتبر تشوكوفسكي (Chukovskii, 1984:93) الترجمة كعلم عندما يؤكد أن “الترجمة ليست فن فقط، بل هي فن رفيع”. وعلاوة على ذلك، يؤمن نيومارك (Newmark, 1988a: 7)، بإشارته إلى الترجمة بوصفها “حرفة”، أن الترجمة الحرفية هي ” الإجراء الأساسي للترجمة، في كل من الترجمة التواصلية والدلالية، لأن الترجمة تبدأ من هناك”، ويذهب إلى حد القول بأن الترجمة الحرفية فوق مستوى الكلمة هي “الإجراء الصحيح الوحيد إذا ما توافقت معاني اللغة المصدر واللغة الهدف” (0Newmark, 1988b: 7).

يعتبر بعض العلماء الترجمة علما. على الرغم من أن أكثر السمات البارزة في أي حقل علمي هي الدقة والقدرة على التنبؤ، إلا أن بيركلي (Berkeley, 1991:83) يلاحظ أن بعض العلوم، خصوصا تلك التي تتعامل مع العلوم الإنسانية، لا تبلغ مستوى القدرة على التنبؤ مئة في المئة. يقول ميريمادي (Miremadi, 1991:39) أنه “إذا ما كانت الترجمة تعتبر فنا أو علما، فهي، بمعناها الحديث، نتيجة ثانوية لتاريخ طويل من التجارب والأخطاء، والتطورات والتحسينات والابتكارات”. وعلاوة على ذلك، يعتقد لونغ (Long, 1996:10) أن الرغبة في خلق علم الترجمة تبدو مجرد فكرة أمنية. كما ردد  تزايكسي (Zaixi, 1997:339) فكرة مشابهة حيث كتب أن “الترجمة هي عملية نقل، وهي مهارة أساسا، وتقنية يمكن اكتسابها. ولكنها غالبا ما تنطوي على استخدام اللغة بطريقة مبتكرة بحيث تكون فنا أيضا. ومع ذلك فهي ليست بأي حال من الأحوال علم”. وعلى العكس من ذلك، فهو يدعي أن “التخصص الذي يأخذ الترجمة كموضوع لدراسته يجب أن يعامل كعلم، لأنه نظام للمعرفة حول الترجمة، ويهدف لتوضيح القوانين الموضوعية حول عملية الترجمة” (Zaixi, 1997:340).

ومع ذلك، تشير بيكر (Baker, 1998:4)  إلى أن الترجمة هي تخصص أكاديمي منفصل، وهو “مثل أي تخصص جديد، … بحاجة إلى الاستفادة من نتائج ونظريات التخصصات الأخرى ذات الصلة من أجل تطوير وصياغة طرقه الخاصة “. ولكن بالتمييز بين العلم والترجمة، يكتب كارا (Karra, 2000:1) قائلا أن “زملائي لم يفهموا أبدا لماذا اخترت عالم الترجمة على العلم”.

أما جبر (Gabr, 2001:2) فيعتبر الترجمة كلاهما، حرفة وعلم، حيث كتب موضحا أن “الترجمة كونها حرفة من جهة، فهي تتطلب التدريب، أي الممارسة تحت الإشراف، وكونها علم من ناحية أخرى، فيجب أن تبنى على أساس نظريات اللغة “. وبادعاء أن الترجمة الأدبية جهاز فني، يقول هرتسفلد (Herzfeld, 2003:110) أن الترجمة الأدبية تستخدم لتحرير النص من “اعتماده على المعرفة الثقافية السابقة”.

ومع ذلك يشير عزيزنجاد (Azizinezhad, 2004:3) إلى أن:

الترجمة لديها الكثير من القواسم المشتركة مع الفنون، والعلوم. وهي تصبح في بعض الأحيان معتمدة اعتمادا كبيرا على مميزات المترجم الخاصة وحدسه. مثل الملحنين والرسامين، غالبا ما يجد المترجمين أن شخصياتهم وحالتهم المزاجية الخاصة قد عكست في عملهم. العامل الرئيسي الذي يمنع من اعتبار الترجمة  فن هو أنه على عكس المترجمين الذين ينبغي عليهم حل مجموعة من المشاكل المختلفة، نجد أن العامل الحاسم لعمل الفنان هو الجماليات.

الترجمة هي فن وليس علم، ومثل معظم الفنون، فهي معقدة أكثر مما يبدو (Translation, 2005:2). يعتقد العديد من الوافدين الجدد إلى الترجمة خطأ أنه ليس هناك علم دقيق، ويفترضون خطأ ان هناك ترابط مكافئ قائم بين الكلمات والعبارات في لغات مختلفة يجعل الترجمات ثابتة، مثل الترميز. . . . هناك جدل أيضا حول ما إذا كانت الترجمة فن أو حرفة. المترجمين الأدبيين، مثل غريغوري راباسا (Gregory Rabassa) الذي يجادل في عمله “اذا كان هذا خيانة” (If This Be Treason) بشكل مقنع أن الترجمة فن، على الرغم من أنه يعترف بأنها قابلة للتعليم. المترجمين الآخرين، معظمهم من المهنيين العاملين في مجال التقنية، والأعمال التجارية، أو الوثائق القانونية، يرون مهمتهم كحرفة يمكن أن تدرس فقط، ولكنها خاضعة للتحليل اللغوي وتستفيد من الدراسة الأكاديمية. يتفق معظم المترجمين على أن الحقيقة تكمن في مكان بينهما وتعتمد على النص (Translation, 2005: 2).

 

الخاتمة

يمكن اعتبار دراسات الترجمة كعلم. ولكن إذا أخذنا منتج الترجمة في الاعتبار، فإنه يبدو من المنطقي التفكير فيها كحرفة أو فن. ما إذا كانت الترجمة تعتبر كعلم، فن، أو حرفة، فإنه يبدو من المهم الإشارة إلى أن الترجمة الجيدة ينبغي أن تلعب نفس الدور في اللغة الهدف كما فعل الأصل في اللغة المصدر.