الرئيسية / البحث العلمي / فلسفة البحث

فلسفة البحث

ربما يعتقد القارئ أن البحث شيء مجرد جدا ومعقد. ربما يكون كذلك، ولكننا سنرى أنه إذا تم فهم الأجزاء أو المراحل المختلفة للمشروع البحثي وكيف تترابط وتتناسب معا، فإننا سنجد أنه ليس معقدا كما قد يبدو للوهلة الأولى. إن لدى المشروع البحثي هيكلية معروفة – بداية ووسط ونهاية، حيث سنقوم (في مقالنا هذا المعنون ” فلسفة البحث “) بعرض هذه المراحل الأساسية للمشروع البحثي في قسم هيكلية البحث. في هذا القسم، سنقوم أيضا باستعراض بعض الفروق والاختلافات الهامة في مجال البحث: أنواع الأسئلة المختلفة التي يمكن أن تُطرح في المشروع البحثي ومكونات أو أجزاء المشروع البحثي الرئيسية.

قبل أن تظهر الفكرة الحديثة للبحث، كان لدينا مصطلح لما استخدمه الفلاسفة لوصف البحث، وهو: التفكير المنطقي. لذلك، لا ينبغي أن نتفاجأ بأن بعض المميزات الأساسية في المنطق انتقلت إلى البحث المعاصر. وسنناقش في مقالنا هذا (فلسفة البحث) في قسم نظم المنطق لاحقا كيف أن نظامي المنطق الرئيسين، وهما الطريقة الاستقرائية والاستدلالية للتفكير لهما علاقة بالبحث الحديث.

نحن نعلم بأنه لا يمكن أن تكون المقدمة كاملة بدون عرضها لشيء له علاقة بالافتراضات والفلسفة. (كما تحدثنا عن المنطق في الفقرة السابقة). تستند كل البحوث على افتراضات حول فهمنا للعالم وكيف يمكننا أن نفهمه بشكل أفضل. بالطبع، لا أحد يعرف حقا أفضل طريقة لفهم العالم، حيث لازال يتجادل الفلاسفة حول هذه المسألة بالذات منذ ألفي سنة على الأقل حتى الآن، لذلك فإن كل ما ننوي القيام به هو أن ننظر في كيفية تعامل معظم علماء الاجتماع المعاصرين مع مسألة كيف نعرف عن العالم من حولنا. بالتحديد سنناقش المدرستين الفلسفيتين الرئيسيتين للفكر (الوضعية والوضعية الجديدة) التي تعتبر ذات أهمية خاصة للبحوث الاجتماعية المعاصرة. وطبعا هناك بدائل أخرى يدور حولها نقاش ساخن مثل النسبية، الذاتية، التأويلية، البنائية، النسوية، وغيرها ولكن المجال هنا لا يسمح ولذلك سنناقش المدرستين الرئيسيتين فقط.

الجودة هي احد أهم القضايا في مجال البحث. وسنستعرض فكرة الصلاحية للإشارة إلى جودة الاستنتاجات المختلفة التي قد يصل إليها الباحث حسب مشروعه البحثي. عندما نذكر الصلاحية، فإن معظم الطلاب سيعتقد أن الصلاحية هي شيء مجرد وفلسفي (وأعتقد أنه كذلك إلى حد ما). ولكن اعتقد انه اذا أمكن فهم الصلاحية (المبادئ التي نستخدمها للحكم على جودة البحوث) فسيكون القارئ قادرا على القيام أكثر بكثير من مجرد إكمال مشروع بحثي؛ حيث سيكون قادرا على أن يكون عالمًا في البحث، لأنه سيتمكن من فهم لماذا نحن بحاجة إلى القيام ببعض الأشياء من أجل ضمان الجودة. لن يكون القارئ فقط قادرا على تنفيذ الإجراءات القياسية التي تعلمها في المدرسة (طريقة أخذ العينات س، أداة قياس ص)، ولكنه سيكون قادرا على المساعدة في خلق الجيل المقبل من تكنولوجيا البحث.

 

هيكل البحث

تشترك معظم المشاريع البحثية فى نفس الهيكل العام. يمكن للمرء التفكير في هذا الهيكل وكأنه ساعة رملية. عادة ما تبدأ عملية البحث بمجال اهتمام واسع يشمل المشكلة الأولى التي يرغب الباحث في دراستها. على سبيل المثال، ربما يكون الباحث مهتما بكيفية استخدام أجهزة الكمبيوتر لتحسين أداء الطلبة في الرياضيات. ولكن هذا الاهتمام الأولي واسع جدا ولا يمكن دراسته في مشروع بحثي واحد. يجب على الباحث تضييق السؤال إلى أن يكون من المعقول دراسته في مشروع بحثي. قد ينطوي هذا على صياغة فرضية أو سؤال يتركز عليه البحث. على سبيل المثال، قد يفترض الباحث أن طريقة معينة لتعليم الرياضيات بالحاسوب ستحسّن من قدرة طلاب المدارس الابتدائية في منطقة معينة. عند أضيق نقطة من الساعة الرملية للبحث، يدخل الباحث في القياس المباشر أو مراقبة المسألة المعنية.

فكرة الساعة الرملية حول البحث

حالما يتم جمع البيانات الأساسية، يبدأ الباحث في محاولة فهمها، وعادة ما يكون ذلك عن طريق تحليلها بأساليب وطرق متنوعة. حتى عند وجود فرضية واحدة يكون هناك عادة عدد من التحليلات التي قد يجريها الباحث. عند هذه النقطة، يبدأ الباحث في صياغة بعض الاستنتاجات الأولية حول ما حدث نتيجة لبرنامج الرياضيات الحاسوبي. وأخيرا، فإن الباحث في كثير من الأحيان سيحاول معالجة المسألة الواسعة الأصلية قيد البحث من خلال تعميم نتائج هذه الدراسة المحددة على حالات أخرى ذات صلة. فمثلا، وفقا لنتائج قوية تشير إلى أن برنامج الرياضيات كان له تأثير إيجابي على أداء الطلاب، قد يخلص الباحث إلى توقع نتائج مماثلة في المناطق التعليمية الأخرى المشابهة لتلك التي في الدراسة.

 

 

مكونات الدراسة

ما هي المكونات أو الأجزاء الأساسية للدراسة البحثية؟ سنقوم هنا بوصف المكونات الأساسية التي تتضمنها الدراسة السببية. ولأن الدراسات السببية تفترض الأسئلة الوصفية والتي تبحث في العلاقات بين المتغيرات، فإن الكثير من مكونات الدراسات السببية ستكون موجودة في أنواع الدراسات الأخرى.

تنشأ معظم البحوث الاجتماعية من بعض المشاكل أو الأسئلة العامة. قد يكون الباحث، على سبيل المثال، مهتما بالبرامج التي تمكن العاطلين عن العمل من الحصول على وظيفة. عادة، ما تكون المشكلة واسعة بحيث لا يمكن أن نأمل في معالجتها بشكل كاف في دراسة بحثية واحدة. ونتيجة لذلك، نقوم عادة بتضييق المشكلة وصولا الى مسألة بحثية محددة أكثر يمكننا أن نأمل في معالجتها. وكثيرا ما يتم طرح السؤال البحثي وفقا لبعض النظريات التي تم تطويرها لمعالجة هذه المشكلة. على سبيل المثال، قد يكون لدينا نظرية تقول بأن هناك حاجة إلى خدمات الدعم المستمر لضمان أن العمال المُستخدمين حديثا سيظلوا مُستخدمين. سؤال البحث هو القضية المركزية التي يتم تناولها في الدراسة، وغالبا ما يُصاغ بلغة النظرية. على سبيل المثال، قد يكون السؤال البحثي كما يلي:

 

هل برنامج العمالة المدعومة أكثر فعالية (من عدم وجود أي برنامج على الإطلاق) في الحفاظ على العاملين حديثا في وظائفهم؟

 

المشكلة مع مثل هذا السؤال هي أنه ما زال يتسم بالعمومية بحيث لا يمكن دراسته مباشرة. ونتيجة لذلك، نقوم في معظم الأبحاث بتطوير بيان أكثر تحديدا يسمى “فرضية” حيث تصف بمصطلحات تشغيلية ما نعتقد أنه سيحدث في الدراسة بالضبط. على سبيل المثال، ربما تكون فرضية دراسة العمل لدينا كالآتي:

 

برنامج العاصمة لدعم التوظيف سيزيد من معدلات التوظيف بدرجة كبيرة بعد ستة أشهر بالنسبة للأشخاص المعينين حديثا (بعد أن كانوا عاطلين عن العمل لمدة سنة واحدة على الأقل) مقارنة بالأشخاص الذين لا يتلقون أي برنامج مماثل.

 

لاحظ أن هذه الفرضية محددة بما فيه الكفاية بحيث يمكن للقارئ أن يفهم تماما ما تحاول هذه الدراسة تقييمه.

في الدراسات السببية، لدينا اثنين على الأقل من المتغيرات الرئيسية ذات الاهتمام وهما السبب والأثر أو النتيجة. عادة ما يكون السبب هو نوع من الأحداث أو البرامج أو العلاج. نحن نميز بين الأسباب التي يستطيع الباحث التحكم فيها (مثل برنامج ما) والأسباب التي تحدث بشكل طبيعي أو خارج نفوذ الباحث (مثل التغير في أسعار الفائدة، أو وقوع الزلزال). أما الأثر فهو النتيجة التي يرغب الباحث في دراسته. نحن نميز بين فكرتنا عن كل من السبب والنتيجة (المركب) وكيف يطهرون فعلا في الواقع. على سبيل المثال، عندما نفكر فيما سيكون برنامج خدمات الدعم للمشتغلين حديثا فقد نكون نفكر في “مركب”. من ناحية أخرى، فإن العالم الحقيقي ليس دائما كما نفكر به. في مجال البحوث، نحن نذكر أنفسنا بهذا عن طريق التمييز بين رأينا في الكيان (المركب) والكيان كما هو قائم (التشغيل). ومن الناحية المثالية، نود أن يتفق الاثنين.

وتجري البحوث الاجتماعية دائما في سياق اجتماعي، حيث يتم سؤال للناس، أو ملاحظة تفاعل العائلات، أو قياس آراء الناس في مدينة. أحد العناصر الهامة في المشروع البحثي هو الوحدات التي تشارك في المشروع، لأن الوحدات ترتبط مباشرة بمسألة أخذ العينات. في معظم المشاريع لا يمكن أن ندخل كل الناس التي قد ترغب في إشراكها. على سبيل المثال، في دراسة برنامج خدمات الدعم لتعيين الموظفين الجدد، ربما لا يمكننا أن ندرج في دراستنا جميع الذين يعملون حديثا في العالم، أو حتى في البلد. بدلا من ذلك، علينا أن نحاول الحصول على عينة تمثيلية من مثل هؤلاء الناس. عند أخذ العينات، نقوم بالتمييز بين السكان النظريين قيد الاهتمام في دراستنا والعينة النهائية التي نقيسها فعلا في دراستنا. عادة ما يشير مصطلح “الوحدات” إلى الناس الذين نقوم بأخذ عينة منهم ونجمع المعلومات منهم. ولكن بالنسبة لبعض المشاريع قد تكون الوحدات منظمات أو جماعات أو كيانات جغرافية مثل المدن أو القرى. أحيانا قد تكون استراتيجيتنا لأخذ عينات متعددة المستويات: نأخذ عينة من عدد من المدن ومن داخلها نأخذ عينة من الأسر.

نهتم في الدراسات السببية بآثار بعض الأسباب على واحدة من النتائج أو أكثر. ترتبط النتائج مباشرة بمشكلة البحث، حيث نكون عادة أكثر اهتماما بالنتائج التي تعبر أكثر عن المشكلة. على سبيل المثال قد نكون مهتمين أكثر في دراستنا الافتراضية للعمالة المدعومة بتدابير العمل (هل الشخص يعمل حاليا، أو، ما هو معدل تغيبهم عن العمل).

وأخيرا، ربما نقوم في الدراسة السببية بمقارنة آثار السبب الذي يهمنا (على سبيل المثال، البرنامج) بالنسبة إلى ظروف أخرى (على سبيل المثال، برنامج آخر أو عدم وجود أي برنامج مطلقا). وهكذا، فإن العنصر أساسي في الدراسة السببية يتعلق بكيفية نقرير ما هي الوحدات (على سبيل المثال، الناس) التي تتلقي برنامجنا والتي تم وضعها في ظروف أخرى. هذه المسألة لها علاقة مباشرة بتصميم البحوث التي نستخدمها في الدراسة. إن أحد الأسئلة المركزية في تصميم البحوث هي تحديد كيف تحديد الناس أو وضعه في البرامج أو المعالجات التي نقوم بمقارنتها.

إذن، فإن المكونات الرئيسية في الدراسة السببية تتضمن ما يلي:

  • مشكلة البحث
  • سؤال البحوث
  • البرنامج (السبب)
  • الوحدات
  • النتائج (الآثار)
  • التصميم

 

الاستنباط والاستقراء

عادة ما نشير في المنطق إلى طريقتين واسعتين للتفكير وهما المنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي.

يعمل الاستدلال الاستنباطي من الأكثر عمومية إلى الأكثر تحديدًا. وهذا ما يسمى بشكل غير رسمي في بعض الأحيان بالنهج “من أعلى إلى أسفل”.

نهج من أعلى إلى أسفل

ونحن قد نبدأ في التفكير في نظرية حول الموضوع الذي يهمنا، ثم نقوم بتضييقه إلى فرضيات أكثر تحديدا يمكننا اختبارها. ثم نقوم بالتضييق أبعد من ذلك عندما نقوم بجمع الملاحظات لاختبار الفرضيات. يمكننا هذا في النهاية من اختبار الفرضيات ببيانات محددة (تأكيد  نظرياتنا الأصلية (أو لا).

أما الاستدلال الاستقرائي فيعمل في الاتجاه الآخر، حيث ينتقل من ملاحظات محددة إلى التعميمات والنظريات الأوسع. ويسمى هذا النهج بشكل غير رسمي بنهج من “أسفل إلى أعلى”.

نهج من أسفل إلى أعلى

في الاستدلال الاستقرائي، نبدأ بالملاحظات وتدابير محددة، حيث نحاول اكتشاف الأنماط والنماذج، ثم نقوم بصياغة بعض الفرضيات الأولية التي يمكننا استكشافها، وأخيرا ينتهي الأمر بتطوير بعض الاستنتاجات العامة أو النظريات.

هاتين الطريقتين للاستدلال لديهما حسابات مختلفة جدا عندما إجراء البحوث. الاستدلال الاستقرائي، هو استكشافي بطبيعته، وهو أكثر انفتاحا، وخاصة في البداية. أما الاستدلال الاستنباطي فهو أكثر ضيقا بطبيعته، ويهتم باختبار الفرضيات أو تأكيدها. على الرغم من أنه قد تبدو دراسة معينة انها استنباطية بحتة (على سبيل المثال، تجربة لاختبار آثار مفترضة لبعض المعالجات على بعض النتائج)، فإن معظم البحوث الاجتماعية تتضمن كلًا من عمليات الاستدلال الاستقرائي والاستنباطي معا في المشروع. في الواقع، لا يستحق الأمر بأن تكون رائد فضاء لترى أنه يمكننا أن تجمع كلا الرسمين البيانيين أعلاه في رسم دائري يدور باستمرار من النظريات وصولا الى الملاحظات ويعود مرة أخرى إلى النظريات. حتى في التجارب الأكثر تقييدا، قد يلاحظ الباحثون أنماط في البيانات تقودهم إلى تطوير نظريات جديدة.

 

 

الوضعية والوضعية الجديدة (Positivism & Post-positivism )

دعونا نبدأ مناقشتنا الوجيزة جدا لفلسفة العلم بتمييز بسيط بين نظرية المعرفة ومنهجيتها. وبعبارات بسيطة، فإن نظرية المعرفة هي فلسفة المعرفة أو كيف استطعنا أن نعرف. أما منهجيتها فتهتم أيضا بكيفية التوصل الى المعرفة، ولكنها أكثر عملية في طبيعتها. وتركز المنهجية على طرق محددة التي يمكننا استخدامها في محاولتنا لفهم العالم بشكل أفضل. وتعتبر نظرية المعرفة ومنهجيتها وثيقتا الصلة حيث تنطوي الأولى على فلسفة كيفيية توصلنا الى معرفة العالم، أما الأخيرة فتنطوي على الممارسة.

عندما يفكر معظم الناس في مجتمعنا بالعلم، فإنهم يفكرون في شخص بمعطف المختبر الأبيض وهو يعمل في المختبر ويقوم بخلط المواد الكيميائية. يعتقدون بأن العلم ممل، وقطعي وجاف، ويفكرون في العالم وكأنه ضيق الأفق وباطني (مثلا، الطالب الذي يذاكر كثيرا – فكر في العالم المضحك ولكنه مع ذلك المجنون خلف الكواليس في سينما الخيال العلمي). هناك الكثير من الصور النمطية عن العلم تأتينا من فترة حيث كانت تسيطر فلسفة معينة على العلم، وهي الفلسفة الوضعية التي تميل إلى دعم بعض هذه الآراء. هنا، أريد أن أقترح (بغض النظر عما قد يظنه صناع السينما) بأن العلم انتقل بتفكيره إلى عصر ما بعد الوضعية، حيث لم يعد أحد يتمسك بالعديد من تلك الصور النمطية لشخص العالم.

تستند الفلسفة الوضعية (بالإنجليزية: Positivism) إلى الرأي القائل بأنه في مجال العلوم الاجتماعية، كما في العلوم الطبيعية، فإن المعرفة الحقيقية تكمن في المعرفة والبيانات المستمدة من التجربة الحسية، والعلاجات المنطقية والرياضية لمثل هذه البيانات والتي تعتمد على الظواهر الطبيعية الحسية وخصائصها والعلاقات بينهم والتي يمكن التحقق منها بواسطة الأبحاث والأدلة التجريبية. كما تعد قسم من أقسام «نظرية المعرفة» (الإبستمولوجيا). وهي نشأت كنقيض لعلوم اللاهوت والميتافيزيقا الذين يعتمدان المعرفة الاعتقادية غير المبرهنة. هذا المصطلح وضعه الفيلسوف و العالم الاجتماعي الفرنسي الشهير أوغست كونت في القرن التاسع عشر حيث اعتقد بان العالم سيصل الی مرحلة من الفكر و الثقافة ستنفي كل القضايا الدينية والفلسفية وستبقى القضايا العلمية التي أثبتت بالحس و الخبرة الحسية أو بالقطعية و الوضعية (positivism). و في ذلك العصر سوف يزول الدين من ساحة المجتمعات البشرية.

دعونا نبدأ من خلال النظر في ماهية الوضعية. في أوسع معانيها، تعتبر الوضعية رفض للميتافيزيقا ( ما وراء الطبيعة). وهي الموقف الذي يرى أن الهدف من المعرفة هو ببساطة وصف الظواهر التي نعيشها، وأن الغرض من العلم هو مجرد التمسك بما يمكننا ملاحظته وقياسه. وكما يرى العالم الوضعي فإن معرفة أي شيء أبعد من ذلك هو أمر مستحيل. عندما أفكر في الوضعية (وفلسفة المنطق الوضعي المرتبطة بها) فإني أستحضر علماء النفس السلوكيين في منتصف القرن العشرين. لقد كانوا هؤلاء “الملاحقين للفئران” الأسطوريين يعتقدون بأن علم النفس يمكنه فقط دراسة ما يمكن ملاحظته وقياسه مباشرة. وبما أننا لا يمكن أن نلاحظ العواطف، والأفكار، وما إلى ذلك مباشرة (على الرغم من أننا قد نكون قادرين على قياس بعض التوابع البدنية والفسيولوجية)، فإن هذه لم تكن موضوعات مشروعة لعلم النفس العلمي. جادل سكنر (B.F. Skinner) بأن علم النفس في حاجة إلى التركيز فقط على المعززات الإيجابية والسلبية للسلوك من أجل التنبؤ بالكيفية التي سيتصرف بها الناس (كل شيء آخر في الوسط – مثل ما يفكر فيهن الشخص) فهو غير ذي صلة لأنه لا يمكننا قياسه .

ومن وجهة نظر العام الوضعي حول العالم، فإن العلم يعتبر وسيلة للوصول إلى الحقيقة، ولفهم العالم جيدا وبما فيه الكفاية حتى نستطيع التنبؤ والسيطرة عليه. العالم والكون كانا حتميين، حيث تديرهما قوانين العلة والمعلول وأنه يمكننا أن نتبين إذا طبقنا النهج الفريد للطريقة العلمية. لقد كان العلم، إلى حد كبير، مسألة آلية أو ميكانيكية. نحن نستخدم المنطق الاستنباطي أن لافتراض النظريات التي يمكننا اختبارها. واستنادا إلى نتائج دراساتنا، فقد نتعلم أن نظريتنا لا تتماشى جيدا مع الحقائق، ولذا فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في نظريتنا حتى نتمكن من التنبؤ بالواقع بطريقة أفضل. يؤمن العالم الوضعي بالتجريبية (فكرة أن الملاحظة والقياس كانتا جوهر الجهود العلمي). المنهج الأساسي للمنهج العلمي (الطريقة العلمية) هو التجربة ومحاولة تمييز القوانين الطبيعية من خلال التلاعب المباشر والملاحظة.

حسنا، ربما بالغت في الموقف الوضعي لتبيين نقطة (على الرغم من أنك قد تندهش حول أصبح بعضهم أقرب لهذا في الواقع). لقد تغيرت الأمور في وجهات نظرنا حول العلم منذ أالجزء أواسط القرن العشرين. ربما كان الأهم هو تحولنا بعيدا عن الوضعية إلى ما نطلق عليه الوضعية الجديدة أو ما بعد الوضعية (post-positivism). نحن لا نقصد بالوضعية الجديدة تعديل طفيف أو إعادة النظر في الموقف الوضعي. ما بعد الوضعية هو رفض جملة من المعتقدات المركزية للوضعية. قد يبدأ عالم الوضعية الجديدة بالاعتراف بأن طريقة تفكير وعمل العلماء والطريقة التي نفكر بها في حياتنا اليومية لا يختلفان اختلافا واضحا. التفكير العلمي والحس السليم هي أساسا نفس العملية. لا يوجد فرق في النوع بين الأثنين، مجرد اختلاف في الدرجة. العلماء، على سبيل المثال، يتبعون إجراءات محددة للتأكد من أن الملاحظات يمكن التحقق منها ودقيقة ومتسقة. في استدلالاتنا اليومية، نحن لا نتقدم دائما بهذا الحذر والعناية (على الرغم من أنه إذا فكرت في ذلك، فإنه عندما تكون المخاطر عالية، فحتى في الحياة اليومية سنصبح أكثر حذرا حول القياس). فكر في الطريقة التي يراقب بها معظم الآباء المسؤولين أطفالهن الرضع باستمرار، حيث يلاحظون تفاصيل لن يكتشفها غيرهم أبدا).

احد الأشكال الأكثر شيوعا في مرحلة ما بعد الوضعية هي الفلسفة التي تسمى الواقعية النقدية (Critical Realism). يعتقد عالم الواقعية النقدية بأن هناك واقع مستقل عن تفكيرنا فيه يمكن للعلم دراسته (بخلاف العالم subjectivist الذي يعتقد أنه لا وجود للواقع الخارجي). لقد كان الوضعيين واقعيين أيضا. الفرق هو أن الشخص عالم الواقعية النقدية ما بعد الوضعية يقر بأن كل الملاحظات غير معصومة وفيها خطأ وأن كل النظريات قابلة للمراجعة. وبعبارة أخرى، فإن العالم التقدي الواقعي ناقد لقدرتنا على معرفة الواقع يقينًا. وبينما يعتقد العالم الوضعي بأن الهدف من العلم هو كشف الحقيقة، فإن العالم النقدي الواقعي الوضعي الجديد يعتقد بأن هدف العلم هو التمسك بثبات بهدف التوصل الصحيح لمعرفة الواقع، على الرغم من أنه لا يمكننا أن نحقق هذا الهدف أبدا! ولأن كل القياس غير معصوم، يؤكد علماء ما بعد الوضعية على أهمية القياسات والملاحظات المتعددة، لأن كل واحدة منها قد تحتوي على أنواع مختلفة من الخطأ، والحاجة إلى استخدام التثليث (triangulation) عبر هذه المصادر المتعددة المليئة بالأخطاء لمحاولة الحصول على معرفة أفضل حول ما يحدث في الواقع.

ويعتقد علماء ما بعد الوضعية أيضا بأن جميع الملاحظات العلماء مثقلة بالنظريات، وأن العلماء (والجميع، في هذه المسألة) ينحازون بطبيعتهم إلى خبراتهم الثقافية وآراءهم عن العالم، وهلم جرا. ولكن هذا ليس سببا لليأس، مع ذلك. لأنه مجرد أن يكون عندي رأيي حول العالم مبني على خبراتي وأنت لديك رأيك لا يعني أننا لا نستطيع أن نأمل في التفسير من خبرات بعضنا البعض أو أن نفهم بعضنا البعض. أي بمعنى أن فلسفة ما بعد الوضعية ترفض فكرة النسبية حول اختلاف وجهات النظر (incommensurability) المختلفة، وفكرة أنه لا يمكننا فهم بعضنا البعض أبدا لأننا لدينا خبرات مختلفة وننتمي لثقافات مختلفة. معظم علماء ما بعد الوضعية هم بنائيين (constructivists) يعتقدون بأننا نبني نظرتنا عن العالم وفقا لتصوراتنا عنه. ولأن الإدراك والملاحظة غير معصومين، فيجب أن تكون تراكيبنا غير كاملة.

 

إذن ما هو المقصود بالموضوعية في عالم ما بعد الوضعية؟

يعتقد الوضعيون أن الموضوعية كانت السمة اقائمة في عالم الفرد. العلماء مسؤولون وضع التحيز ومعتقداتهم جانبا ورؤية العالم كما يبدو عليه في الواقع. علماء ما بعد الوضعية يرفضون فكرة أن أي شخص يمكن أن يرى العالم كما هو في الواقع تماما. نحن جميعا ننحاز وجميع ملاحظاتنا تتأثر (مثقلة بالنظريات). أفضل أمل لدينا لتحقيق الموضوعية هو التثليث أو الخلط بين وجهات نظر متعددة غير معصومة من الخطأ! وهكذا، فإن الموضوعية ليست من سمات الفرد، لأنها بطبيعتها ظاهرة اجتماعية. إنها ما يحاول أفراد متعددين تحقيقه عندما ينتقدون عمل كل منهم. نحن لن نحقق الموضوعية تماما، ولكن يمكننا الاقتراب منها. أفضل وسيلة بالنسبة لنا لتحسين موضوعية ما نقوم به هي أن نفعل ذلك في سياق مجتمع جدلي أوسع للسّاعين وراء الحقيقة (بما في ذلك العلماء آخرين) الذين ينتقدون عمل كل منهم. النظريات التي تجتاز مثل هذا التدقيق الشديد تعتبر مثل الأنواع التي تعيش بعد كفاح التطور. (وهذا ما يسمى أحيانا بنظرية الانتقاء الطبيعي للمعرفة التي ترى أن الأفكار لها “قيمة البقاء على قيد الحياة” وأن المعرفة تتطور من خلال عملية الاختلاف والاختيار والاحتفاظ). إن لديهم قيمة التكيف وربما يكونوا أقرب إلى ما يستطيع جنسنا البشري أن يكون موضوعي ومتفهم للواقع.

ومن الواضح أن كل هذه الاشياء ليست للقلب الرهيف. لقد رأيت العديد من طلاب الدراسات العليا يضيعون في متاهات الافتراضات الفلسفية التي يتجادل حولها فلاسفة العلوم المعاصرين. ولا يعتقد القارئ بأني أرى أنها ليست من الاشياء الهامة. ولكن، في النهاية، أنا أميل إلى أكون براغماتي (عملي) حول هذه المسائل. لقد ناقش الفلاسفة هذه القضايا لآلاف السنين وهناك كل ما يدعو للاعتقاد بأنهم سيواصلون مناقشتها لآلاف السنين ألأخرى. يجب على أولئك العلماء الممارسين أن يطلعوا على هذا النقاش من وقت لآخر (ربما كل مائة سنة أو نحوها سيكون جيدا). علينا أن نفكر في الافتراضات التي نتخذها حول العالم عندما نقوم بإجراء البحوث. لكن الآن لا يمكننا أن ننتظر الفلاسفة حتى يقوموا بتسوية هذه المسألة. فبعد كل شيء، نحن لدينا عملنا الذي يجب أن نقوم به!

 

مقدمة في الصلاحية (Validity)

الصلاحية هي أفضل تقريب متاح لحقيقة اقتراح، استدلال، أو استنتاج معين.

أول شيء علينا أن نسأله هو: “صلاحية ماذا؟” عندما نفكر في الصلاحية في مجال البحوث، يفكر معظمنا في عناصر البحث. يمكننا القول بأن مقياس معين صالح، أو أنه تم أخذ عينة صالحة، أو أن التصميم لديه صلاحية قوية. ولكن كل هذه التصريحات غير صحيحة من الناحية الفنية. المقاييس والعينات والنماذج ليس لديها صلاحية (الاقتراحات فقط يمكن أن يقال أنها صالحة). من الناحية الفنية، ينبغي أن نقول أن المقياس يؤدي إلى استنتاجات صالحة، أو أن العينة تمكننا من استنتاجات صالحة، وهلم جرا. الاقتراح، الاستدلال أو الاستنتاج هو الذي يمكن أن يكون لديه صلاحية.

نحن نقوم بالكثير من الاستنباطات المختلفة أو الاستنتاجات أثناء إجراء البحوث. العديد من هذه يرتبط بعملية اجراء الأبحاث وليس الفرضيات الرئيسية للدراسة. ومع ذلك، مثل الطوب الذي يدخل في بناء الجدران، توفر هذه العملية الوسيطة والمقترحات المنهجية الأساس للاستنتاجات الموضوعية التي نود مناقشتها. على سبيل المثال، تتضمن كل الابحاث الاجتماعية تقريبا القياس أو الملاحظة. وكلما كنا نقوم بالقياس أو الملاحظة نكون مهتمين بما إذا كنا نقوم بقياس ما نحن عازمون على قياسه أو بكيفية تأثر ملاحظاتنا بسبب الظروف التي تتم فيها. نتوصل إلى استنتاجات حول جودة القياسات لدينا (الاستنتاجات التي من شأنها أن تلعب دورا هاما في معالجة قضايا جوهرية أعم في دراستنا). عندما نتحدث عن صلاحية البحوث، نحن في كثير من الأحيان نشير الى العديد من هذه الاستنتاجات التي نصل إليها حول جودة الأجزاء المختلفة من منهجية بحثنا.

تنقسم الصلاحية إلى أربعة أنواع، وكل نوع يتناول مسألة منهجية محددة. ولكي نفهم أنواع الصلاحية، علينا أن تعرف شيئا عن كيفية البحث في مسألة بحثية ما. لأن كل أنواع الصلاحية الأربعة تعمل كلها معا فقط في الدراسات السببية، ولذلك سنستخدم الدراسة السببية كمثال لضبط السياق.

كيفية البحث في مسألة بحثية ما

يوضح الشكل أن البحث ينطوي بالفعل على عالمين. الأول، في الجزء العلوي، هو عالم النظرية، وهو ما يجري داخل أدمغتنا كباحثين. إنه المكان الذي نحتفظ فيه بنظرياتنا حول كيفية عمل العالم. والثاني، في الجزء السفلي، هو عالم الملاحظات، وهو العالم الواقعي الذي نترجم فيها أفكارنا (لدينا برامج ومعالجات ومقاييس وملاحظات. عندما نقوم بإجراء البحوث، نحن نتأرجح باستمرار ذهابا وإيابا بين هذين العالمين، بين ما نعتقد حول العالم وما يجري فيه. عندما نبحث في علاقة سبب بنتيجة، يكون لدينا نظرية (ضمنيا أو غير ذلك) عما يكون السبب (مركب السبب). على سبيل المثال، إذا كنانقوم باختبار برنامج تعليمي جديد، تكون لدينا فكرة عما سيبدو عليه مثاليا. وبالمثل، من ناحية النتيجة، ستكون لدينا فكرة عما نحاول مثاليا التأثير فيه وقياسه (مركب النتيجة أو المفعول). ولكن لابد من ترجمة السبب والنتيجة إلى أشياء حقيقية تتمثل في برنامج أو معالجة، ومقياس أو طريقة ملاحظة. نحن نستخدم مصطلح التشغيل (Operationalization) لوصف فعل ترجمة المركب في هيئته. في الواقع، نحن نأخذ فكرتنا ونصفها كسلسلة من العمليات أو الإجراءات. الآن، بدلا من كونها مجرد فكرة في أذهاننا، تصبح كيانا عامًا يمكن لأي شخص أن يفحصه ويقوم بدراسته بفسه. إنه نفس الشيء، على سبيل المثال، بالنسبة لقول المرء أنه يريد قياس الثقة بالنفس (مركب). ولكن عندما تُظهر مقياس في ورقة من عشرة عناصر لقياس الثقة بالنفس قمت بإعدادها لهذا الغرض، فسيتمكن الآخرين من النظر إليها ويفهموا بوضوح أكثر ماذا تقصد بمصطلح الثقة بالنفس.

لنعود الآن إلى شرح أنواع الصلاحية الأربعة. تبني أنواع الصلاحية على بعضها البعض، حيث تشير صلاحية الاستنتاج (Conclusion Validity) والصلاحية الداخلية (Internal Validity) الى عالم الملاحظة في الجزء السفلي من الشكل أعلاه. اما صلاحية المركب (Construct Validity) فتأكد على الروابط بين الجزء السفلي والعلوي، وبالنسبة للصلاحية الخارجية (External Validity) فهي تعنى في المقام الأول بمدى نظريتنا في أعلى الشكل. تخيل أننا نرغب في دراسة ما إذا كان استخدام فصول الإنترنت الافتراضية يحسن من فهم الطلاب لمواضيع مادة معينة. نفترض أننا أخذنا هذه المركبات، وهما مركب السبب (الموقع على الشبكة) والنتيجة أو المفعول (الفهم)، وقمنا بتشغيلهما (أي قمنا بتحويلهما إلى واقع من خلال إنشاء موقع على الشبكة ومقياس للمعرفة بالمواد الدراسية. وفيما يلي أنواع الصلاحة الأربعة والمسألة التي يعالجها كل منها:

 

صلاحية الاستنتاج: هل توجد علاقة في هذه الدراسة بين المتغيرين؟

في سياق المثال الذي نناقشه، فإن هذا السؤال يمكن أن يصاغ كما يلي: هل توجد علاقة في هذه الدراسة بين موقع الإنترنت والمعرفة بالمواد الدراسية؟ هناك عدة استنتاجات قد نستنبطها للإجابة على مثل هذا السؤال. يمكننا، مثلا، أن نستنتج أن هناك علاقة. وقد نستنتج أن هناك علاقة إيجابية. وربما قد نستنتج أيضًا أنه لا توجد أي علاقة. يمكننا تقييم صلاحية الاستنتاج لكلًا من هذه الاستنتاجات أو الاستنباطات.

 

الصلاحية الداخلية: على افتراض أن هناك علاقة في هذه الدراسة، فهل هذه العلاقة سببية؟

فقط لأننا وجدنا أن استخدام موقع الإنترنت والمعرفة مرتبطان، لا يمكّننا بالضرورة من افتراض أن استخدام موقع الإنترنت يتسبب في المعرفة. يمكن، على سبيل المثال، أن يكون كلاهما ناتج عن نفس العامل. على سبيل المثال، قد يكون من المحتمل أن الطلاب الأغنياء الذين لديهم موارد أكثر سيستخدمون أو يكون لديهم إمكانية الوصول إلى موقع الإنترنت، وسوف يتفوقون في الاختبارات الموضوعية. عندما تريد أن ندعي بأن برنامجنا أو معالجتنا تسببت في النتائج في دراستنا، فيمكننا النظر في الصلاحية الداخلية لادعائنا السببية.

 

صلاحية المركب: على افتراض أن هناك علاقة سببية في هذه الدراسة، هل يمكننا أن ندعي أن البرنامج يعكس بشكل جيد مركب برنامجنا وأن مقياسنا يعكس بشكل جيد فكرتنا عن مركب المقياس؟

وهذ ببساطة يعني أنه هل قمنا بتنفيذ البرنامج الذي نهدف إلى تنفيذه؟ وهل قمنا بقياس النتائج التي أردنا قياسها؟ وبمعنى آخر، هل قمنا بتشغيل أفكار السبب والنتيجة جيدا؟ عندما ينتهي بحثنا، نود أن نكون قادرين على استنتاج أننا قمنا بعمل له مصداقية في تشغيل مركباتنا (يمكننا تقييم صلاحية المركب لهذا الاستنتاج).

 

الصلاحية الخارجية: على افتراض أن هناك علاقة سببية في هذه الدراسة بين مركبات السبب والنتيجة، فهل يمكننا تعميم هذه النتيجة على أشخاص آخرين، أماكن أخرى، أو أوقات أخرى؟

من المرجح أن نقوم ببعض الإدعاءات بأن نتائج أبحاثنا لديها آثار تتعلق بمجموعات وأفراد الآخرين في أماكن أخرى، وأزمنة أخرى. عندما نفعل ذلك، يمكننا اختبار الصلاحية الخارجية لهذه الإدعاءات.

اسئلة الصلاحية

لاحظ كيف السؤال الذي يعالجه كل نوع من الصلاحية يفترض جوابًا بالإيجاب عن سابقيه. هذا هو ما نعنيه عندما نقول أن أنواع الصلاحية تبني على بعضها البعض. يوضح الشكل فكرة التصاعد (cumulativeness) بالدرج، جنبا إلى جنب مع السؤال الرئيسي لكل نوع من الصلاحية.

هناك دائما تهديدات محتملة لصلاحية أي استدلال أو استنتاج (الاسباب التي قد يكون الاستنتاج أو الاستدلال خاطئا بسببها). من الناحية المثالية، يحاول المرء الحد من امكانية التهديدات الأكثر احتمالا للصلاحية، وبالتالي يجعل الاستنتاج الذي توصل إليه في الدراسة معقولا أكثر. على سبيل المثال، تخيل دراسة تبحث فيما إذا كانت هناك علاقة بين كمية التدريب في تقنية محددة والمعدلات اللاحقة لاستخدام تلك التقنية. لأن الاهتمام في العلاقة، فهو يعتبر مسألة صلاحية الاستنتاج. افترض أنه تم الانتهاء من دراسة كشفت عن عدم وجود ارتباط كبير بين مقدار التدريب ومعدلات اعتمادها. وعلى هذا الأساس فقد خلصنا إلى أنه لا توجد علاقة بين الاثنين. كيف يمكن لهذا الاستنتاج أن يكون خاطئا (أي ما هي “الأخطار التي تهدد صلاحيته”؟). من الممكن أن يكون أحدها أنه ليس هناك قوة إحصائية كافية للكشف عن وجود علاقة حتى لو كانت موجودة. ولعل حجم العينة صغير جدا أو مقياس كمية من التدريب لا يمكن الاعتماد عليه. أو قد تم انتهاك افتراضات اختبار الارتباط بالمتغيرات المستخدمة. ربما كان هناك أشياء عشوائية غير ملائمة في إعداد الدراسة أو أن عدم التجانس العشوائي في العينة زاد من التفاوت في البيانات وجعل من الصعب رؤية العلاقة قيد البحث. الإستدلال على أنه لا وجود لعلاقة سيكون أقوى (لديه صلاحية استنتاج أكثر) إذا كان يستطيع المرء أن يبين أن هذه التفسيرات البديلة ليست ذات مصداقية. يمكن فحص التوزيعات لمعرفة ما إذا كانت تتفق مع افتراضات اختبار الإحصائي، أو التحليلات التي أُجريت لتحديد ما إذا كانت هناك قوة إحصائية كافية.

توفر نظرية الصلاحية والعديد من قوائم التهديدات المحددة نظام مفيد لتقييم جودة استنتاجات البحوث. النظرية عامة في نطاقها وإمكانية تطبيقها، وبليغة في افتراضاتها الفلسفية، ومن المستحيل تقريبًا شرح كلها في بضع دقائق. وكإطار للحكم على جودة التقييمات فإم فهمها مهم ولا يمكن الاستغناء عنه.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

الطريقة العلمية

مقدمة الطريقة العلمية (أو المنهج العلمي)، كما عرفها مختلف العلماء والفلاسفة، ينكون من تركيبة محكمة …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.