الرئيسية / علم اللغة / علم اللغة النظري

علم اللغة النظري

يتعامل علم اللغة النظري (Theoretical linguistics) مع البنية العلمية للغة، بما في ذلك القواعد النحوية، التركيب اللغوي، التشكّل، والدلالة. يحاول علم اللغة النظري تفسير اللغة وفقًا لمجموعة من القواعد أو النظريات. وهو فرع اللغويات الأكثر اهتمامًا بتطوير نماذج للمعرفة اللغوية. تتمثل المجالات التي تعتبر عموما جوهر علم اللغة النظري في علم بناء الجمل (syntax)، علم الأصوات (phonology)، علم تراكيب الكلمات أو المورفولوجيا (morphology)، وعلم الدلالة (semantics). على الرغم من أن علم الصوتيات (phonetics) غالباً ما يُرشد علم الأصوات، فإنه غالباً ما يتم استبعاده من اختصاص علم اللغة النظري، إلى جانب علم اللغة النفسي وعلم اللغة الاجتماعي. يتضمن علم اللغة النظري أيضًا البحث عن تفسير للقواعد اللغوية العامة (linguistic universals)، أي الخصائص المشتركة بين جميع اللغات.

 

الحقول الرئيسية لعلم اللغة النظري

1. الصوتيات (Phonetics)

علم الصوتيات هو دراسة أصوات الكلام مع التركيز على النقاط الثلاثة الرئيسية الآتية:

  • النطق (Articulation): إنتاج أصوات الكلام في أجهزة النطق البشرية.
  • الإدراك (Perception): الطريقة التي تستجيب بها آذان الإنسان لإشارات الكلام، وكيف يحللها الدماغ البشري.
  • الخصائص الصوتية (Acoustic features): الخصائص الفيزيائية لأصوات الكلام مثل اللون، وعلو الصوت، والسعة، والتردد الخ.

ووفقاً لهذا التعريف، يمكن أن يُطلق على الصوتيات أيضًا التحليل اللغوي للكلام البشري على مستوى السطح. وهذا أحد الاختلافات الواضحة عن علم الأصوات (phonology)، الذي يتعلق بهيكل وتنظيم أصوات الكلام في اللغات الطبيعية، والذي له، علاوة على ذلك، طبيعة نظرية وتجريدية. يمكن تقديم مثال لتوضيح هذا التمييز. في اللغة الإنجليزية ، يمكن تمثل اللاحقة ‘-s’ الصوت /s/، /z/ ، أو يمكن أن تكون صامتة (تكتب Ø) حسب السياق.

 

أ. علم الصوتيات اللفظي (Articulatory phonetics)

مجال علم الأصوات اللفظي هو حقل فرعي من الصوتيات. يحاول علماء الصوتيات عند دراستهم للنطق توثيق كيفية إنتاج البشر لأصوات الكلام (حروف العلة والحروف الساكنة). هذا يعني أن علماء صوتيات النطق يهتمون بكيفية تفاعل التراكيب المختلفة للجهاز الصوتي، والتي تسمى اللفاظة (اللسان ، الشفتين ، الفك، الحنك، الأسنان، إلخ)، لخلق أصوات محددة.

 

ب. علم الصوتيات السمعي (Auditory phonetics)

تعتبر الصوتيات السمعية فرع من علم الصوتيات الذي يعني بسماع واستيعاب وفهم الأصوات اللغوية لكلمات اللغة. ومثلما يستكشف علم الصوتيات اللفظي طرق إنتاج الأصوات، فإن علم الصوتيات السمعي يستكشف طرق استقبالها، من الأذن إلى الدماغ ، والعمليات المرافقة لذلك.

 

ج. علم الصوتيات الصوتي (Acoustic phonetics)

الصوتيات الصوتية هي حقل فرعي من الصوتيات تتعامل مع الجوانب الصوتية لأصوات الكلام. يقوم علماء الصوتيات الصوتية بفحص خصائص مثل متوسط تربيع سعة موجة، أو مدتها، أو ترددها الأساسي، أو خصائص أخرى لطيف التردد الخاص بها، وعلاقة هذه الخصائص بفروع أخرى من الصوتيات (مثل علم الصوتيات اللفظي أو علم الصوتيات السمعي)، وتجريد المفاهيم اللغوية مثل الأصوات الكلامية أو العبارات أو الألفاظ.

 

2. علم الأصوات (Phonology)

علم الأصوات هو دراسة أصوات اللغة. ينقسم علم الأصوات إلى دراستين منفصلتين، هما علم الصوتيات وعلم الفونيميّات (phonemics)[1]. علم الصوتيات هو ما يصور الأصوات التي نسمعها، ويلفت الانتباه إلى أصغر التفاصيل في أصوات اللغة. هناك ثلاثة أنواع من الصوتيات: صوتيات لفظية، صوتيات سمعية ، صوتيات صوتية. تتعامل الصوتيات الصوتية مع الخصائص الفيزيائية للصوت، وما هي الأصوات بالضبط التي تأتي من الشخص المتحدث. وتتعامل الصوتيات السمعية مع كيفية فهم الأصوات، وما يدركه الشخص الذي يسمع الأصوات بالضبط. وأخيرًا ، يدرس علم الصوتيات اللفظي كيفية إنتاج أصوات الكلام، وهو ما يصف الأصوات الفعلية بالتفصيل، ويعرف أيضا باسم الصوتيات الوصفية.

يدرس وعلم الفونيميّات (phonemics) كيفية استخدام الأصوات، ويحلل طريقة ترتيب الأصوات في اللغات ويساعد على سماع الأصوات المهمة في اللغة. تسمى وحدة التحليل للفونيميات فونيمة (phoneme). الفونيمة هي الصوت الذي يعمل على تمييز كلمة عن أخرى في لغة ما. على سبيل المثال، كيف يمكننا التمييز بين الكلمة الإنجليزية ‘tie’ من الكلمة ‘die’. الأصوات التي تميز الكلمتين هي [t] و [d].

 

3. علم الصرف أو المورفولوجيا (Morphology)

علم الصرف (أو المورفولوجيا) هو دراسة تركيب الكلمة. على سبيل المثال، في الجمل الإنجليزية، The dog runs‘ و ‘The dogs run‘، فإن صيغ الكلمتين ‘runs’ و ‘dogs’، قد أضيفت لهما اللاحقة -s’ وهي تميزهما عن الصيغ الأساسية dog’ و ‘run’. إن إضافة هذه اللاحقة إلى جذر اسمي يعطي صيغ الجمع، وإضافتها إلى الجذور الفعلية تفرض أن يكون الفاعل مفرد غائب. بعض النظريات المورفولوجية تعمل مع لاحقتين مختلفتين، تسمى مغيرات (allomorphs) للوحدات الصرفية (morphemes) للجمع و المفرد الغائب، على التوالي. تختلف اللغات فيما يتعلق بهيكلها الصرفي (أو المورفولوجي). فمن ناحية، قد نميز بين اللغات التحليلية (analytic languages) التي يوجد بها عدد قليل أو لا توجد بها لواحق أو عمليات مورفولوجية أخرى وبين اللغات التأليفية (synthetic languages) التي يوجد بها العديد من اللواحق. ومن ناحية أخرى، قد نميز بين اللغات المتراصة (agglutinative languages)، حيث تعبر كل لاحقة عن خاصية نحوية واحدة، ويتم إضافتها بدقة واحدة تلو الأخرى، وبين اللغات التكتلية (fusional languages)، التي يوجد بها عمليات مورفولوجية غير متسلسلة (الدواخل، الابدال، وغيرها) و / أو بحدود أقل وضوحا بين اللواحق.

 

4. علم بناء الجمل (Syntax)

علم بناء الجمل هو دراسة بنية اللغة والتسلسل الهرمي للجمل مصور بنسق شجرة الإعراب، وهو يهتم بالعلاقة بين الوحدات على مستوى الكلمات أو الصرف. يسعى علم كيب الجمل إلى تحديد جميع الجمل فقط التي تشكل لغة معينة، باستخدام حدس الناطق الأصلي للغة. يسعى علم بناء الجمل إلى الوصف الرسمي للطريقة التي تسهم بها العلاقات الهيكلية بين عناصر الجملة (العناصر المعجمية / الكلمات والدوال) في تفسيرها. يستخدم علم بناء الجمل مبادئ المنطق الرسمي ونظرية المجموعة لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقة الهرمية بين العناصر في الجملة وتمثيلها بدقة. وغالبًا ما تُستخدم أشجار قواعد تجريدية لتوضيح التراكيب الهرمية المفترضة. وهكذا، في الجمل التقريرية النشطة في اللغة الإنجليزية، يتبع الفاعل الفعل الرئيسي الذي يتبعه المفعول (فاعل، فعل، مفعول). هذا الترتيب للعناصر ضروري لتفسيرها الصحيح، وهذا هو بالضبط ما يحاول علماء بناء الجمل فهمه. وهم يجادلون بأنه يجب أن يكون هناك مكون حاسوبي رسمي موجود داخل القدرة اللغوية للناطقين العاديين للغة، ولذلك فهم يسعون لوصفها.

إن علم بناء الجملة هو دراسة المبادئ والقواعد لبناء العبارات والجمل في اللغات الطبيعية. وبالإضافة إلى الإشارة إلى الانضباط الشامل ، فإن مصطلح ‘syntax’ يستخدم أيضًا للإشارة مباشرة إلى القواعد والمبادئ التي تحكم بنية الجملة لأي لغة فردية. يُستخدم المصطلح ‘syntax’ أيضًا للإشارة إلى القواعد التي تحكم سلوك الأنظمة الرياضية، مثل اللغات الرسمية المستخدمة في المنطق.

يحاول البحث الحديث في بناء الجمل وصف اللغات من حيث هذه القواعد. يحاول العديد من المحترفين في هذا التخصص إيجاد قواعد عامة تنطبق على جميع اللغات الطبيعية.

 

5. علم الدلالة (Semantics)

علم الدلالة هو دراسة المغزى، أي المعاني الجوهرية للكلمات والعبارات. يهتم الكثير من العمل في مجال فلسفة اللغة بالعلاقة بين المعاني والعالم ، وهذا الاهتمام يتقاطع مع علم الدلالة الرسمي بعدة طرق. على سبيل المثال، يستفيد كلاً من فلاسفة اللغة وعلماء الدلالة من المنطق الافتراضي والمسند والمعياري للتعبير عن أفكارهم حول معنى الكلمة، وهو ما أطلق عليه فريج (Frege) ‘الحس’.

علم الدلالة هو دراسة المعنى. ويركز على العلاقة بين الدلالات، مثل الكلمات والعبارات والعلامات والرموز، وما تمثله، مدلولاتها. يدرس علم الدلالة اللغوي المعنى الذي يستخدمه البشر للتعبير عن أنفسهم من خلال اللغة. وتشمل الأشكال الأخرى لعلم الدلالة علم دلالة لغات البرمجة، والمنطق الرسمي، والسيميائية.

تشير كلمة ‘semantics’ نفسها إلى مجموعة من الأفكار، تمتد من الشائعة إلى التقنية العالية. وغالبًا ما يتم استخدامها في اللغة العادية للدلالة على مشكلة في الفهم تكمن في اختيار الكلمات أو الدلالة. لقد كانت مشكلة الفهم هذه موضوع العديد من الدراسات الرسمية، على مدى فترة زمنية طويلة، وعلى الأخص في مجال علم الدلالة الرسمي. وفي علم اللغة، فهو دراسة تفسير العلامات أو الرموز كما يستخدمها الفاعلين أو المجتمعات في ظروف وسياقات معينة. وضمن هذا المنظور، فإن الأصوات وتعبيرات الوجه ولغة الجسد والإحداثيات لها محتوى دلالي (ذو مغزى)، ولكل منها فروع دراسة عدة. في اللغة المكتوبة، فإن أشياء مثل بنية الفقرة، وعلامات الترقيم تتضمن محتوى دلالي؛ وفي أشكال أخرى من اللغة، هناك محتوى دلالي آخر.

تتقاطع الدراسة الرسمية لعلم الدلالة مع العديد من مجالات البحث الأخرى، بما في ذلك علم المعاجم، وعلم بناء الجمل، والبراغماتية، وعلم الأصول وغيرها. وعلى الرغم من أن علم الدلالة هو حقل محدد جيدا في حد ذاته، وغالبا ما تكون له خصائص تأليفية. ففي فلسفة اللغة، يرتبط علم الدلالة والاشارة ارتباطا وثيقا. وتشمل المجالات ذات الصلة فقه اللغة (philology)، والاتصالات، والسيميائية. وبالتالي، فإن الدراسة الرسمية لعلم الدلالة معقدة.

تتناقض علم الدلالة مع علم بناء الجمل الذي يهتم بدراسة دمج وحدات اللغة (بدون الإشارة إلى معانيها)، والبراغماتية (pragmatics) التي تهتم بدراسة العلاقات بين رموز اللغة، ومعانيها، ومستخدمي اللغة.

وبالمفردات العلمية الدولية يسمى علم الدلالة أيضا علم تطور دلالات الألفاظ (semasiology). وفي علم اللغة، يعتبر علم الدلالة هو الحقل الفرعي المخصص لدراسة المعنى، كما هو متأصل في مستويات الكلمات والعبارات والجمل والوحدات الأكبر من الخطاب (يُشار إليها بالنصوص). المجال الأساسي للدراسة هو معنى العلامات، ودراسة العلاقات بين الوحدات اللغوية المختلفة كالترادف، والتضاد، وتعدد المعاني، والجناس، والمجاز، والكناية، والمركبات اللغوية وغيرها. أحد الاهتمامات الرئيسية هو كيفية ربط المعنى بقطع أكبر من النص، ربما كنتيجة لتكوينه من وحدات معنى أصغر. تقليديا، اشتمل علم الدلالة على دراسة المعنى والمرجعية المعنوية، وظروف الحقيقة، وبنية الحجج، والأدوار المواضيعية، وتحليل الخطاب، والربط بين كل هذه الأمور وبناء الجمل.

[1] دراسة وحدة الكلام الصغرى التي تميز نطق لفظة عن نطق لفظة أخرى في لغة أو لهجة ما.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

علم اللغة الحاسوبي

علم اللغة الحاسوبي (Computational linguistics)

مقدمة يمثل علم اللغة الحاسوبي نقطة التقاء التقنية واللغة الطبيعية. يمكن لعالم علم اللغة الحاسوبي …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.