من كتابي “طرق البحث: مقدمة لطرق البحث وكيفية إعداد البحوث”

يتحدث الناس كثيراً هذه الأيام عن البحوث سواءاً في المؤسسات الأكاديمية  أو خارجها، كما يتم القيام بالعديد من الدراسات البحثية سنة بعد سنة. ومع ذلك، لم يلقى أحد أهم الأبعاد المتعلقة بالبحوث الاهتمام اللازم. هذا البعد هو طرق البحث ومناهجه. النتيجة هي أن الكثير من البحوث، وخاصةً في العلوم الاجتماعية، يحتوي على كلمات دوارة لا حصر لها، وكذلك الكثير جداً من الاقتباسات. ولذلك يبدو جزء كبير من البحوث غير ذي فائدة وعديم الجدوى.

تجدر بنا الملاحظة في سياق التخطيط والتطوير، أن أهمية البحث تكمن في الجودة وليس في الكمية. الحاجة، إذن، هي أن يهتم أولئك القائمين على البحث بالتصميم ويلتزموا بطرق ومناهج البحث المناسبة والملائمة حتى يحسّنوا من جودة الأبحاث التي يقومون بها. تختلف طرق البحث من مشكلة بحثية إلى أخرى، ولكن المنهج الأساسي للبحث يبقى هو نفسه.

تتحدث معظم الكتب الموجودة سواءاً على شبكة الإنترنت أو في المكتبات العربية عن تاريخ البحث العلمي ونشوئه وتعالج الخلفيات الفكرية والفلسفية لمنهجية البحث العلمي ومبادئه، وتربطها بالأبعاد الحضارية والثقافية، إلا أنها

لا تركز على الخطوات والمهارات العملية المرتبطة بالجوانب الفنية مثل تصاميم البحوث المختلفة وطرق أخذ العينات أو حتى مراجعة المنشورات السابقة واستخدام مصادر المعلومات، كما أنها لا تبدي اهتماماً بالأدوات الحديثة للبحث الإلكتروني في مواقع الإنترنت، وقواعد البيانات العلمية، أو استخدام البرمجيات والحاسوب في عملية إعداد البحوث وتحليل البيانات. لذلك نجد أن معظمها يعدد ويناقش مناهج البحث العلمي من دون الإشارة إلى كيفية استخدامها عملياً كما أنها تستعرض أساليب وأدوات البحث العلمي، بطريقة نقدية، جدلية ولا تقيم اعتباراً للكيفية أو الخطوات التي يمكن استخدامها من قبل الباحثين المبتدئين وطلبة الجامعات.

لقد كتبت العديد من الكتب حول أساليب البحث العلمي وأدواته ومنهجياته ولكن كثيراً من مؤلفيها خلطوا بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، واستمدوا منهجيات طرحها غربيّون وعمموها في مختلف المجالات  )العلمية وغير العلمية(، من دون الالتفات إلى عدم انطباقها على جميع حقول العلم ومجالاته ومن دون النظر إلى الخصوصية التطبيقية لبعض فروع العلم ولم يبذلوا جهوداً كافية في تصنيفها حسب المجالات التخصصية الملائمة.

إن هذا النقد لما جاء في العديد من الكتب السابقة، لا ينتقص من قيمتها أو أقدار من كتبوها ولكنه إشارة إلى ثغرة لدى الكثير من المؤلفين السابقين، ممن هم من خلفيات أكاديمية في مجالات العلوم الأساسية الذين قاموا بإسقاط خبراتهم المعرفية في مجالات “العلوم الأساسية” على مجالات” العلوم الإنسانية” مما أدى إلى عدم بلورة الجوانب المهنية التي تلزم الباحث التجريبي.

يجمع هذا الكتاب بين ما يحتاجه الباحث والدارس من مهارات البحث العلمي، ويوضح ما لا غنى عنه لكل باحث من الجوانب الفنية الضرورية المتعلقة بخطوات إعداد البحوث القيمة التي تحقق أهدافها. ولذلك فقد تم إعداد هذا الكتاب لتحقيق هدفين واضحين، وهما، (أ) لتمكين الباحثين، مهما كانت تخصصاتهم، من تطوير أفضل الطرق المناسبة لدراساتهم البحثية، و (ب) لتعريفهم بفن استخدام الطرق والتقنيات البحثية المختلفة. نأمل أن يساعد هذا الجهد المتواضع الذي بذل في صياغة هذا الكتاب في إنجاز البحوث الاستكشافية، وكذلك الدراسات البحثية التي تسعى وراء الحصول على نتائج.

يتكون الكتاب من أحد عشرة فصلاً منظماً بطريقة محكمة . يستعرض الفصل الأول، وهو المقدمة، لمحة عن طرق البحث. أما الفصل الثاني، فيوضح طريقة تحديد مشكلة البحث وتعريفها.  بينما يخصص الفصل الثالث، للتصاميم المختلفة للبحوث مبيناً مميزاتها الرئيسية. . يقدم الفصل الرابع، شرحاً مفصلاً لتصاميم عدة تستخدم عند أخذ العينات . أما الفصل الخامس، فقد قمنا فيه بتقديم وصف سلس وواضح لطرق القياس والمقاييس المختلفة، بما في ذلك القياس المتعدد الأبعاد . أما الفصل السادس، فيستعرض دراسة مقارنة للطرق المختلفة لجمع البيانات، وذيلناه بملاحق

توفر إرشادات لإجراء المقابلات الناجحة وكذلك لبناء الاستبيانات والجداول الزمنية.  ويتعامل الفصل السابع مع معالجة البيانات وتحليلها. وتم تكريس الفصل الثامن، لمهمة التفسير وفن كتابة التقارير البحثية . الفصل التاسع، يستعرض الطرق العملية لكتابة الأبحاث والمقترحات ونقد الكتب والدراسات بالإضافة لكيفية أخذ الاقتباسات من المراجع والإشارة إليها . وفي الفصل العاشر، ناقشنا أنواع البحوث وعناصرها في سياق مجال علم اللغة وضربنا أمثلة على المتغيرات المختلفة التي عادة ما تكون قيد البحث في مجال اللغويات . وأخيراً، أضفنا فصلاً يبين أهمية الحاسوب واستخداماته في مجال البحث العلمي وخصوصاً فيما يتعلق بمعالجة البيانات وتحليلها بواسطة بعض برامج الحاسوب المتوافرة مثل برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية (SPSS).

إن هذا الكتاب موجه إلى طلبة الجامعة والدراسات العليا في كل التخصصات الجامعية ونأمل أن يوفر الإرشادات لكل المهتمين بالدراسات البحثية من أي نوع . الكتاب، في الحقيقة، هو تطوير لما قمت بكتابته على موقع عالم أكاديميا (عالم أكاديميا – أول موقع ليبي يهتم بالبحث العلمي) المتخصص في الكتابة الأكاديمية والأمور المتعلقة بإعداد البحوث والطريقة العلمية لإنجاز البحوث، والترجمة وغيرها من المواضيع المهمة. وطبعاً، فإن خبرتي في تدريس مادة الكتابة وطرق البحث لطلبة اللغة الإنجليزية بجامعة طرابلس كان لها الفضل في اختيار المواضيع المناسبة لهذا الكتاب وإخراجه بهذا الشكل.

وأتقدم بالشكر لكل من ساعدني على إنجاز هذا العمل وكل الذين وفروا لي الاستشارة والنقاش الفعال من أجل كتابة هذا الكتاب.  كما أنني وبشكل خاص مدين بالشكر للذين ساعدتني كتاباتهم وأعمالهم في تجهيز هذا الكتاب، ولا بد لي أن أسجل شكري العميق وامتناني البالغ لكل من قدم المساعدة بقراءة مسودة هذا الكتاب والتعليق عليها وقدم اقتراحات قيمة بما ساهم في تحسينه. وأود أيضاً أن أشكر أخي رجب الذي وفر لي المساعدة والدعم المادي والمعنوي من دون حساب من أجل إخراج هذا الكتاب لحيز الوجود.

حتما سأشعر بأنه تمت مكافأتي حقاً إذا أثبت هذا الكتاب أنه مساعد في تطوير الدراسات البحثية الأصلية.  أنا انتظر الاقتراحات من كل القراء، وخاصة من البحّاث ذوي الخبرة والعلماء من أجل تحسين محتوى المواضيع وطريقة عرض الكتاب.

والله من وراء القصد،

فرج محمد صوان

طرابلس- ليبيا ، شتاء  2016

الوسوم: