الرئيسية / البحث العلمي / مقدمة  في مناهج البحث

مقدمة  في مناهج البحث

معنى البحث

البحث في اللغة عموما يشير إلى البحث عن المعرفة. كما يمكن تعريف البحث أيضا بأنه البحث العلمي والمنهجي عن المعلومات المتعلقة بموضوع محدد. في الواقع، البحث هو فن التحقيق العلمي. يحدد قاموس المتعلم المتقدم في اللغة الإنجليزية الحالي معنى الأبحاث بأنها “تحقيق أو استفسار دقيق، وخاصة من خلال البحث عن وقائع جديدة في أي فرع من فروع المعرفة. يعرّف ريدمان وموري البحث بأنه “جهد مقنن لاكتساب المعرفة الجديدة” . وينظر بعض الناس للبحوث كحركة من المعلوم إلى المجهول، وهي في الواقع رحلة استكشافية. كلنا نملك غريزة الفضول الحيوية وعندما يواجهنا المجهول، نتساءل ويجعلنا فضولنا نتحقق ونحقق الفهم الكامل والأكمل للمجهول[1]. هذا الفضول هو أم كل المعارف والطرق، ويستخدمه المرء للحصول على معرفة كل ما هو مجهول، ويمكن أن نوصفه بالبحث.

 

البحث هو نشاط أكاديمي وبالتالي ينبغي أن يستخدم بالمعنى التقني. ووفقا لكليفورد و وودي، يتضمن البحث تحديد وإعادة تحديد المشاكل وصياغة الفرضيات أو الحلول المقترحة، وجمع وتنظيم وتقييم البيانات، وتكوين الاستدلالات والتوصل إلى استنتاجات، وأخيرا اختبار الاستنتاجات بعناية لتحديد ما إذا كانت تتناسب مع الفرضيات التي تمت صياغتها. ويعرف سليسنجر وستيفنسون في موسوعة العلوم الاجتماعية البحث بأنه “تلاعب بالأشياء والمفاهيم والرموز لغرض التعميم وتمديد أو تصحيح المعرفة أو التحقق منها، سواء كانت تلك المعرفة تساعد في بناء نظرية أو في ممارسة فن. وبالتالي، فإن البحث هو مساهمة أصلية في المخزون الحالي للمعرفة ويساهم في تقدمها. هو بحث عن الحقيقة بمساعدة الدراسة والملاحظة والمقارنة والتجربة. وباختصار، فإن البحث عن المعرفة من خلال أسلوب موضوعي ومنهجي لإيجاد حل للمشكلة هو البحث. إن النهج المنتظم المتعلق بالتعميم وصياغة النظريات هو أيضا بحث. كما يشير مصطلح “البحث” أيضا إلى الأسلوب المنهجي الذي يتكون من الإفصاح عن مشكلة، وصياغة فرضية، وجمع الحقائق أو البيانات، وتحليل الحقائق والوصول إلى استنتاجات معينة إما في شكل حلول لمشكلة معنية أو في شكل تعميمات من الصياغة النظرية.

 

 

 

أهداف البحوث

الغرض من البحوث هو اكتشاف الأجوبة على الأسئلة من خلال تطبيق الإجراءات العلمية. الهدف الرئيسي من البحث هو معرفة الحقيقة التي كانت مخبأة والتي لم يتم اكتشافها بعد. على الرغم من أن لكل دراسة بحثية هدف محدد خاص بها، يمكننا أن نفكر في الأهداف البحثية بأنها تندرج تحت المجموعات العريضة التالية:

  1. للتعرف على ظاهرة أو لتحقيق رؤى جديدة حولها (وتسمى الدراسات من هذا النوع بالدراسات البحثية الاستكشافية أو التي تعني بالصياغة)؛
  2. تصوير دقيق لخصائص معينة لفرد، حالة أو مجموعة (وتعرف الدراسات من هذا النوع باسم البحوث والدراسات الوصفية)؛
  3. لتحديد الوتيرة التي يحدث بها شيء أو التي يقترن بها مع شيء آخر (وتعرف هذه الدراسات بالبحوث والدراسات التشخيصية)؛
  4. لاختبار فرضية وجود علاقة سببية بين متغيرات (وتعرف هذه الدراسات بدراسات اختبار الفرضية).

 

 

الحوافز في مجال البحوث

ما الذي يجعل الناس يقومون بإجراء البحوث؟ هذه مسألة في غاية الأهمية. الدوافع المحتملة لإجراء الابحاث قد تكون واحدة أو أكثر من الأسباب التالية:

  1. الرغبة في الحصول على شهادة أو إجازة وفوائدها التابعة[2].
  2. الرغبة في مواجهة التحدي في حل المشاكل التي لم تحل، أي أن القلق إزاء المشاكل العملية يسبب في البدء بإجراء البحوث؛
  3. الرغبة في الاستمتاع الفكري من القيام ببعض الأعمال الإبداعية.
  4. الرغبة في أن يكون ذا فائدة بتقديم خدمة للمجتمع؛
  5. الرغبة في الحصول على الاحترام.

ومع ذلك، هذه ليست قائمة شاملة للعوامل التي تحفز الناس على إجراء الدراسات البحثية. العديد من العوامل مثل توجيهات الحكومة، وظروف العمل، والفضول حول أشياء جديدة، والرغبة في فهم العلاقات السببية، والتفكير الاجتماعي واليقظة، وما شابه ذلك قد يحفز أيضا (أو في بعض الأحيان تجبر) الناس لإجراء عمليات البحث.

 

 

أنواع البحوث

الأنواع الأساسية من البحوث هي كما يلي:

(أ) الوصفي والتحليلي: ويشمل البحث الوصفي دراسات المسح وتحقيقات تقصي الحقائق بأنواعها المختلفة. الهدف الرئيسي من البحث الوصفي هو وصف الوضع كما هو قائم في الوقت الحاضر[3]. في كثير من الأحيان نستخدم مصطلح الأثر الرجعي في بحوث العلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال للدلالة على بحوث الدراسات الوصفية. السمة الرئيسية لهذا الأسلوب هي أن الباحث لا يملك السيطرة على المتغيرات، ويمكنه فقط وصف ما حدث أو ما يحدث. وتستخدم معظم المشاريع البحثية بأثر رجعي للدراسات الوصفية التي يسعى الباحث فيها لقياس أشياء مثل، تواتر التسوق، والأفضليات عند الناس، أو بيانات مشابهة. تشمل دراسات الأثر الرجعي أيضا محاولات الباحثين لاكتشاف الأسباب حتى عندما لا يستطيعون السيطرة على المتغيرات. تشمل أساليب البحث المستخدمة في البحوث الوصفية طرق المسح بجميع أنواعها، بما في ذلك أساليب المقارنة والارتباط. أما في البحوث التحليلية، فيقوم الباحث بتحليل الحقائق أو المعلومات المتاحة ليكوّن تقييم نقدي للمادة.

(ب) البحث التطبيقي والبحث الأساسي: يمكن أن يكون البحث إما بحث تطبيقي (أو عمل) أو بحث أساسي (أساسي أو محض). ويهدف البحث التطبيقي إلى إيجاد حل لمشكلة آنية تواجه المجتمع أو منظمة صناعية / تجارية، في حين أن البحوث الأساسية تهتم أساسا بالتعميمات وبصياغة النظريات. ويسمى جمع المعرفة من أجل المعرفة بالبحوث البحتة أو الأساسية. وتعتبر البحوث حول بعض الظواهر الطبيعية أو التي تتعلق بالرياضيات البحتة أمثلة على البحوث الأساسية. وبالمثل، فإن الدراسات البحثية حول سلوك الإنسان بهدف الوصول لتعميمات حول السلوك البشري، تعتبر أيضا أمثلة على البحوث الأساسية، ولكن يعتبر البحث الذي يهدف للوصول إلى نتائج معينة (مثلا، حل) حول مشكلة اجتماعية أو تجارية ملموسة نوعًا من البحوث التطبيقية. البحوث التي تسعى لتحديد الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قد تؤثر على مؤسسة معينة أو بحوث النسخ (بحوث لمعرفة ما إذا كان سيتم قراءة بعض الاتصالات وفهمها) أو بحوث التسويق أو بحوث التقييم فتعتبر أمثلة على البحوث التطبيقية. وبالتالي، فإن الهدف الرئيسي من البحوث التطبيقية هو اكتشاف حل لبعض المشاكل العملية الملحة، أما البحوث الأساسية فيتم توجيهها لإيجاد المعلومات التي لديها قاعدة واسعة من التطبيقات، وبالتالي، تضيف إلى الجسم المنظم القائم بالفعل من المعرفة العلمية .

(ج) البحث الكمي والبحث النوعي: يستند البحث الكمي على قياس كمية أو مقدار. فإنه ينطبق على الظواهر التي يمكن التعبير عنها من حيث الكمية. أما البحث النوعي، من ناحية أخرى، فإنه يهتم بالظواهر النوعية، أي الظواهر المتصلة بـ أو التي تنطوي على جودة أو عينة. على سبيل المثال، عندما نكون مهتمين بالتحقيق في أسباب السلوك البشري (أي لماذا يعتقد الناس أو يفعل أشياء معينة)، فنحن في كثير من الأحيان نتحدث عن “ابحاث الدوافع أو الحوافز”، وهو نوع مهم من الأبحاث النوعية. ويهدف هذا النوع من الأبحاث إلى اكتشاف الدوافع الكامنة وراء الرغبات، وذلك باستخدام المقابلات العميقة لهذا الغرض. تشمل التقنيات الأخرى لهذه البحوث اختبارات ربط الكلمات، اختبارات تكملة الجمل، اختبارات إكمال القصص وتقنيات الاسقاط الأخرى المماثلة. تعتبر بحوث المواقف أو الرأي التي تهدف إلى معرفة كيف يشعر الناس أو كيف يفكرون حول موضوع أو مؤسسة معينة، أيضا من الأبحاث النوعية. إن الأبحاث النوعية مهمة وخصوصا في مجال العلوم السلوكية لأن الهدف هو اكتشاف الدوافع الكامنة وراء السلوك البشري. يمكننا من خلال هذا النوع من البحوث تحليل مختلف العوامل التي تحفز الناس على التصرف بطريقة معينة أو التي تجعل الناس يحبون أو يكرهون شيء معين. يمكن القول، مع ذلك، أن تطبيق نتائج البحث النوعي عمليا يعتبر مهمة صعبة نسبيا، وبالتالي، عند القيام بهذه البحوث، ينبغي للمرء أن يحصل على توجيهات من علماء علم النفس التجريبي.

(د) النظري والتجريبي: البحث النظري هو المتعلق بالأفكار المجردة أو النظرية. وهو يستخدم عادة من قبل الفلاسفة والمفكرين لتطوير مفاهيم جديدة أو إعادة تفسير القائم منها. من ناحية أخرى، تعتمد الأبحاث التجريبية على التجربة أو الملاحظة وحدها، وفي كثير من الأحيان دون إبلاء الاعتبار الواجب للنظام والنظرية. وهو من الأبحاث المستندة إلى البيانات، ويخرج باستنتاجات يمكن التحقق من صحتها عن طريق الملاحظة أو التجربة. يمكننا أيضا أن نسميه بالنوع التجريبي من البحث. من الضروري في مثل هذه الأبحاث الحصول على الحقائق بشكل مباشر، من مصدرها، والعمل بنشاط للقيام بأشياء معينة لتحفيز إنتاج المعلومات المطلوبة. ويجب على الباحث في مثل هذه البحوث، تجهيز نفسه أولا بفرضية عمل أو تخمين بشأن النتيجة المحتملة. ثم يعمل على الحصول على ما يكفي من الحقائق (البيانات) لإثبات أو دحض فرضيته. ثم يضع التصاميم التجريبية التي يعتقد أنها ستتلاعب بالأشخاص أو المواد المعنية لإظهار المعلومات المطلوبة. وهكذا فإن هذه البحوث تتميز بتحكم الباحث في المتغيرات قيد الدراسة وبتلاعبه المتعمد لأحدها حتى يدرس آثاره[4]. تكون البحوث التجريبية مناسبة عند الرغبة في الحصول على دليل على أن بعض المتغيرات تؤثر على المتغيرات الأخرى بطريقة أو بأخرى. تعتبر الأدلة التي يتم جمعها من خلال التجارب أو الدراسات التجريبية أقوى دعم ممكن للفرضيات المطروحة.

(هـ) بعض أنواع البحوث الأخرى: كل الأنواع الأخرى من الأبحاث هي اشكال مختلفة لواحدة أو أكثر من البحوث المذكورة أعلاه، إما على أساس أغراض البحث، أو الوقت اللازم لإنجاز البحوث، أوعلى البيئة التي يتم فيها البحث، أو على أساس بعض العوامل الأخرى المشابهة. من ناحية الزمن، يمكن أن نفكر في البحوث إما كبحث لمرة واحدة أو كبحث مطول. في الحالة الأولى يقتصر البحث على فترة زمنية واحدة، في حين أنه في الحالة الأخيرة يتم تنفيذ الأبحاث على مدى عدة فترات زمنية. يمكن أن يكون البحث حقليا أو في مختبر أبحاث أو بحث محاكاة، وهذا يتوقف على البيئة التي سيجرى فيها البحث. ويمكن أن يفهم البحث أيضا كدراسة سريرية أو تشخيصية. تتبع مثل هذه البحوث أساليب دراسة الحالة أو النهج المتعمق للوصول إلى علاقات سببية أساسية. عادة ما تغوص مثل هذه الدراسات عميقا في أسباب الأشياء أو الأحداث التي تهمنا، وذلك باستخدام عينات صغيرة جدا وأجهزة دقيقة جدا لجمع البيانات العميقة والتحقق منها. قد تكون البحوث استكشافية أو قد تكون ذات طابع رسمي. الهدف من البحث الاستكشافي هو تطوير الفرضيات بدلا من تجريبها، أما الدراسات البحثية الرسمية فهي تلك التي يكون لها هيكل كبير وتفحص فرضيات محددة. هناك أيضا الأبحاث التاريخية وهي التي تستخدم المصادر التاريخية مثل الوثائق والآثار وما شابهها، لدراسة أحداث أو أفكار من الماضي، بما في ذلك فلسفة الأشخاص والجماعات في أي لحظة بعيدة من الزمن. ويمكن أن تصنف البحوث أيضا، بحسب توجهها إما نحو الاستنتاج أو نحو اتخاذ قرار. عند القيام بالبحوث الموجهة للاستنتاج يكون الباحث حر في تحديد المشكلة، وإعادة تصميم البحث كلما تقدم فيه، وهو على استعداد لوضع التصورات كما يشاء. أما البحوث الموجهة نحو اتخاذ القرار فهي دائما ما تكون وفقا لحاجة صانع القرار، حيث لا يكون الباحث في هذه الحالة حرًا في الشروع في البحث وفقا لميوله الخاصة. تعتبر بحوث العمليات مثالًا على البحوث الموجهة نحو القرار نظرا لأنها طريقة علمية توفر للإدارات التنفيذية الأساس الكمي لاتخاذ القرارات المتعلقة بالعمليات الخاضعة لسيطرتها.

 

 

مناهج البحث

يسلط الوصف أعلاه لأنواع البحوث الضوء على حقيقة أن هناك نهجين أساسيين للبحث، وهما، النهج الكمي والنهج النوعي (الكيفي). وتتعلق الفئة الأولى بتوليد البيانات في شكل كمي حيث يمكن أن تخضع للتحليل الكمي الدقيق بطريقة رسمية وصارمة. يمكن أن يصنف هذا النهج أيضا إلى فروع تتمثل في بحوث استدلالية، وتجريبية وبحوث المحاكاة. الغرض من النهج الاستدلالي للبحث هو تشكيل قاعدة بيانات يمكن من خلالها الاستدلال على خصائص أو علاقات للعينة. وهذا يعني عادة البحث المسحي حيث يتم دراسة عينة من مجتمع الدراسة أو البحث (تُسأل أو تُلاحظ) لتحديد خصائصه، ومن ثم يتم الاستدلال على أن المجتمع لديه نفس الخصائص. يتميز المنهج التجريبي بتحكم أكثر في البيئة البحثية وفي هذه الحالة يتم التلاعب ببعض المتغيرات لمراقبة تأثيرها على المتغيرات الأخرى. ويشمل منهج المحاكاة بناء بيئة اصطناعية يمكن فيها توليد المعلومات والبيانات ذات الصلة. هذا يسمح بمراقبة السلوك الديناميكي للنظام (أو نظامه الفرعي) تحت ظروف مُتحكم بها. يشير مصطلح “المحاكاة” في إدارة الأعمال وتطبيقات العلوم الاجتماعية إلى “تشغيل نموذج عددي يمثل هيكل عملية ديناميكية. ووفقا لقيم الشروط الأولية، والمحددات والمتغيرات الخارجية، يتم تشغيل محاكاة لتمثيل سلوك عملية عبر الزمن. كما يمكن أيضا أن يكون نهج المحاكاة مفيد في بناء النماذج لفهم الظروف المستقبلية.

ويتعلق المنهج النوعي للبحث بالتقييم الشخصي للمواقف والآراء والسلوك. ويعتبر البحث في مثل هذه الحالة وظيفة لرؤى الباحث وانطباعاته. يولد هذا النهج للبحوث النتائج إما في شكل غير كمي أو في شكل لا يخضع للتحليل الكمي الدقيق. وعموما، يتم استخدام تقنيات مقابلات جماعات التركيز، وتقنيات الاسقاط والمقابلات العميقة. وسيتم توضيح كل هذه بالتفصيل في الفصول التالية.

أهمية البحوث

كل التقدم يُحرز عن طريق البحث. الشك في كثير من الأحيان أفضل من الثقة المفرطة، لأنه يؤدي إلى التحقق، والتحقق يؤدي إلى الاختراع . هذا قول مأثور لهدسون في نفس السياق حيث يمكننا من خلاله فهم أهمية البحث أيضا. زيادة كمية البحوث تجعل احراز التقدم ممكن. يغرس البحث التفكير العلمي والاستقرائي ويشجع على تطوير العادات المنطقية في التفكير والتنظيم.

ازداد في العصر الحديث دور البحوث بشكل كبير في عدة مجالات للاقتصاد التطبيقي، سواء تلك التي تتعلق بإدارة الأعمال أو الاقتصاد ككل. زادت الطبيعة المعقدة لإدارة الأعمال والحكم من تركيزها على الاستفادة من البحوث في حل المشاكل التشغيلية. لقد اكتسبت البحوث أهمية إضافية كونها عامل مساعد للسياسات الاقتصادية، سواء بالنسبة للحكومة أو لقطاع الأعمال.

توفر البحوث الأساس لسياسات الحكومة كلها تقريبا في نظامنا الاقتصادي. على سبيل المثال، تقوم الميزانيات الحكومية جزئيا على تحليل احتياجات ورغبات الناس وعلى توافر الإيرادات لتلبية هذه الاحتياجات. لا بد من أن تعادل تكلفة الاحتياجات العائدات المحتملة وهذا ميدان تشتد فيه الحاجة للبحوث. يمكننا من خلال الأبحاث وضع سياسات بديلة، ويمكن كذلك دراسة النتائج المترتبة على كلٍّ من هذه البدائل.

قد لا يكون اتخاذ القرارات جزءا من البحث، ولكن من المؤكد أن الأبحاث تسهل قرارات صناع السياسة. يجب على الحكومة أيضا رسم برامج للتعامل مع جميع جوانب الوجود في البلاد، لأن معظمها سيكون له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالظروف الاقتصادية. محن المزارعين، ومشاكل الأنشطة التجارية والصناعات الكبرى والصغرى ، وظروف العمل، ومشاكل التوزيع وحتى حجم وطبيعة الخدمات الدفاعية هي مسائل تتطلب البحث. وبالتالي، تعتبر البحوث ضرورية فيما يتعلق بتخصيص موارد الأمة. الشأن الحكومي الآخر الذي تكون فيه البحوث ضرورية ولازمة هو جمع المعلومات عن الهيكل الاقتصادي والاجتماعي للأمة. تشير هذه المعلومات لما يحدث في الاقتصاد وما هي التغييرات التي تجري. إن جمع مثل هذه المعلومات الإحصائية ليست مهمة روتينية بأي حال، ولكنها تنطوي على مجموعة متنوعة من المشاكل البحثية. في هذه الأيام تحافظ جميع الحكومات تقريبا على تعيين عدد كبير من فنيي الأبحاث والخبراء للقيام بهذا العمل. وهكذا، في سياق الحكومة، فإن البحوث كأداة للسياسة الاقتصادية تتضمن ثلاثة مراحل عمل مختلفة، وهي، (أ) البحث في الهيكل الاقتصادي من خلال الجمع المستمر للحقائق؛ (ب) تشخيص الأحداث التي تجري وتحليل القوى الكامنة ورائها؛ (ج) والتكهن، أو التنبؤ بالتطورات المستقبلية.

للبحث أهميته الخاصة في حل مختلف المشاكل التشغيلية والتخطيطية لقطاع التجارة والصناعة. تعتبر بحوث العمليات وأبحاث السوق، بالاضافة للبحوث المتعلقة بالدوافع والحوافز، حاسمة ونتائجها تساعد، بأكثر من طريقة واحدة، في اتخاذ القرارات التجارية. أبحاث السوق هي عبارة عن أبحاث حول هيكلية وتطور السوق لغرض صياغة سياسات فعالة للشراء والإنتاج والمبيعات. أما بحوث العمليات فتشير لتطبيق تقنيات رياضية ومنطقية وتحليلية من أجل حل المشاكل التجارية لتخفيض التكاليف أو زيادة الأرباح أو ما يمكن أن يوصف بأنه مشاكل التطوير الأمثل. تهتم بحوث الدوافع أو الحوافز التي تحدد لماذا يتصرف الناس على نحو معين  بخصائص السوق بشكل رئيسي. وبعبارة أخرى، فإنها تهتم بتحديد الدوافع الكامنة وراء سلوك المستهلك (السوقي). كل هذه الأمور تساعد المسؤولين على اتخاذ القرارات التجارية في قطاع الأعمال والصناعة. إن البحوث المتعلقة بعوامل الطلب والسوق لديها فائدة كبيرة في مجال الأعمال التجارية. فبوجود معرفة بالطلب المستقبلي، لا يصعب على أي شركة أو صناعة ما ضبط جدولها الزمني لإمداداتها في حدود قدرتها المتوقعة. لقد أصبح تحليل السوق أداة لا تتجزأ عن سياسة العمل في هذه الأيام. الميزانية التجارية، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى حساب الأرباح والخسائر المتوقعة، تستند أساسا على تقديرات المبيعات التي تعتمد بدورها على البحوث التجارية. وحالما يتم التنبؤ بالمبيعات، يمكن تعيين برامج الإنتاج والاستثمار الفعال والتي يتم حولها تصنيف خطط الشراء والتمويل. وبالتالي، فإن البحث يستبدل القرارات التجارية الحدسية بقرارات تكون منطقية أكثر وعلمية.

يعتبر البحث مهم أيضا لعلماء الاجتماع في دراسة العلاقات الاجتماعية والحصول على إجابات حول المشاكل الاجتماعية المختلفة.  توفر الأبحاث الارتياح الفكري لمعرفة عدد قليل من الأشياء لمجرد معرفتها، ولها أيضا فائدة عملية للعالم الاجتماعي لأنها تمكنه من القيام بالأشياء بطريقة أفضل أو أكثر كفاءة. وتهتم البحوث في العلوم الاجتماعية على حد سواء بالمعرفة لذاتها ولما يمكن أن تسهم به في الامور العملية. ربما يكون هذا التركيز المزدوج مناسب وخاصةً في حالة العلوم الاجتماعية. فمن جهة، مسؤوليته كعلم هو وضع مجموعة من المبادئ التي تجعل من الممكن الفهم والتنبؤ بمجموعة كاملة من التفاعلات البشرية. ومن ناحية أخرى، بسبب توجهه الاجتماعي، يتزايد اللجوء إليه في التوجيهات العملية لحل المشاكل الفورية للعلاقات الإنسانية.

بالإضافة إلى ما ورد أعلاه، يمكن أن تُفهم أهمية البحوث أيضا بوضع النقاط التالية نصب أعيننا:

(أ) بالسبة لهؤلاء الطلاب الذين سيكتبون رسالة الماجستير أو أطروحة الدكتوراه، فقد تعني لهم البحوث المهنة أو وسيلة لتحقيق مكانة رفيعة في الهيكل الاجتماعي؛

(ب) وأما للعاملين في مجال مناهج البحث، فقد يكون لهم البحث مصدر للرزق.

(ج) وقد يعتبر الفلاسفة والمفكرين البحوث كمتنفس للأفكار والرؤى الجديدة.

(د) وبالنسبة للأدباء فقد يعني لهم البحث تطوير أساليب جديدة وأعمال خلاقة؛

(هـ) وقد يعني البحث للمحللين والمثقفين التعميمات من النظريات الجديدة.

وهكذا، فإن البحث هو ينبوع المعرفة من أجل المعرفة ومصدرا هاما من مصادر توفير المبادئ التوجيهية لحل مختلف المشاكل التي تواجه السلوك والأعمال التجارية، والحكومية والاجتماعية. بل هو نوع من التدريب الرسمي الذي يمكّن المرء من فهم التطورات الجديدة في مجال تخصصه أو حقله بطريقة أفضل.

 

 

 

طرق البحث ومناهج البحث

ويبدو من المناسب في هذه المرحلة شرح الفرق بين طرق البحث ومناهج البحث. قد تُفهم طرق البحث بأنها كل تلك الأساليب  والتقنيات التي تستخدم في إجراء البحوث. وبالتالي فإن طرق البحث أو تقنياته تشير إلى أساليب البحث التي يستخدمها الباحث في إجراء عمليات البحث.

في بعض الأحيان، يتم التمييز أيضا بين تقنيات البحث وطرق البحث. تشير تقنيات البحث إلى السلوك والأدوات المنستخدمة في تنفيذ عمليات البحث مثل إبداء الملاحظات، وتسجيل البيانات، أو تقنيات معالجة البيانات، وما شابه ذلك. أما طرق البحث فتشير إلى السلوك والأدوات المستخدمة في اختيار وبناء تقنية البحث. على سبيل المثال، يمكن أن يُفهم الفرق بين طرق وتقنيات جمع البيانات أفضل بالتفاصيل التي ترد في الجدول التالي *:-

من ما ورد أعلاه، يمكننا القول بأن الطرق أكثر عمومية. وأن الطرق هي التي تولد التقنيات. ومع ذلك، من الناحية العملية، يتم استخدام المصطلحين بالتبادل، وعندما نتحدث عن طرق البحث فنحن ضمنيا نشمل تقنيات البحث في بوتقتها.

وبعبارة أخرى، يطلق مصطلح طرق البحث على كل تلك الأساليب التي يتم استخدامها من قبل الباحث أثناء دراسة مشكلة بحثه. وحيث أن هدف البحوث، ولا سيما البحوث التطبيقية،  هو التوصل إلى حل لمشكلة معينة، فإن البيانات المتاحة والجوانب المجهولة للمشكلة يجب أن تكون مرتبطة ببعضها البعض لجعل الحل ممكن. ومن هذا المنطلق، يمكن تصنيف طرق البحث إلى ثلاثة مجموعات كما يلي:

  1. تشمل المجموعة الأولى تلك الطرق التي تعنى بجمع البيانات. وتستخدم هذه الطرق عندما تكون البيانات المتاحة بالفعل ليست كافية للوصول إلى الحل المطلوب.
  2. تتكون المجموعة الثانية من تلك الأساليب الإحصائية التي تستخدم لإقامة علاقات بين البيانات وما هو مجهول.
  3. أما المجموعة الثالثة فتتكون من تلك الطرق التي تُستخدم لتقييم دقة النتائج التي تم التوصل إليها.

عادة ما تكون طرق البحث المذكورة أعلاه في المجموعتين الأخيرتين هي الأدوات التحليلية للبحوث.

إن مناهج البحث عبارة عن وسيلة لحل مشكلة البحث بطريقة منظمة. يمكن فهمها على أنها علم لدراسة كيفية عمل الأبحاث العلمية، حيث ندرس فيها الخطوات المختلفة التي يتم اعتمادها عادة من قبل الباحث في دراسة مشكلة بحثه والمنطق الكامن وراءها أيضًا. فمن الضروري للباحث أن يعرف ليس فقط طرق البحث / التقنيات ولكن المناهج أيضا. لا يحتاج الباحثون فقط إلى معرفة كيفية وضع مؤشرات أو اختبارات معينة، وكيفية احتساب المتوسط، والمعدل، والوسيط أو الانحراف المعياري أو مربع كاي، وكيفية تطبيق تقنيات بحثية معينة، ولكنه يحتاج أيضا إلى معرفة ما إذا كان أي من هذه الطرق أو التقنيات مناسب لبحثه أم لا، وماذا تعني وإلى ماذا تشير ولماذا. يحتاج الباحثون أيضا لفهم الافتراضات الكامنة وراء التقنيات المختلفة، وهم بحاجة الى معرفة المعايير التي يمكن أن يقرروا من خلالها أن بعض التقنيات والإجراءات ستكون قابلة للتطبيق على مشاكل معينة وبعضها الآخر لا يمكن تطبيقه. كل هذا يعني أنه من الضروري للباحث تصميم منهجه لمشكلته لأن ذلك قد يختلف من مشكلة إلى مشكلة. على سبيل المثال، على المهندس المعماري الذي يصمم مبنى أن يقوم بتقييم الأساس الذي اتخذ عليه قراراته، أي بمعنى أن عليه تقييم لماذا وعلى أي أساس كان يختار حجم معين، عدد ومكان الأبواب والنوافذ والمراوح، واستخدامات مواد معينة دون غيرها، وما شابه ذلك. وبالمثل، على العالم في البحث أن يعرّض قرارات البحوث للتقييم قبل تنفيذها، وبناء على ذلك يحدد بشكل واضح جدا ماهية القرارات التي يختارها ولماذا اختارها، حتى يُمكن تقييمها من قبل الآخرين أيضا.

ومما ورد أعلاه، يمكننا القول إن مناهج البحث لها أبعاد كثيرة وأن طرق البحث لا تشكل إلا  جزءا من مناهج البحث. إن نطاق مناهج البحث أوسع من نطاق طرق البحث. وبالتالي، عندما نتحدث عن مناهج البحث فنحن لا نتكلم فقط عن طرق البحث ولكننا نقوم أيضا بالنظر إلى المنطق وراء الطرق التي نستخدمها في سياق دراستنا البحثية ونشرح لماذا نحن نستخدم طريقة أو تقنية معينة، ولماذا لا تستخدم الأخريات بحيث يُمكن تقييم نتائج البحث سواءًا من قبل الباحث نفسه أو من قبل الآخرين. لماذا تم إجراء الدراسة البحثية؟ وكيف تم تعريف مشكلة البحث؟ ولماذا وبأي طريقة تمت صياغة الفرضية؟ وما هي البيانات التي تم جمعها؟ وما الطريقة التي تم اعتمادها في جمعها؟ ولماذا استخدمت تقنية معينة لتحليل البيانات؟ ومجموعة من الأسئلة المماثلة الأخرى هي الأسئلة التي يتم الإجابة عليها عندما نتحدث عن منهجية البحث المتعلق بمشكلة البحث أو الدراسة.

 

البحث والطريقة العلمية

لكي نفهم مصطلح البحث بوضوح، ينبغي للمرء أن يعرف معنى الطريقة العلمية. يرتبط المصطلحين، البحث والطريقة العلمية، ارتباطا وثيقا. البحث، كما ذكرنا سابقا، يمكن أن يوصف بأنه “التحقيق في طبيعة وأسباب وعواقب أي مجموعة معينة من الظروف، سواء كانت هذه الظروف متحكم فيها تجريبيًا أو أنها فقط مسجلة عند حدوثها. وعلاوة على ذلك، يعني البحث أن الباحث مهتم بأكثر من مجرد نتائج معينة؛ فهو مهتم بتكرار النتائج وتوسيع نطاقها لحالات أكثر تعقيدا وعمومية.

ومن جهة أخرى، على الرغم من أمكانية اختلاف الفلسفة المشتركة بين جميع طرق وتقنيات البحث اختلافا كبيرا من علم إلى آخر، فإنها عادة ما تسمى بالطريقة العلمية. في هذا السياق، يعرف كارل بيرسون الطريقة العلمية بأنها “واحدة ونفسها في الفروع (العلوم) وأن الطريقة هي طريقة كل العقول المدربة منطقيا … إن وحدة جميع العلوم تكمن فقط في طرقها، وليس في موادها. الرجل الذي يصنف الحقائق من أي نوع كان، ويرى العلاقات المتبادلة بينها ويصف تسلسلها، هو رجل يطبق الطريقة العلمية، وهو رجل علم”. الطريقة العلمية هي السعي وراء الحقيقة على النحو الذي تحدده اعتبارات منطقية. المثل الأعلى للعلوم هو تحقيق الترابط المنهجي للحقائق. تحاول الطريقة العلمية تحقيق هذا المثل الأعلى بالتجريب والملاحظة والحجج المنطقية من المسلمات المقبولة ومزيج من هذه الثلاثة بنسب متفاوتة. يقود المنطق في الطريقة العلمية إلى صياغة المقترحات بشكل صريح ودقيق بحيث تصبح بدائلها المحتملة واضحة. وعلاوة على ذلك، يطور المنطق عواقب مثل هذه البدائل، وعندما تتم مقارنتها مع الظواهر الملحوظة، يصبح من الممكن للباحث أو العالم أن يبين أي بديل هو الأكثر انسجاما مع الوقائع الملاحظة. ويتم كل ذلك من خلال التجريب والاستقصاء المسحي اللذان يشكلان جزءا لا يتجزأ من الطريقة العلمية.

يتم إجراء التجارب لاختبار الفرضيات، واكتشاف علاقات جديدة بين المتغيرات، إن وجدت. ولكن عادة ما يتم نقد الاستنتاجات المستخلصة على أساس البيانات التجريبية إما بسبب الافتراضات الخاطئة، التصميم السيئ للتجارب، إجراء التجارب بشكل سيئ أو بسبب التفسيرات الخاطئة. ولذلك يجب على الباحث أن ينتبه قدر الإمكان عند تصميم تجاربه ويجب عليه أيضا أن يذكر الاستدلالات المحتملة فقط. قد يكون الغرض من التحقيقات الاستقصائية (دراسات المسح) توفير المعلومات التي تم جمعها علميا لكي تكون كأساس للباحثين في استنتاجاتهم. بالتالي، فإن الطريقة العلمية تقوم على بعض المبادئ الأساسية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. إنها تعتمد على الأدلة التجريبية؛
  2. إنها تستخدم المفاهيم المناسبة؛
  3. انها ملتزمة بالاعتبارات الموضوعية فقط؛
  4. إنها تفترض الحياد الأخلاقي، أي أنها لا تهدف إلى شيء سوى جعل البيانات كافية وصحيحة حول مواد ومجتمعات الدراسة؛
  5. أنها تؤدي إلى تنبؤات محتملة.
  6. تعرض منهجيتها على جميع الأطراف المعنية لفحصها وتدقيقها حتى يتسنى استخدامها في اختبار النتائج من خلال تكرار التجربة.
  7. تهدف إلى صياغة معظم البديهيات العامة أو ما يمكن أن توصف بأنها نظريات علمية.

ومن هنا يتبين أن الطريقة العلمية تشجع على تطبيق خطوات غير شخصية رسمية دقيقة تمليها متطلبات المنطق والإجراءات الموضوعية. وبناء على ذلك، فإن الطريقة العلمية تنطوي على هدف أو أسلوب منطقي ومنهجي، أي أنها وسيلة بعيدة عن الشخصية أو خالية من التحيز، وهي طريقة للتأكد من صفات ظاهرة يمكن إثباتها والتحقق من صحتها، وهي طريقة يسترشد فيها الباحث بقواعد التفكير المنطقي التي يسير فيها البحث بشكل منظم وباتساق داخلي .

 

 

أهمية معرفة كيفية القيام بالبحث

تعطي دراسة مناهج البحث الطالب التدريب اللازم لجمع المواد وترتيبها أو فهرستها، والمشاركة في العمل الميداني عند الحاجة، وأيضا التدريب على تقنيات جمع البيانات التي تناسب مشاكل معينة، وفي استخدام الإحصاء والاستبيانات والتجارب الخاضعة للرقابة وكذلك في تسجيل الأدلة وفرزها وتفسيرها. في الواقع، تنبع أهمية معرفة مناهج البحث أو كيفية القيام بالبحوث من الاعتبارات التالية:

(أ) بالنسبة للشخص الذي يستعد للدخول في مهنة إجراء البحوث، تعتبر أهمية معرفة مناهج البحث و أساليب البحث واضحة لأنها هي نفسها التي تشكل أدوات عمله أو تجارته. توفر معرفة مناهج البحث التدريب الجيد، خصوصا للباحث الجديد، وتمكنه من إجراء البحوث على نحو أفضل، حيث تساعده على تطوير التفكير المنضبط أو “عزم العقل” في مراقبة الحقل بشكل موضوعي. وبالتالي، فإن على أولئك الذين يطمحون للعمل في مجال البحوث تطوير مهارة استخدام تقنيات البحث وفهم المنطق الكامن وراءها جيدا.

(ب) إن معرفة كيفية القيام بالبحوث ستغرس القدرة على تقييم واستخدام نتائج البحوث بدرجة معقولة من الثقة. وبعبارة أخرى، يمكننا القول أن معرفة مناهج البحث مفيدة في مختلف المجالات مثل الحكومة أو إدارة الأعمال وتنمية المجتمع والعمل الاجتماعي حيث يتم استدعاء الأشخاص على نحو متزايد لتقييم واستخدام نتائج البحوث عمليا.

(ج) عندما يعرف المرء كيفية القيام بالبحث، عندها يمكنه أن يقتنع ويرضى بالحصول على أداة فكرية جديدة يمكن أن تصبح وسيلة للنظر إلى العالم والحكم على كل التجارب اليومية. وبناء على ذلك، فإنه يمكن استخدامها لاتخاذ قرارات ذكية بشأن المشاكل التي تواجهنا في الحياة العملية خلال مراحل ونقاط زمنية مختلفة. وبالتالي، فإن معرفة مناهج البحث توفر الأدوات اللازمة للتعامل مع الأشياء في الحياة بموضوعية.

(د) في هذا العصر العلمي، كلنا مستهلكين في نواح كثيرة لنتائج البحوث ويمكننا استخدامها بذكاء إذا ما كنا قادرين على الحكم على كفاية الطرق التي تم بها التوصل إليها. تساعد معرفة مناهج البحث المستهلك لنتائج البحوث على تقييمها وتمكنه من اتخاذ قرارات عقلانية.

عملية البحث

قبل الشروع في تفاصيل مناهج وتقنيات البحث، يبدو من المناسب تقديم لمحة موجزة عن عملية البحث. تتكون عملية البحث من سلسلة من الإجراءات أو الخطوات اللازمة لإجراء البحوث بشكل فعال وبالتسلسل المطلوب لهذه الخطوات. يوضح الرسم البياني المبين في الشكل (1)* عملية البحث أيضا.

يشير الرسم البياني إلى أن عملية البحث تتألف من عدد من الأنشطة وثيقة الصلة، كما هو مبين من خلال الأرقام من 1 إلى 7. ولكن هذه الأنشطة تتداخل بشكل مستمر ولا تتبع تسلسل معين بدقة. في بعض الأحيان، تحدد الخطوة الأولى طبيعة الخطوة الأخيرة التي يتعين القيام بها. إذا لم يتم الأخذ في الاعتبار الإجراءات اللاحقة في المراحل المبكرة، فربما قد تنشأ صعوبات كبيرة تحول دون الانتهاء من الدراسة. يجب أن نتذكر أن خطوات عملية البحث المختلفة لا يستبعد بعضها بعضا؛ كما أنها ليست منفصلة ومتميزة. ليس بالضرورة أن تتبع بعضها البعض في أي ترتيب معين ولابد للباحث أن يتوقع متطلبات الخطوات اللاحقة باستمرار في كل خطوة من عملية البحث. ومع ذلك، فإن الترتيب التالي للخطوات المختلفة يوفر توجيهات إجرائية مفيدة حول عملية البحث:

(1) صياغة مشكلة البحث.

(2) الاطلاع على الدراسات والأبحاث السابقة ومراجعتها.

(3) وضع الفرضية (أو الفرضيات)؛

(4) إعداد وتصميم البحوث.

(5) تحديد تصميم العينة.

(6) جمع البيانات.

(7) تنفيذ المشروع.

(8) تحليل البيانات.

(9) اختبار الفرضيات.

(10) التفسيرات والتعميمات.

(11) إعداد وكتابة التقرير وعرض النتائج، أي بمعنى تدوين وكتابة النتائج وكيفية الوصول إليها في وثيقة رسمية.

وفيما يلي نورد وصف موجز ومفيد للخطوات المذكورة أعلاه.

 

  1. صياغة مشكلة البحث: هناك نوعان من المشاكل البحثية، بمعنى، تلك التي تتعلق بطبيعة المشكلة وتلك التي تهتم بالعلاقات بين المتغيرات. في البداية يجب على الباحث أن يبين المشكلة التي يريد أن يدرسها، أي لا بد له من أن يقرر المجال العام الذي يهمه أو جانب من جوانب أي موضوع يرغب في البحث فيه. في البداية يمكن أن يحدد المشكلة بطريقة عامة واسعة النطاق ومن ثم يتم الكشف عن الغموض المتعلق بالمشكلة، إن وجد، ويوضحه. كما يجب الأخذ في الاعتبار جدوى وجود حل معين قبل صياغة المشكلة. إذن، صياغة موضوع عام في هيئة مشكلة بحثية محددة يشكل الخطوة الأولى في البحث العلمي. تتمثل صياغة مشكلة البحث أساسا في خطوتين، وهما، فهم المشكلة بدقة، وإعادة صياغتها بطريقة مجدية من وجهة نظر تحليلية.

أفضل طريقة لفهم المشكلة هي مناقشتها مع احد الزملاء أو مع الذين لديهم بعض الخبرة في الموضوع. يمكن للباحث في المؤسسة الأكاديمية طلب المساعدة من الاستشاري (مرشد) الذي عادة ما يكون شخص ذو خبرة ومطلع على العديد من المشاكل البحثية. غالبا ما يطرح  المرشد المشكلة بشكل عام، ويُترك الأمر للباحث لتضييقها وصياغتها بشكل عملي. وأما في القطاع الخاص أو في المنظمات غير الحكومية فعادة ما تحدد المشكلة بواسطة الإدارة التي يمكن للباحث أن يناقش معها كيفية نشوء المشكلة وأصلها، وماهية الاعتبارات المتعلقة بالحلول المحتملة.

يجب على الباحث في نفس الوقت دراسة الأدبيات المتاحة لكي يطلع على المشكلة التي تم تحديدها. ويمكن للباحث مراجعة نوعين من الأدبيات: الأدبيات المتعلقة بالمفاهيم والنظريات، وأدبيات التجارب والدراسات السابقة التي تعالج مشاكل مشابهة للمشكلة المقترحة التي سيدرسها. إن النتيجة الأساسية لهذا الاستعراض هي معرفة ما هي البيانات وغيرها من المواد المتاحة للأغراض العملية التي ستمكن الباحث من تحديد مشكلته البحثية الخاصة في سياق مفهوم. بعد هذا يقوم الباحث بإعادة صياغة المشكلة في صيغة تحليلية أو عملية وبعبارات محددة قدر الإمكان. تعتبر مهمة الصياغة هذه، أو تحديد مشكلة البحث، خطوة ذات أهمية قصوى في عملية البحث بأكملها. يجب تحديد المشكلة المراد البحث فيها بشكل لا لبس فيه، لأن ذلك سيساعد في تمييز البيانات ذات الصلة من تلك التي لا علاقة لها بالموضوع. ومع ذلك، يجب توخي الحذر عند التحقق من الموضوعية وصحة الوقائع الأساسية عن المشكلة. وكما يوضح الأستاذ نيسوانجر فإن لبيان وصياغة الهدف أهمية أساسية لأنه يحدد البيانات التي سيتم جمعها، وخصائص البيانات ذات العلاقة، والعلاقات التي يجب استكشافها، واختيار التقنيات التي ستُسخدم في هذه الاستكشافات وشكل التقرير النهائي. إذا كانت هناك بعض المصطلحات ذات الصلة، فيجب أن تكون محددة بوضوح أيضا أثناء مهمة صياغة المشكلة. في الواقع، غالبا ما تتبع صياغة المشكلة نمطا متسلسلا لعدد من الصياغات،  بحيث تكون كل صياغة أكثر تحديدا من التي قبلها، وكل واحدة يتم صياغتها بمزيد من المصطلحات التحليلية، وكل واحدة أكثر واقعية من حيث البيانات والموارد المتاحة.

 

  1. مسح ومراجعة الأدبيات والدراسات على نطاق واسع: بمجرد صياغة المشكلة، يجب تدوينها في ملخص موجز. من الضروري بل ويعتبر إجباريًا للباحث الذي يعد أطروحة للدكتوراه أن يكتب نبذة مختصرة عن الموضوع ويقوم بتقديمها إلى اللجنة المختصة أو مجلس البحوث للموافقة عليها. في هذه المرحلة يجب على الباحث إجراء مراجعة واسعة النطاق للدراسات التي لها صلة بالمشكلة. ولهذا الغرض تعد دوريات الملخصات والفهارس المنشورة أو غير المنشورة المكان الأول الذي يتجه إليه الباحث. كما يجب استغلال الدوريات والمجلات الأكاديمية ووقائع المؤتمرات، والتقارير الحكومية، والكتب وما إلى ذلك، وفقا لطبيعة المشكلة. في هذه العملية، ينبغي أن نتذكر أن كل مصدر سيؤدي إلى آخر. يجب دراسة الدراسات السابقة التي تشبه الدراسة الحالية بعناية، إن وجدت. وحتما فإن وجود مكتبة جيدة سيكون عونا كبيرا للباحث في هذه المرحلة.

 

  1. تطوير فرضيات العمل: بعد المسح والمراجعة واسعة النطاق للدراسات، ينبغي أن يذكر الباحث بعبارات واضحة فرضية العمل (أو الفرضيات). فرضية العمل هي افتراض مبدئي من أجل استخلاص واختبار النتائج المنطقية أو التجريبية. وعلى هذا النحو فإن الطريقة التي يتم بها تطوير فرضيات البحث مهمة جدا نظرا لأنها تعتبر نقطة البحث المحورية. أنها تؤثر أيضا على الطريقة التي يجب أن تُجرى بها الاختبارات في تحليل البيانات، كما تؤثر بشكل غير مباشر أيضا على جودة ونوعية البيانات المطلوبة في التحليل. يلعب تطوير فرضية العمل دورا هاما في معظم أنواع البحوث. يجب أن تكون الفرضية محددة جدا، ومقتصرة على البحث الحالي قيد التنفيذ، لأنه لابد من اختبارها. إن مهمة الفرضية هي ارشاد الباحث بتحديد وترسيم مجال البحث وإبقائه على الطريق الصحيح، فهي تشحذ تفكيره وتركز اهتمامه على الجوانب الأكثر أهمية في هذه المشكلة. كما أنها تشير إلى نوع البيانات المطلوبة ونوع أساليب وطرق تحليل البيانات التي سيتم استخدامها.

كيف يبدأ المرء بتطوير فرضيات البحث؟ يكمن الجواب في استخدام النهج التالي:

(أ) المناقشات مع الزملاء والخبراء حول المشكلة، ونشأتها وأهداف البحث عن حل.

(ب) فحص البيانات والسجلات، إن وجدت، بشأن المشكلة لإيجاد الاتجاهات المحتملة والمميزات والقرائن الأخرى؛

(ج) استعراض الدراسات المماثلة في نفس المجال أو الدراسات التي أجريت حول مشكلات مشابهة.

(د) تحقيق شخصي استكشافي ينطوي على مقابلات ميدانية أصلية على نطاق محدود مع الجهات والأفراد المهتمين بهدف ضمان المزيد من المعرفة والتبصر بالجوانب العملية للمشكلة.

وهكذا، تنشأ فرضيات العمل نتيجة للتفكير المسبق حول الموضوع، وفحص البيانات والمواد المتاحة بما في ذلك الدراسات المنشورة ذات الصلة، ومجالس الخبراء والمهتمين. وتعتبر فرضيات العمل أكثر فائدة عندما تتم صياغتها بعبارات دقيقة ومحددة بوضوح. من الجدير بالذكر كذلك أنه في بعض الأحيان قد نواجه مشكلة لا نحتاج فيها لفرضيات عمل، وخاصة في حالة البحوث الاستكشافية أو التي تسعى لصياغة نظريات أو مفاهيم لأنها لا تهدف إلى اختبار الفرضيات. وكقاعدة عامة، يعتبر تحديد الفرضيات خطوة أخرى أساسية في العملية البحثية في معظم المشاكل البحثية.

 

  1. إعداد تصميم البحث: بعد صياغة مشكلة البحث بعبارات واضحة المعالم، سوف يحتاج الباحث إلى إعداد تصميم البحث، أي أنه سيكون عليه تحديد الإطار أو الهيكل المفاهيمي الذي سيتم إجراء البحث من خلاله أو ضمنه. إعداد مثل هذا التصميم يسهل البحث ويجعله فعال بأكبر قدر في انتاج المعلومات ذات الفوائد القصوى. وبعبارة أخرى، فإن وظيفة تصميم البحوث هو توفير لجمع الأدلة ذات الصلة بالحد الأدنى من الجهد وفي زمن أقل وبتكاليف أرخص. ولكن تحقيق هذا يعتمد بشكل رئيسي على أهداف البحث. ويمكن تصنيف أهداف البحث إلى أربع فئات، وهي، (أ) استكشاف، (ب) وصف، (ج) تشخيص، و (د) التجريب. إن تصميم البحوث المرن الذي يوفر فرصة للنظر في العديد من الجوانب المختلفة للمشكلة يعتبر مناسبا إذا كان الغرض من الدراسة البحثية هو الاستكشاف. ولكن عندما يكون الغرض هو الوصف الدقيق لحالة أو وجود علاقة بين المتغيرات، فإن التصميم المناسب سيكون ذلك الذي يقلل من التحيز ويزيد من الوثوق في البيانات التي تم جمعها وتحليلها.

هناك العديد من تصاميم البحوث، مثل اختبار الفرضيات التجريبي وغير التجريبي. ويمكن للتصاميم التجريبية إما أن تكون تصاميم غير رسمية (مثل التي بدون تحكم قبلي وبعدي ، تحكم بعدي فقط، تحكم قبلي وبعدي) أو تصاميم رسمية (مثل التصميم العشوائي الكامل ، تصميم القطاعات العشوائية، تصميم المربع اللاتيني، تصاميم العوامل البسيطة والمعقدة)، بحيث يجب على الباحث اختيار احدها لمشروع بحثه. عادة ما تتضمن عملية إعداد وتصميم البحوث المناسبة لمشكلة بحث معينة، الأخذ في الاعتبار النقاط التالية:

(ط) وسائل الحصول على المعلومات؛

(ب) توافر المهارات للباحث والموظفين (إن وجدوا).

(ج) شرح الطريقة التي يتم بها اختيار وسائل الحصول على المعلومات وترتيبها، والمنطق الذي أدى إلى ذلك الاختيار؛

(د) الوقت المتاح للأبحاث.

(هـ) عامل تكلفة البحث، والتمويل المتاح لهذا الغرض.

 

  1. تحديد تصميم العينة: تشكل جميع العناصر قيد النظر في أي مجال من مجالات البحث ‘عالم’ أو ‘مجتمع الدراسة’. ويعرف الحصر الشامل لجميع العناصر في ‘مجتمع الدراسة’ بعينة البحث. يمكن الافتراض في مثل هذه البحوث أنه عندما يتم تغطية جميع العناصر فإنه لن يكون هناك مجال للصدفة وسيتم الحصول على دقة عالية. ولكن في الواقع هذا قد لا يكون صحيحا. فحتى أدنى عنصر من التحيز في مثل هذه البحوث سيكبر ويكبر كلما زاد عدد الملاحظات. وعلاوة على ذلك، لا توجد وسيلة للتحقق من عنصر التحيز أو مداه إلا من خلال إعادة دراسة المسح من جديد أو عن طريق فحوصات العينة. الى جانب ذلك، يتطلب هذا النوع من البحوث قدر كبير من الوقت والمال والطاقة. ليس هذا فقط، فالتحقق العددي غير ممكن من الناحية العملية في ظل ظروف عديدة. على سبيل المثال، يتم فحص الدم فقط على أساس العينة. وبالتالي، فإننا لا نختار في كثير من الأحيان سوى عدد قليل من عناصر مجتمع الدراسة لأغراض البحث. تشكل العناصر التي تم اختيارها ما يسمى تقنيا بالعينة.

على الباحث أن يقرر طريقة اختيار العينة أو ما يعرف في الأوساط البحثية باسم تصميم العينة. وبعبارة أخرى، فإن تصميم العينة هو خطة محددة يتم تحديدها قبل أن يتم جمع أي بيانات عمليا من عينة مجتمع دراسة معين. وبالتالي، فإن خطة لتحديد 12 من 200 صيدلية بطريقة معينة تشكل تصميم العينة. يمكن للعينات أن تكون إما عينات احتمالية أو عينات غير احتمالية. في العينات الاحتمالية يكون لكل عنصر احتمال معروف لتضمينه في العينة ولكن العينات غير الاحتمالية لا تسمح للباحث بتحديد هذا الاحتمال. العينات الاحتمالية هي تلك القائمة على أخذ اعينات عشوائية بسيطة، عينات منتظمة، عينات طبقية، وعينات عنقودية / مناطقية، أما  العينات غير الاحتمالية فهي تلك التي تقوم على تقنيات التماشي في أخذ العينات، والحكم على العينات وأساليب أخذ عينات الحصص.  ويمكن ذكر تصاميم العينة المهمة بإيجاز فيما يلي:

(أ) العينات المتعمدة: يعرف أخذ العينات المتعمدة أيضا بالعينات الهادفة أو غير الاحتمالية. يتضمن هذا الأسلوب أخذ عينات هادفة أو التروي في اختيار وحدات معينة من مجتمع البحث لتشكل العينة التي تمثل مجتمع الدراسة. عندما يتم اختيار عناصر مجتمع الدراسة لإدراجها في العينة على أساس سهولة الوصول، يمكن أن نطلق عليه أخذ العينات الملائمة. إذا أراد الباحث تأمين البيانات من، مثلا، مشترين البنزين، فربما قد يحدد عدد ثابت من محطات البنزين، بحيث يمكنه إجراء المقابلات في هذه المحطات. وهذا من شأنه أن يكون مثالا لنموذج ملائم من مشترين البنزين. أحيانا قد يعطي مثل هذا الإجراء نتائج متحيزة جدا، خصوصا عندما يكون مجتمع الدراسة غير متجانس. من ناحية أخرى، في عينات الحكم، يتم استخدام أحكام الباحث في اختيار العناصر التي يعتبرها ممثلة لمجتمع الدراسة. على سبيل المثال، يمكن أخذ عينة من طلاب الجامعات لتأمين ردود الفعل على طريقة جديدة للتدريس. يستخدم أخذ عينات الحكم في كثير من الأحيان في الأبحاث النوعية حيث يكون الغرض هو تطوير الفرضيات بدلا من التعميم على عدد أكبر من مجتمعات الدراسة.

(ب) العينات العشوائية البسيطة: يعرف هذا النوع من العينات أيضا بأخذ العينات بالمصادفة أو أخذ العينات الاحتمالية حيث يكون لكل عنصر في مجتمع الدراسة فرصة متساوية لإدراجه في العينة، واحتمال اختيار كل عينة محتملة في حالة وجود عينات محددة. على سبيل المثال، إذا كان علينا اختيار عينة من 300 عنصر من مجتمع دراسة عدده 15000 عنصر، فيمكننا عندها وضع أسماء أو أرقام جميع العناصر الـ 15000 على قصاصات ورق وإجراء القرعة. كما أن استخدام الجداول الرقمية العشوائية يعتبر طريقة أخرى لأخذ العينات العشوائية. لاختيار العينة، يتم تعيين رقم لكل عنصر من 1 إلى 15000. ثم، يتم اختيار الـ 300 بعد كل خمسة أرقام عشوائية من الجدول. للقيام بذلك نقوم باختيار نقطة انطلاق عشوائية ومن ثم يتم استخدام نمط منتظم ونستمر من خلال الجدول. ويمكن مثلا أن نبدأ بالصف الرابع، العمود الثاني ونمضي قدما أسفل العمود إلى الجزء السفلي من الجدول ومن ثم الانتقال إلى الجزء العلوي من العمود التالي إلى اليمين. عندما يتجاوز عدد حد الأعداد في الإطار، في حالتنا أكثر من 15 ألف، يتم التمرير ببساطة أكثر ونختار الرقم التالي الذي يقع ضمن المدى المناسب. لأننا وضعنا الأرقام في الجدول بطريقة عشوائية تماما، فستكون العينة الناتجة عشوائية. يعطي هذا الإجراء كل عنصر إمكانية متساوية في الاختيار. وفي حالة مجتمعات الدراسة اللا محدودة، يتم التحكم في اختيار كل عنصر في العينة العشوائية بنفس الاحتمالات وتكون الاختيارات المتعاقبة مستقلة عن بعضها البعض.

(ج) أخذ العينات المنهجية: في بعض الحالات تكون أكثر الطرق العملية لأخذ العينات هي تحديد كل اسم ترتيبه 15 في القائمة، أو كل عاشر بيت على أحد جانبي شارع وهلم جرا. وتعرف أخذ العينات من هذا النوع بأخذ العينات المنتظمة. وعادة ما يدخل عنصر من العشوائية في هذا النوع من العينات باستخدام أرقام عشوائية لاختيار الوحدة التي يتم البدء منها. هذا الإجراء يكون مفيد عندما يتوفر إطار لأخذ العينات في شكل قائمة. في مثل هذا التصميم تبدأ عملية الاختيار عن طريق اختيار نقطة عشوائية في القائمة ومن ثم يتم اختيار كل تاسع عنصر حتى يتم تأمين العدد المطلوب.

(د) العينات الطبقية: إذا كان مجتمع الدراسة الذي سيتم استخلاص العينة منه لا يشكل مجموعة متجانسة، فعندها يتم تطبيق تقنية العينة الطبقية وذلك للحصول على عينة تمثيلية. في هذه التقنية، يتم تقسيم مجتمع الدراسة إلى عدد غير متداخل من مجتمعات الدراسة الفرعية أو إلى طبقات و يتم اختيار عناصر العينة من كل طبقة. إذا كانت العناصر المختارة من كل طبقة مبنية على اختيار عينة عشوائية بسيطة، فإن الإجراء بأكمله، الطبقة الأولى وبعدها أخذ عينات عشوائية بسيطة، يعرف بالعينة الطبقية العشوائية.

(هـ) عينات الحصة: عند أخذ العينات الطبقية غالبا ما تكون تكلفة أخذ العينات العشوائية من طبقات فردية مُكلِفة حيث يعطى الأشخاص الذين يجرون المقابلات حصة ببساطة لكي يتم تعبئتها بطبقات مختلفة، ويترك الاختيار الفعلي لعناصر العينة إلى حكم الشخص الذي يجري المقابلة. وهذا ما يسمى بعينات الحصص. حجم الحصة لكل طبقة يتناسب عموما مع حجم تلك الطبقة في مجتمع الدراسة. بالتالي فإن عينات الحصص تعتبر شكلا هاما من العينات غير الاحتمالية. تعتبر عينات الحصص عادة عينات حكم وليست عينات عشوائية.

(و) العينات العنقودية والمناطقية: وتشمل العينة العنقودية تصنيف مجتمع الدراسة ومن ثم اختيار مجموعة أو مجموعات بدلا من العناصر الفردية لإدراجها في العينة. لنفترض أن أحد ادارات المخازن ترغب في أخذ عينة من حاملي بطاقات الائتمان. وقد أصدرت بطاقات لـ 15 ألف عميل. ولفرض أن حجم العينة المطلوب هو  450. لتحويل هذه القائمة من حاملي بطاقات الـ 15000 إلى عينة عنقودية نقوم بتشكيل 100 مجموعة في كل منها 150 حامل بطاقة. ويمكن بعد ذلك اختيار ثلاث مجموعات من العينة بصورة عشوائية. وغالبا يجب أن يكون حجم العينة أكبر من العينة العشوائية البسيطة لضمان نفس مستوى الدقة لأن اجراءات أخذ العينة العنقودية عادة ما تفاقم امكانية التحيز وغيرها من مصادر الخطأ. يمكن للنهج العنقودي، مع ذلك، جعل إجراءات أخذ العينات أسهل نسبيا ويزيد من كفاءة العمل الميداني، وخاصة في حالة المقابلات الشخصية.

أخذ العينات المناطقية قريبة جدا من العينات العنقودية وكثيرا ما يتم التحدث عنها عندما تكون المنطقة الجغرافية الإجمالية محل الاهتمام كبيرة. أول ما نقوم به في حالة العينة المناطقية هو تقسيم المساحة الكلية إلى عدد من المناطق الصغيرة غير المتداخلة، تسمى عموما بالكتل الجغرافية، ثم يتم اختيار عدد من هذه المناطق الصغيرة بشكل عشوائي، ويتم تضمين كافة الوحدات في هذه المناطق الصغيرة في العينة. يعتبر أخذ العينات المناطقية مفيد، وخصوصا عندما لا يكون لدينا قائمة بمجتمع الدراسة المقصود. كما أنه يجعل مجال المقابلات أكثر كفاءة لأن الذي يجري المقابلة يمكنه القيام بالعديد من المقابلات في كل موقع.

(ز) العينات متعددة المراحل: هذه فكرة أكثر تطورا للعينة العنقودية. ويستخدم هذا الأسلوب في البحوث الكبيرة التي تدرس منطقة جغرافية واسعة مثل بلد بأكمله. قد تكون المرحلة الأولى في العينات متعددة المراحل  هي اختيار وحدات المعاينة الأولية الكبيرة مثل الولايات، ثم المناطق ثم البلدات وأخيرا عائلات معينة داخل المدن. إذا تم تطبيق تقنية أخذ العينات العشوائية في جميع المراحل، فيتم وصف إجراءات أخذ العينات بأخذ العينات العشوائية متعددة المراحل.

(ح) العينات التسلسلية: هذا النوع هو تصميم عينة معقد إلى حد ما حيث لا يتم فيه تحديد الحجم النهائي للعينة مقدماً ولكن يتم تحديده وفقا لقرارات رياضية على أساس المعلومات التي تظهر كلما تقدمت الدراسة. عادة ما يتم اعتماد هذا التصميم بقبول خطة لأخذ العينات في سياق مراقبة الجودة الإحصائية.

في الواقع، يمكن استخدام العديد من طرق أخذ العينات المذكورة أعلاه في نفس الدراسة، وفي هذه الحالة يمكن أن نسميها بالعينات المختلطة. وتجدر الاشارة هنا إلى أنه عادة ما يجب على المرء اللجوء إلى أخذ عينات عشوائية حتى يمكن القضاء على الانحياز وتقدير الخطأ في أخذ العينة. ولكن يعتبر أخذ العينات الهادفة مرغوب فيه عندما يكون مجتمع الدراسة صغير ويراد دراسة أحد سماته المعروفة بشكل مكثف. هناك أيضا ظروف يمكن فيها استخدام تصاميم عينات أخرى بدلا من العينات العشوائية لأنها أفضل بسبب ملائمتها وتكاليفها المنخفضة.

يجب أن يقرر الباحث تصميم العينة الذي سيتم استخدامه مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة البحث والعوامل الأخرى ذات الصلة.

‎‎

  1. جمع البيانات: عند التعامل مع أي مشكلة واقعية غالبا ما يُكتشف أن البيانات المتوفرة ليست كافية، وبالتالي، يصبح من الضروري جمع البيانات التي تكون مناسبة. هناك عدة طرق لجمع البيانات المناسبة والتي تختلف إلى حد كبير في التكاليف المالية والوقت والموارد الأخرى المتاحة للباحث.

يمكن جمع البيانات الأولية إما عن طريق التجربة أو من خلال المسح. إذا قام الباحث بإجراء تجربة، فسيلاحظ بعض القياسات الكمية، أو البيانات، التي يتم بواسطتها دراسة الحقيقة الواردة في فرضيته. ولكن في حالة وجود المسح، يمكن جمع البيانات بواسطة واحدة أو أكثر من الطرق التالية:

(أ) عن طريق الملاحظة: هذه الطريقة تعني جمع المعلومات عن طريق ملاحظة الباحث الخاصة بدون إجراء مقابلات مع المشاركين. تتعلق المعلومات التي يتم الحصول عليها بما يحدث حاليا وليست معقدة بالسلوك في الماضي أو نوايا أو اتجاهات المشاركين في المستقبل. هذا الأسلوب هو بلا شك وسيلة مكلفة كما أن المعلومات التي يوفرها هذا الأسلوب محدود للغاية أيضًا. ولذلك فإن هذه الطريقة ليست مناسبة في البحوث التي تحتاج لعينات كبيرة.

(ب) من خلال المقابلة الشخصية: يتبع الباحث إجراء صارم ويسعى للإجابة على مجموعة من الأسئلة المسبقة من خلال المقابلات الشخصية. وعادة ما يتم تنفيذ طريقة جمع البيانات هذه بأسلوب منظم حيث تعتمد النتائج كثيرا على قدرة الشخص الذي يجري المقابلة.

(ج) من خلال الاتصالات الهاتفية: تشمل هذه الطريقة لجمع المعلومات الاتصال بالمشاركين بواسطة الهاتف نفسه. هذه الطريقة ليست مستخدمة على نطاق واسع ولكنها تلعب دورا هاما في عمليات المسح الصناعية في المناطق المتقدمة، ولا سيما عندما يتعين إجراء المسح وإنجازه في فترة زمنية محدودة جدا.

‎(د) ارسال الاستبيانات بالبريد: إذا ما اعتمد هذا الأسلوب في جمع البيانات يقوم الباحث والمشاركين بالاتصال ببعضهم البعض، ويتم ارسال الاستبيانات إلى المشاركين مع طلب إعادتها بعد الانتهاء من تعبئتها. وهذا الأسلوب هو الأكثر استخداما في مختلف المسوح الاقتصادية والتجارية. قبل تطبيق هذا الأسلوب، عادة ما يتم إجراء دراسة تجريبية لاختبار الاستبيان للكشف عن نقاط الضعف، إن وجدت، في الاستبيان. يجب أن يتم تجهيز الاستبيان الذي سيتم استخدامه بعناية فائقة بحيث يكون فعال في جمع المعلومات ذات العلاقة.

(هـ) من خلال الجداول الزمنية: بموجب هذه الطريقة يتم تعيين العدادين وتوفير التدريب لهم. يتم تزويدهم بالجداول التي تحتوي على الأسئلة ذات العلاقة. يذهب هؤلاء العدادين إلى المشاركين بهذه الجداول، حيث يتم جمع البيانات عن طريق ملء الجداول من قبل العدادين على أساس الردود المقدمة ممن شملهم الاستطلاع. هذا النوع يعتمد كثيرا على قدرة العدادين فيما يتعلق بهذا الأسلوب، ويتم إجراء بعض الفحوصات الحقلية من حين لآخر على عمل العدادين لضمان العمل الصادق.

يجب على الباحث أن يختار أحد هذه الأساليب لجمع البيانات مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة البحث وهدفه ونطاقه، والموارد المالية، والوقت المتاح ودرجة الدقة المطلوبة. وعلى الرغم من أنه ينبغي على الباحث الاهتمام بجميع هذه العوامل، إلا أن الكثير يعتمد على قدرة وخبرة الباحث. في هذا السياق يعلق الدكتور بولي باقتدار بأنه أثناء جمع البيانات الإحصائية يكون التعقل والتفكير المنطقي ضرورة لازمة وتكون الخبرة أكبر المعلمين.

‎ ‎

  1. تنفيذ المشروع: يعتبرتنفيذ المشروع خطوة هامة جدا في عملية البحث. إذا سار تنفيذ المشروع على خطوط صحيحة، فإن البيانات التي سيتم جمعها تكون كافية ويمكن الاعتماد عليها. يجب أن يرى الباحث أن تنفيذ المشروع يتم بطريقة منتظمة وفي الوقت المناسب. إذا كان المسح سيتم عن طريق الاستبيانات المنظمة، فسيمكن معالجة البيانات آليا بسهولة. قد يتم تشفير الأسئلة في مثل هذه الحالة، وكذلك الإجابات المحتملة. وإذا كان سيتم جمع البيانات من خلال المقابلات، فينبغي اتخاذ ترتيبات لضمان حسن اختيار المنفذين لها وتدريبهم. يمكن توفير التدريب بمساعدة كتيبات التعليمات التي تشرح بوضوح كل الخطوات المهمة للقائمين بالمقابلات. وينبغي إجراء الفحوصات الميدانية بين الحين والآخر للتأكد من أن الذين يقومون بالمقابلات يؤدون واجبهم بإخلاص وكفاءة. كما يجب مراقبة العوامل غير المتوقعة من اجل الحفاظ على واقعية المسح قدر الإمكان. هذا يعني، بعبارة أخرى، أنه يجب اتخاذ خطوات لضمان بقاء المسح تحت السيطرة الإحصائية حتى تكون المعلومات التي تم جمعها مأخوذة وفقا لمعايير دقة محددة مسبقا. وإذا لم يتعاون بعض المشاركين في الدراسة، فينبغي تصميم بعض الطرق المناسبة لمعالجة هذه المشكلة. إحدى الطرق للتعامل مع مشكلة عدم الاستجابة هي تقديم قائمة بمن لم يستجيبوا للاستطلاع وأخذ عينة فرعية صغيرة منهم، وبعد ذلك يمكن بذل جهود حثيثة لتأمين استجابتهم بمساعدة من الخبراء.

 

‎8. تحليل البيانات: بعد أن تم جمع البيانات، يتحول الباحث لمهمة تحليلها. يتطلب تحليل البيانات عددا من العمليات التي ترتبط ارتباطا وثيقا مثل إنشاء الفئات، وتطبيق هذه الفئات على البيانات الخام من خلال ترميزها وتبويبها ومن ثم استخلاص الاستدلالات الإحصائية. يجب بالضرورة أن تكثف البيانات غير العملية في عدد قليل من المجموعات والجداول التي يمكن التحكم فيها لمزيد من التحليل. وبالتالي، يجب أن يصنف الباحث البيانات الخام إلى فئات تخدم أغراض البحث وقابلة للاستخدام. وعادة ما تتم في هذه المرحلة عملية الترميز التي يتم من خلالها تحويل فئات البيانات إلى رموز يمكن جدولتها وفرزها. التحرير هو الإجراء الذي يحسن من جودة البيانات لترميزها. وبترميز البيانات تأتي مرحلة التبويب والجدولة. الجدولة هي جزء من الإجراء الفني الذي يتم من خلاله وضع البيانات المصنفة في شكل جداول. ويمكن استخدام الأجهزة الميكانيكية في هذه المرحلة. يتم جدولة قدر كبير من البيانات، وخاصة في البحوث الكبيرة، بواسطة أجهزة الكمبيوتر، لأنها تختصر الوقت وتمكّن من دراسة عدد كبير من المتغيرات التي تؤثر على المشكلة في وقت واحد.

يعتمد التحليل بعد تبويب البيانات عادة على حساب مختلف النسب المئوية، والمعاملات، وما إلى ذلك، من خلال تطبيق الصيغ الإحصائية المختلفة الواضحة. في عملية التحليل، يجب أن تخضع العلاقات أو الاختلافات التي تدعم أو تتعارض مع الفرضيات الأصلية أو الجديدة لاختبارات الأهمية لكي يتم تحديد مدى الصحة التي يمكن بها القول أن البيانات تشير إلى أي استنتاجات. على سبيل المثال، إذا كان هناك عينتين من الأجور الأسبوعية، وكل عينة مأخوذة من مصانع في مناطق مختلفة من المدينة نفسها، فإن إعطاء قيمتين مختلفتين للمتوسط، قد يسبب لنا مشكلة في تحديد ما إذا كانت قيمتي المتوسط تختلف اختلافا كبيرا أو أن الفرق هو مجرد مسألة صدفة. من خلال استخدام الاختبارات الإحصائية يمكننا تحديد ما إذا كان مثل هذا الاختلاف حقيقي أو إنه نتيجة لتقلبات عشوائية. إذا حدث وكان الفرق حقيقيا، فإن الاستدلال سيكون بأن العينتين جاءت من مجتمعات دراسة مختلفة، وإذا كان الفرق نتيجة للمصادفة، فإن الاستنتاج سيكون أن العينتين تنتميان إلى نفس مجتمع الدراسة. وبالمثل، يمكن لتقنية تحليل التباين أن تساعدنا في تحليل ما إذا كان ثلاثة أو أكثر من أصناف البذور المزروعة في حقول معينة يسفر عن نتائج مختلفة إلى حد كبير أم لا. باختصار، يمكن للباحث تحليل البيانات التي تم جمعها بمساعدة المقاييس الإحصائية المختلفة.

 

‎9. اختبار الفرضيات: بعد تحليل البيانات مثلما ذكرنا أعلاه، سيكون الباحث في وضع يسمح له باختبار الفرضيات، إن وجدت، التي كان قد وضعها في وقت سابق. هل الحقائق تدعم الفرضيات أم إنها تعارضها؟ هذا هو السؤال المعتاد الذي ينبغي الإجابة عليه أثناء اختبار الفرضيات. لقد تم تطوير اختبارات مختلفة، مثل اختبار مربع كاي، اختبار (t)، اختبار F، من قبل خبراء الإحصاء لهذا الغرض. يمكن اختبار الفرضيات من خلال استخدام واحد أو أكثر من هذه الاختبارات، وهذا يتوقف على طبيعة وموضوع البحث. سيؤدي اختبار الفرضية إما إلى قبول الفرضية أو رفضها. إذا لم يكن للباحث فرضيات في البداية، فيمكن صياغة التعميمات المبنية على أساس البيانات كفرضيات يتم فحصها بواسطة الأبحاث اللاحقة في دراسات قادمة. ‎

 

  1. التفسير والتعميمات: إذا تم اختبار فرضية وتم تأييدها عدة مرات، فإنه قد يكون من الممكن للباحث الوصول إلى التعميم، أي بناء نظرية. في واقع الأمر، فإن القيمة الحقيقية للأبحاث تكمن في قدرتها على التوصل إلى بعض التعميمات. إذا لم يكن للباحث فرضية منذ البداية، فبإمكانه ان يسعى لشرح النتائج التي توصل إليها على أساس نظرية ما. وهذا هو ما يعرف بالتفسير. قد تؤدي عملية التفسير في كثير من الأحيان إلى أسئلة جديدة والتي بدورها قد تؤدي إلى مزيد من الأبحاث.

 

  1. إعداد التقرير أو الأطروحة: وأخيرا، يكون على الباحث إعداد تقرير لما قام به. ويجب أن تتم كتابة التقرير بعناية كبيرة مع مراعاة ما يلي:
  • ‎يجب أن يكون تخطيط التقرير على النحو التالي:

(أ) الصفحات الأولية.

(ب) النص الرئيسي،

(ج) الصفحات الختامية.

يجب أن يحمل التقرير في الصفحات الأولية عنوان وتاريخ يليه الاعترافات والتقديم. ثم ينبغي أن يكون هناك فهرس بالمحتويات تتلوه قائمة بالجداول، وقائمة بالرسوم البيانية التي وردت في التقرير، إن وجدت.

يجب أن يحتوي النص الرئيسي من التقرير على الأجزاء التالية:

(أ) مقدمة: ينبغي لهذا الجزء أن يتضمن بيانا واضحا بالهدف من البحث وشرحا للمنهجية المعتمدة في إنجاز البحث. كما يجب أيضا بيان نطاق الدراسة والقيود المختلفة التي تحددها.

(ب) ملخص النتائج: بعد المقدمة يجب بيان النتائج والتوصيات بلغة غير فنية. وإذا كانت النتائج كثيرة وواسعة النطاق، فينبغي تلخيصها.

(ج) التقرير الأساسي: يجب أن يتم عرض الجسم الرئيسي للتقرير في تسلسل منطقي ومقسم إلى أقسام وفصول يسهل تحديدها.

(د) الخاتمة: في نهاية النص الرئيسي، يجب على الباحث أن يبين مرة أخرى نتائج بحثه بشكل واضح ودقيق. لأن هذا في الحقيقة، هو التلخيص النهائي.

في نهاية التقرير، يجب تضمين الملاحق المتعلقة بجميع البيانات التقنية. كما يجب وضع الببليوغرافيا في نهاية البحث، أي قائمة الكتب والدوريات والمجلات والتقارير وغيرها، التي تم استخدامها والإشارة إليها، وينبغي أيضا، وخصوصًا في تقارير الأبحاث المنشورة، أن يكون هناك مؤشر في آخر التقرير.

  • يجب أن يكتب التقرير بأسلوب مختصر وموضوعي وبلغة بسيطة، كما يجب تجنب العبارات الغامضة مثل “على ما يبدو، ” قد يكون هناك”، وما شابهها.
  • يجب أن يتم استعمال الخرائط والرسوم التوضيحية في التقرير الرئيسي فقط اذا كانت تزيد من وضوح المعلومات وتبينها بشكل دقيق.
  • لا بد من الإشارة إلى حساب “حدود الثقة”، وكذلك ذكر المحددات أو القيود المختلفة التي واجهت إجراء عمليات البحث.

 

 

معايير البحث الجيد

أيا كان نوع أعمال البحوث والدراسات، فإن الشيء الوحيد المهم هو أن جميعها تشترك في الطريقة العلمية التي يستخدمونها. ولذلك فإن المرء يتوقع أن يجد المعايير التالية في أي بحث علمي:

  1. يجب أن يحدد الغرض من البحث بوضوح وباستخدام مفاهيم معروفة.
  2. ينبغي أن يتم وصف إجراءات البحث المستخدمة بالتفصيل الكافي لكي يسمح لأي باحث آخر بتكرار البحث من أجل المزيد من التقدم، والحفاظ على استمرارية ما تم تحقيقه. ‎‎
  3. يجب تخطيط التصميم الإجرائي للبحث بعناية لكي يحقق نتائج تتسم بالموضوعية قدر الإمكان.
  4. يجب على الباحث أن يكون صريحا تماما ويذكر أي عيوب في التصميم الإجرائي ويقوم بتقدير آثارها على النتائج.
  5. يجب أن يكون تحليل البيانات كافي بما فيه الكفاية لكي تتضح أهميتها، ويجب أن تكون طرق التحليل المستخدمة مناسبة. كما يجب أن يتم التحقق وبعناية من صحة ومدى درجة الثقة في البيانات.
  6. ينبغي أن تقتصر الاستنتاجات على تلك التي تبررها بيانات البحث و توفر لها أساسا كافيا.
  7. يمكن ضمان الثقة الكبيرة في البحث إذا كان الباحث من ذوي الخبرة، ولديه سمعة جيدة في مجال البحوث ويتمتع بالنزاهة.

وبعبارة أخرى، يمكننا أن نقول أن صفات البحث الجيد تشمل ما يلي:

  1. البحث الجيد منظم: وهذا يعني أن يرتكز البحث على خطوات محددة يتعين اتخاذها في تسلسل محدد وفقا لمجموعة من القواعد محددة جيدا. السمة المنهجية للبحث لا تستبعد التفكير الإبداعي لكنها بالتأكيد ترفض استخدام التخمين والحدس في التوصل إلى استنتاجات.
  2. البحث الجيد منطقي: وهذا يعني أن يتم توجيه البحوث وفقا لقواعد التفكير المنطقي، لأن عملية الاستقراء والاستنباط المنطقية تعتبر ذات قيمة كبيرة في إجراء البحوث. الاستقراء هو عملية التفكير من الجزء الى الكل، بينما الاستنباط هو عملية التفكير من الفرضية إلى استنتاج يتبع من تلك الفرضية بالذات. في الواقع، نجد أن التفكير المنطقي يجعل البحث أكثر وضوحا في سياق عملية صنع القرار.
  3. ‎‎البحث الجيد تجريبي: وهذا يعني أن البحث يتعلق أساسا بواحد أو أكثر من جوانب وضع حقيقي ويتعامل مع بيانات ملموسة توفر أساسا لصحة نتائج البحوث.
  4. البحث الجيد يمكن تكراره: هذه الخاصية تسمح بالتحقق من نتائج البحوث عن طريق تكرار الدراسة، وبالتالي بناء أساس سليم لاتخاذ القرارات.

 

المشاكل التي يواجهها الباحثين في ليبيا

يواجه الباحثون في ليبيا، وخاصة أولئك الذين يقومون بالبحوث التجريبية، العديد من المشاكل. تتمثل بعض المشاكل الهامة فيما يلي:

  1. عدم وجود التدريب العلمي في مناهج البحث يشكل عائقا كبيرا للباحثين في بلدنا. هناك قلة من الباحثين المختصين. كثير من الباحثين يقفزون في الظلام بدون معرفة طرق البحث. معظم الأعمال التي تسمى بحوثًا ليست سليمة منهجيا. البحث بالنسبة لكثير من الباحثين وحتى مشرفيهم، هو في الغالب وظيفة قص ولصق دون أي تبصر أو جهد مبذول على المواد التي يتم جمعها. النتيجة واضحة في نتائج البحوث، وهي في كثير من الأحيان، لا تعكس الحقيقة أو الواقع. وبالتالي، فإن الدراسة المنظمة لمناهج البحث هي ضرورة ملحة. قبل الشروع في المشاريع البحثية، ينبغي أن يكون الباحث مجهز تجهيزا جيدا وعلى دراية بجميع الجوانب المنهجية. ولذلك، ينبغي بذل الجهود لتوفير دورات مكثفة قصيرة لتلبية هذا المطلب وسد العجز.
  2. ‎هناك تفاعل غير كافي بين أقسام الجامعات من جهة ورجال الأعمال والمؤسسات والدوائر الحكومية والمؤسسات البحثية من جهة أخرى. هناك قدر كبير من البيانات الأولية ذات الطبيعة غير السرية تبقى بمنأى أو دون معالجة من قبل الباحثين لعدم توفر الاتصالات المناسبة. وينبغي بذل الجهود لتطوير الاتصالات المرضية بين جميع الأطراف المعنية لكي نتحصل على بحوث واقعية أكثر. هناك حاجة لتطوير بعض الآليات في الجامعة، وصناعة برنامج تفاعلي بحيث يتمكن الأكاديميين من الحصول على أفكار من الممارسين حول ما يحتاج إلى البحث ولكي يمكن أيضا للممارسين تطبيق الأبحاث التي أجريت من قبل الأكاديميين.
  3. معظم وحدات الأعمال في ليبيا ليس لديها ثقة بأن المواد التي يقدمونها للباحثين لن يساء استخدامها ولذلك غالبا ما يكونوا مترددين في توفير المعلومات اللازمة للباحثين. يبدو أن مفهوم السرية يعتبر مقدسا لمنظمات الأعمال في البلاد لدرجة أنها بنت حاجزا كاتما بينها وبين الباحثين. وبالتالي، هناك ضرورة لتوليد الثقة بأن المعلومات أو البيانات التي يتم الحصول عليها من أي وحدة أعمال لن يتم إساءة استخدامها.
  4. تجري البحوث والدراسات المتداخلة مع بعضها البعض في كثير من الأحيان لعدم وجود معلومات كافية. وهذا يؤدي إلى الازدواجية وضياع الموارد. يمكن حل هذه المشكلة عن طريق التجميع السليم والمراجعة، على فترات منتظمة، لقائمة الموضوعات والأماكن التي تجرى فيها الأبحاث. وينبغي الاهتمام  بتحديد المشاكل البحثية في مختلف تخصصات العلوم التطبيقية التي تشكل مصدر قلق آني للصناعات.
  5. لا وجود لشفرة مدونة للسلوك يتبعها الباحثين، وكذلك يوجد تنافس فيما بين الجامعات والأقسام أيضا. وبالتالي، هناك حاجة لوضع مدونة لقواعد السلوك للباحثين والتي، إذا ما تم الالتزام بها بإخلاص، ستمكننا من التغلب على هذه المشكلة.
  6. ‎كما يواجه العديد من الباحثين في بلادنا صعوبة السكرتارية الكافية وفي الوقت المناسب، بما في ذلك المساعدين الذين يشتغلون على الحاسوب. هذا يسبب تأخير لا لزوم له في إنجاز البحوث والدراسات. يجب بذل كل الجهود الممكنة في هذا الاتجاه بحيث يتم توفير السكرتارية الفعالة وإتاحتها للباحثين وبشكل جيد في الوقت المناسب. يجب على لجنة المنح الجامعية الاضطلاع بدور نشط في حل هذه الصعوبات.
  7. إدارة المكتبات عملها غير مرضي في العديد من الأماكن، حيث يضيع الكثير من وقت وطاقة الباحثين في البحث عن الكتب والمجلات والتقارير وغيرها، إن وجدت، وليس في البحث عن المواد ذات الصلة الموجودة فيها.
  8. هناك أيضا مشكلة أن العديد من مكتباتنا ليست قادرة على الحصول على نسخ من الأعمال / القوانين والتقارير القديمة والجديدة والمطبوعات الحكومية الأخرى في الوقت المناسب. ويُشعر بهذه المشكلة أكثر في المكتبات التي تكون في أماكن بعيدة عن طرابلس / أو مراكز المدن. وبالتالي، ينبغي بذل الجهود من أجل الإمداد المنتظم والسريع لجميع المطبوعات الحكومية حتى تصل إلى مكتباتنا.
  9. هناك أيضا صعوبة وشح في توافر البيانات المنشورة من مختلف الجهات الحكومية وغيرها التي تقوم بهذا العمل في بلدنا. يواجه الباحث أيضا المشكلة التي تسببها حقيقة أن البيانات المنشورة تختلف بشكل كبير جدا بسبب الاختلافات في التغطية من قبل الوكالات المتعلقة.
  10. قد يكون هناك في بعض الأحيان، مشكلة المفاهيم، وكذلك المشاكل المتعلقة بعملية جمع البيانات وما يتعلق بها.

 

 

[1]  محمد الصاوي محمد مبارك، البحث العلمي: أسسه وطريقة كتابته، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1992، ص 13.

 

[2]  عبد الرشيد بن عبد العزيز حافظ، أساسيات البحث العلمي، مركز النشر العلمي، مطابع جامعة الملك عبد العزيز، جدة، 2012، ص 4.

[3]  رحيم يونس كرو العزاوي، مقدمة في مناهج البحث العلمي، سلسلة المنهل في العلوم التربوية، عمان، دار دجلة، 2008، ص 97.

[4]  يونس كرو العزاوي، مقدمة في مناهج البحث العلمي، سلسلة المنهل في العلوم التربوية، عمان، دار دجلة، 2008، ص 109.

*  تمت ترجمة هذا الجدول وتعديله من كتاب:

Kothari, C. R. (2004). Research Methodology: Methods and Techniques. New Age International Ltd, Publishers, p. 7.

 

*  تم تعديل هذا الشكل وترجمته من نفس المرجع السابق ص 11.

 

المصدر: صوان، فرج (2018). طرائق البحث: مقدمة لطرائق البحث وكيفية إعداد البحوث. منتدى المعارف.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

واجهة برنامج Stata

البرامج الإحصائية المستخدمة في تحليل البيانات الكمية والنوعية

هناك العديد من البرامج الإحصائية المختلفة المصممة للاستخدام مع البيانات الكمية والنوعية. فيما يلي سنلقي …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.