الرئيسية / علم اللغة / علم اللغة التطبيقي

علم اللغة التطبيقي

ماهية علم اللغة التطبيقي (applied linguistics)؟

عندما تُخبر شخصا ما بأنك عالم لغة تطبيقي، فسينظر إليك بحيرة. وإذا توسعت في التوضيح وأشرت إلى “أن هذا له علاقة بعلم اللغة”، فسيبدو مرتبكا رغم ذلك. وعندما تعلمه بأن اللغويات هي علم اللغة؟ فسيتعجب ويعتقد أنك تتحدث الكثير من اللغات؟ وبعد إجابتك له بالنفي، وإخباره أنك تتكلم العربية فقط، فسيسألك عن الذي تقوم به فعلا؟ وبإخباره أنك تنظر في كيفية اكتساب الناس اللغات، وكيف يمكننا أن نعلّم اللغات بشكل أفضل، يبزغ في النهاية  بصيص  نور ويخبرك عن تجربته السيئة أثناء دراسته الانجليزية في المدرسة.

المشكلة هي أن علماء علم اللغة التطبيقي أنفسهم ليس لديهم فكرة واضحة جدا حول مكونات التخصص. وهم يجادلون حول ما إذا كان له بالضرورة أي علاقة بتدريس اللغة أو علم اللغة، وما إذا كان يتضمن الوصف الفعلي للغة. كل هذه الآراء الموجودة بين علماء علم اللغة التطبيقي تنعكس في برامج الدراسات العليا المتاحة في الجامعات تحت عنوان علم اللغة التطبيقي (اللغويات التطبيقية).

إن رؤية علم اللغة التطبيقي حول تعليم اللغة توازي تعليم اللغة الإنجليزية للناطقين بلغات أخرى أو تعليم الإنجليزية كلغة أجنبية، من خلال النظر في سبل تحسين تدريس اللغة، ودعمها بدراسة أكثر صرامة للغة. الدافع هو أن التدريس الأفضل سيكون مبنيا على فهم أفضل للغة. ولكن تعليم اللغة نفسها في الجامعات ليس ذات قيمة عالية، وغالبا ما تقوم به هيئة معاونة، لأنه لا يصلح بسهولة لهذا النوع من المنشورات البحثية التي تعتمد عليها المهن الجامعية الآن.

الارتباط الوثيق بعلم اللغة هو أيضا في غاية الأهمية. ففي أقصى احدى الطرفين، يحتاج المرء إلى أحدث الأفكار الساخنة من معهد ماساشوستس لأن المعلومات حول علم اللغة يجب أن تكون حديثة. كما إن النظريات اللغوية تتغير بسرعة كبيرة، حيث يكتشف الطلاب الجامعيين أن مواد سنتهم الدراسية الأولى قد أصبحت قديمة بحلول سنة التخرج النهائية. والامر متروك للمستخدمين النهائيين في كيفية الاستخدام العملي للأفكار، وليس علماء علم اللغة التطبيقي.

وهذا يثير مسألة ما إذا كان تخصصات أخرى لا تقل أهمية عن علم اللغة التطبيقي. يدخل علم النفس في العديد من الدورات، وكذلك التعليم، ولا سيما الأفكار حول الاختبار وحول تعلم اللغة. وبالنسبة لبعض علماء علم اللغة التطبيقي فإن التخصص يعتمد على أي حقل لديه أي شيء يقوله حول تدريس اللغة أو تعلم اللغة. وبالنسبة للآخرين، فإن علم اللغة هو المصدر الوحيد للأفكار. وقد تمت الاشارة إلى هذا في وقت ما بمسألة “اللغويات التطبيقية المستقلة ‘، وهل هي تخصص مستقل بذاته أو أحد الأقارب المتواضعة لعلم اللغة؟

وبالنسبة للبعض، فإن علم اللغة التطبيقي هو تطبيق علم اللغة النظري (اللسانيات النظرية) على البيانات الفعلية. ومن ثم فإن بناء المعاجم أو جمع “مجاميع” الملايين من الكلمات من اللغة الإنجليزية يعتبر من اللغويات التطبيقية، وكذلك أوصاف الشبكات الاجتماعية أو الفروق بين الجنسين (ولكن عادة ليست وصفا لقواعد اللغة). لقد بدى في الماضي أن علم اللغة التطبيقي لا حدود له، حيث شمل دراسة اكتساب اللغة الأولى وعلم اللغة الحاسوبي (computational linguistics). الآن نادرا ما يحضر العديد من الذين يسمون أنفسهم علماء لغة تطبيقيين مؤتمرات المنظمات العامة مثل الجمعية البريطانية لعلم اللغة التطبيقي (British Association of Applied Linguistics)، ولكنهم يذهبون إلى المؤتمرات المتخصصة أكثر مثل الرابطة الأوروبية لاكتساب اللغة الثانية (European Second Language Association)، أو جمعية تطوير المواد التعليمية (Materials Development Association).

ومع ذلك، فقد أصبح علم اللغة التطبيقي، بالنسبة للكثيرين، مرادفا لاكتساب اللغة الثانية (على الرغم من أنه لم يتم ربطه باكتساب اللغة الأولى). وقد نمى البحث في  اكتساب اللغة الثانية نموا هائلا على مدى العقود الماضية. وهو يدخل في جميع المناقشات المذكورة أعلاه. ويهتم بعض الناس باكتساب اللغة في الفصول الدراسية بسبب الآثار المترتبة على التدريس؛ ويبنون في الغالب على النماذج النفسية للغة ومعالجة اللغة، وعلى النماذج الاجتماعية للتفاعل والهوية. كما يهتم آخرين باكتساب اللغة الثانية في البيئات الطبيعية. ومن بعد آخر، يمكن أن يُنظر إلى اكتساب اللغة الثانية كتوفير بيانات لاختبار النظريات اللغوية بدلا من زيادة معرفتنا باكتساب اللغة الثانية نفسه؛ ولذلك فهم يشبهون علماء اللغة الذين يستخدمون بيانات اكتساب اللغة الثانية أكثر مما يشبهون الباحثين في اكتساب اللغة الثانية في حد ذاته. وعلى البعد الثالث، فإن العالم اللغوي هو أكثر أو أقل انقساما بين أولئك الذين ينظرون إلى اللغة كمجموعة من الأشياء التي يقولها الناس وأولئك الذين ينظرون إليها كمعرفة في أذهان الناس. يقوم بعض الباحثين في اكتساب اللغة الثانية بتحليل مجاميع كبيرة من كلام المتعلمين أو مقالاتهم، ويختبر آخرون أفكارهم بأدنى حد من البيانات. ولا يقبل أيا من الطرفين فعلا أن الآخر لديه وجهة نظر صالحة.

إذن، فعلم اللغة يعني أشياء كثيرة لكثير من الناس. إن اكتشاف ما يدور حوله كتاب أو دورة في علم اللغة التطبيقي ينطوي على قراءة الحروف الصغيرة المطبوعة لاكتشاف توجهه. وسيشعر أولئك الذين لهم اهتمام بالنظرية اللغوية بالإحباط عندما يُمطرون بطرق وتقنيات التدريس. أما أولئك الذين يرغبون في التعامل مع كميات كبيرة من البيانات المنطوقة أو المكتوبة سيشعرون بخيبة أمل عند رؤيتهم أمثلة من جمل فردية أو تجربة واحدة. وبالطبع فإن الكثير من الناس يجدون بهجة غير متوقعة. فكما بين فيفيان كوك فإن أحد طلابه الذين سجلوا في برنامج دراسات عليا لكتابة مواد تعليم الإنجليزية كلغة أجنبية انتهى به الأمر بأطروحة دكتوراه وكتاب عن نظرية القابلية للتعلم. هذا لا يعني أنه لا ينبغي على معظم طلاب الدراسات العليا المحتملين أن ينظروا بعناية شديدة، على سبيل المثال، عند فحص عناوين الوحدات التي تشكل فعليا مخطط الدرجة، قبل أن يختاروا موضوع معين.

 

تعريفات علم اللغة التطبيقي

ليس من السهل إيجاد تعريف لعلم اللغة التطبيقي، ربما لأن ، كما يعلق فيفيان كوك (Cook, 2006)، علم اللغة التطبيقي يعني أشياء كثيرة للكثير من الناس. لقد تم شجب هذا الافتقار إلى اليقين من قبل أولئك الذين يمارسون علم اللغة التطبيقي، ولكن يمكن إيجاد عدم التوافق في المجالات الأكاديمية الأخرى ، لا سيما في العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية ، حيث التشظي منتشر، الذي يعمل أحيانا كهروب من الاختلافات والجدليات المعرفية المترسخة المتعلقة بالجدل حول طبيعة المجال. كما أن لعلم اللغة التطبيقي مشكلة تعريفية أخرى ، لأنه إذا كانت طبيعة المجال موضع خلاف، فما هو التوافق الذي يمكن الوصول إليه حول ما الذي يتم تطبيقه؟ هل هو وسيط بين النظرية والتطبيق (Kaplan and Widdowson, 1992: 76)؛ توليف للبحوث من مجموعة متنوعة من التخصصات، بما في ذلك علم اللغة (Hudson, 1999)؛ هل “يقتضي ضمنا علم اللغة … لأن المرء لا يمكنه تطبيق ما لا يعرفه” (Corder, 1973: 7) ؛ أم “يُفهم على أنه حقل مفتوح، يُظهر فيه أهله أو الذين يمرون به ببساطة التزامًا مشتركًا بالقيمة المحتملة للحوار مع أشخاص مختلفين” (Rampton, 1997: 14). وبتناول ما يعتبره البعض موقفًا متطرفًا، فإن “علم اللغة التطبيقي النقدي … يفتح مجموعة جديدة تمامًا من الأسئلة والاهتمامات، مثل قضايا الهوية ، الجنس ، الوصول ، الأخلاق ، التباين ، الاختلاف ، الرغبة، أو إعادة إنتاج الآخر التي لم تعتبر حتى الآن من اهتمامات علم اللغة التطبيقي (Pennycook, 2004: 803–4).

ما تحاول معظم المقدمات والمجموعات القيام به هو استخدام اهتمامات ونشاطات علم اللغة التطبيقي من أجل توضيح ثم تحليل طرق وأهداف علم اللغة التطبيقي (انظر على سبيل المثال van Els et al., 1984; Davies et al., 1999; Spolsky, 1999; Schmitt, 2002; Cook, 2003; Davies and Elder, 2004; Sealey and Carter, 2004; Kaplan and Baldauf, 2005). هذا هو النهج من خلال تعريف جلي: إذا أردت أن تعرف عن علم اللغة التطبيقي ، انظر حولك. يمكن العثور على نسخ متطرفة من هذا المنهج عند رامبتون (Rampton, 1997)، وهي مقررات للدراسات العليا تعمل كقائمة انتقائية، وحتى المناظرات المضادة لبينيكوك (Pennycook, 2004). المشكلة في مثل هذه الآراء هي أنها لا تقدم أي مساعدة في وضع مناهج تمهيدية لعلم اللغة التطبيقي للمبتدئين، وهي تفتقر إلى الوضوح فيما يتعلق بكيفية اتخاذ قرار بشأن نجاح هؤلاء المبتدئين لإثبات وجوب قبولهم في المهنة. يدافع سبولسكي (Spolsky, 2005: 36) عن وجهة النظر الجلية بالقول:

يمكن استكشاف تعريف حقل ما بشكل معقول من خلال النظر إلى المهنيين المشاركين في دراسته … يغطي مصطلح علم اللغة التطبيقي [الآن] مجموعة كبيرة من التخصصات شبه المستقلة، وكل قسم يقسم أصله وولاءاته بين الدراسة الرسمية للغة والمجالات الأخرى ذات الصلة، وكل منها يعمل على تطوير منهجياته ومبادئه الخاصة.

روبرت كابلان (Robert Kaplan)، المحرر المؤسس للمراجعة السنوية لعلم اللغة التطبيقي (Annual Review of Applied Linguistics)، الذي قضى مسيرته المهنية في الدفاع عن علم اللغة التطبيقي ونشر دليلا له (Kaplan, 2005)، وكان مهتما بمكانة علم اللغة التطبيقي، مقتنع بأن ما يقدمه الحقل لم يكن دائمًا مفهوما أو قيما. لقد كانت هذه طريقة للتأمل في طبيعة علم اللغة التطبيقي.

يتم رفض التعريفات الجلية من قبل أولئك الذين يجادلون بضرورة وجود تعريف معجمي، والذين يؤكدون أن هناك، في الواقع ، جوهر لعلم اللغة التطبيقي ينبغي أن يكون مطلوب من كل أولئك الذين يحاولون المرور. على سبيل المثال ، يجادل ويدوسون (Widdowson) بقوة بتماسك علم اللغة التطبيقي، ويعتبرا الرأي السائد بأن علم اللغة التطبيقي هو لغوي، وتجمع لاختصاصات مختلفة بطريقة خاصة، غير منطقي(Widdowson, 2005). يتفق كوك (Cook, 2003: 20) مع ويدوسون حيث يبين أن “مهمة علم اللغة التطبيقي هي التوسط بين اللغويات واستخدام اللغة.

يعرّف جاي كوك (Guy Cook) علم اللغة التطبيقي بأنه “التخصص الأكاديمي الذي يهتم بعلاقة المعرفة عن اللغة بصنع القرار في العالم الحقيقي” (المرجع السابق، ص 5). وهو يقر بأن نطاق علم اللغة التطبيقي لا يزال غامضاً إلى حد ما، ولكنه يحاول تحديد مجالات اهتمامه الرئيسية على أنها تتكون من اللغة والتعليم؛ اللغة والعمل والقانون؛ ومعلومات اللغة وتأثيرها (المرجع نفسه ، ص7 – 8). هذا النوع من التحديد مفيد، حتى لو بقى محل نقاش. ما هو مهم هو أن علم اللغة التطبيقي محمي من السخرية التي تقول بما أن اللغة في كل مكان، فإن علم اللغة التطبيقي هو علم كل شيء. لقد حاول ديفيز وإلدر (Davies and Elder, 2004) في المساهمات المضمنة في دليل علم اللغة التطبيقي (Handbook of Applied Linguistics)، توفير تغطية واسعة، تتراوح بين الاهتمام إلى حد كبير باللغة نفسها (على سبيل المثال ، وصف اللغة ، تأليف المعاجم) إلى الاهتمام بالتدخلات في استخدام اللغة المؤسساتية (على سبيل المثال، المحافظة على اللغة، تعليم معلمي اللغة). كما حاولوا في عرضهم للدليل، تقديم ​​مخططً إجمالي، موافقين على أنه في حين أنه من المحتمل أن يكون هناك ميل من النظري إلى العملي، فإن خطتهم الأولية لمقارنة تطبيق علم اللغة مع علم اللغة التطبيقي (Davies and Elder, 2004) لم تكن معقولة.

عادةً ما تستخدم صناعة المعاجم النهج الجلي بمعنى أن الإدراج في القاموس يوفر تحديدًا متزايدًا للمجال. هذا هو الحال بشكل خاص مع قواميس المصطلحات أو الموسوعية التي تصف المصطلحات الرئيسية في مجال الاهتمام (على سبيل المثال السياسة، علم الأحياء، علم اللغة التطبيقي) ومن خلال القيام بذلك فهي تقوم بتعريفه. هذا ما حاول ديفيز ((Davies, 2005a)) القيام به في مسرد مصطلحات علم اللغة التطبيقي (Glossary of Applied Linguistics)، الذي يقدم سردًا للحقل ، ولكنه بالطبع يعاني من ضعف كونه يمثل وجهة نظر شخص واحد فقط.

 

 

تاريخ علم اللغة التطبيقي

يشير مصطلح علم اللغة التطبيقي إلى مجموعة واسعة من الأنشطة التي تنطوي على حل بعض المشاكل المتعلقة باللغة أو معالجة بعض المسائل المتعلقة باللغة. يبدو أنه أول ما تم التعرّف على علم اللغة التطبيقي رسميا، على الأقل في أمريكا الشمالية، اعتبر مسار مستقل في جامعة ميشيغان في عام 1946. في تلك الأيام الأولى، كان يستخدم هذا المصطلح في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للإشارة إلى تطبيق ما يسمى “المنهج العلمي” في تدريس اللغات الأجنبية، بما في ذلك اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها. لقد ساعد العمل الأولي لتحسين جودة تعليم اللغة الأجنبية الذي قام به الأستاذين تشارلز فرايز (Charles Fries) من جامعة ميشيغان وروبرت لادو (Robert Lado) من جامعة ميشيغان، ثم جامعة جورج تاون، على تطوير تعريف للحقل، مثلما فعل نشر مجلة جديدة عام 1948 تحت عنوان “تعلم اللغات: مجلة فصلية لعلم اللغة التطبيقي” (Language Learning: A Quarterly Journal of Applied Linguistics).

في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، اُستخدم هذا المصطلح على نطاق واسع تدريجيا ليشمل ما كان يشار إليه باسم “الترجمة الآلية”. في عام 1964 بعد عامين من العمل التحضيري الممول من مجلس أوروبا، تأسست الرابطة الدولية لعلم اللغة التطبيقي (التي يُشار إليها عادة بالاسم المختصر الفرنسي  AILA)، وعقدت مؤتمرها الدولي الأول في نانسي، فرنسا. وتم جمع الأوراق للمؤتمر في شقين مختلفين: تدريس اللغة الأجنبية والترجمة الآلية.

وعلى مدى السنوات الفاصلة، واصلت بؤر الاهتمام في توسيع النطاق. اليوم، يصف المجلس الحاكم للرابطة الدولية لعلم اللغة التطبيقي علم اللغة التطبيقي بأنه وسيلة للمساعدة في حل مشاكل محددة في المجتمع؛ ويركز علم اللغة التطبيقي على مجالات عديدة ومعقدة في المجتمع تلعب فيها اللغة دور.  ويبدو أن هناك إجماع على أن الهدف هو تطبيق النتائج والتقنيات من البحوث في علم اللغة والتخصصات ذات العلاقة لحل المشاكل العملية. وبالنسبة للمراقب، فقد كان التغيير الأبرز في علم اللغة التطبيقي هو نموها السريع كحقل متعدد التخصصات. فبالإضافة إلى تدريس اللغات الأجنبية والترجمة الآلية، هناك مجموعة جزئية من المواضيع تعتبر محورية في مجال علم اللغة التطبيقي اليوم، حيث تشمل مواضيع مثل اللغة لأغراض خاصة (مثل اللغة ومشاكل الاتصالات المتعلقة بالطيران، واضطرابات اللغة، والقانون، الطب، والعلوم)، السياسة اللغوية والتخطيط، وقضايا اللغة ومحو الأمية. على سبيل المثال، بعد اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة عمل لجميع اتصالات الطيران الدولي من قبل منظمة الطيران المدني الدولية، اهتم بعض علماء اللغة التطبيقيين بفهم أنواع المشاكل اللغوية التي تحدث عند يتواصل الطيارين  ومهندسي الطيران من خلفيات مختلفة ل فيما بينهم باستخدام لغة ليست لغتهم الأصلية، وكيفية تدريبهم بشكل أفضل على التواصل باللغة الإنجليزية بفعالية أكثر.

يهتم بعض علماء اللغة التطبيقيين بمساعدة المخططين والمشرعين في البلدان على وضع وتنفيذ سياسة لغوية. على سبيل المثال يعمل المخططين في جنوب أفريقيا لتحديد ومواصلة تطوير الأدوار في التعليم والحكومة ليس فقط للغة الإنكليزية واللغة الأفريقانية، ولكن أيضا لتسع لغات أخرى يتحدث بها السكان الأصليين. ويهتم آخرين بمساعدة مجموعات تطوير حروف الكتابة، والمواد، وبرامج محو الأمية للغات غير المكتوبة سابقا. على سبيل المثال بالنسبة لكثير من لغات السكان الأصليين التي يزيد عددها عن  850 لغة في  بابوا غينيا الجديدة).

ومن ضن المواضيع الأخرى التي يهتم بها علماء اللغة التطبيقيين تطوير البرامج الأكثر فعالية الممكنة لمساعدة القادمين البالغين الجدد إلى الولايات المتحدة أو دول أخرى، حيث أن الكثير منهم تعليمه السابق محدود إن لم نقل معدوم، وتطوير معرفة القراءة والكتابة في اللغات التي سيحتاجونها للبقاء وفي الأغراض المهنية. كما يتهم علماء اللغة التطبيقيين حاليا بالقضية الواسعة للدور الأمثل للغة الأم في تعليم الطلاب المختلفين ثقافيا ولغويا، ولغة الإقناع والسياسة، وتطوير أدوات وبرامج فعالة للترجمة الفورية والترجمة المكتوبة، واختبار وتقييم اللغة.

ويعتقد أن أول كلية لعلم اللغة التطبيقي في المملكة المتحدة قد افتتحت في عام 1957 في جامعة ادنبره حيث كان رئيسها إيان كاتفورد (Ian Catford). وقد تم تأسيس أول منظمة تعليمية غير ربحية في الولايات المتحدة، وهي مركز علم اللغة التطبيقي (Center for Applied Linguistics)، في عام 1959 حيث كان أول مدير له تشارلز فيرجسون (Charles Ferguson). ولازالت مهمة مركز علم اللغة التطبيقي تتمثل في تعزيز دراسة اللغة ومساعدة الناس في تحقيق الأهداف التعليمية والمهنية، والاجتماعية من خلال التواصل الأكثر فعالية. تقوم المنظمة بمهمتها من خلال جمع ونشر المعلومات عبر مختلف دور المقاصة التي تديرها عن طريق إجراء البحوث العملية، ومن خلال تطوير مواد عملية وتدريب الأفراد مثل المدرسين والإداريين، أو غيرهم من المتخصصين في الموارد البشرية لاستخدامها في الحد من الحواجز التي يمكن أن تشكلها الإجادة المحدودة للغة عند الأفراد  المختلفين ثقافيا ولغويا أثناء سعيهم للمشاركة الكاملة والفعالة في الفرص التعليمية أو المهنية.

 

المصدر والهدف

تتمثل علامة الاستفهام العاجلة ضد علم اللغة التطبيقي في ما هو مصدره، ما الذي يتم تطبيقه بالضبط؟ إذا كان تفسير علم اللغة التطبيقي ضيقًا جدًا بحيث أن ما يتم تطبيقه هو علم اللغة فقط ، فعندئذ لأن علم اللغة ، كغيره من التخصصات النظرية الأخرى، يتعامل مع المثاليات، يبدو أنه ليس لديه ما يقدمه إلا القليل جدًا عن المشاكل المتعلقة باللغة في ما نسميه العالم الواقعي. إذا تم تفسير علم اللغة التطبيقي بتوسع، فيجب عليه أن يهتم بكل شيء يتعلق باللغة. كلا الموقفين غير معقول. يبدو أن علم اللغة يلعب دوراً مهماً في علم اللغة التطبيقي، ولكنه ليس بالدور الوحيد. يجب على علم اللغة التطبيقي أيضًا أن يستمد معلوماته من علم النفس، وعلم الاجتماع، والتعليم، ونظرية القياس، وهلم جرا.

وربما قد نحصل على صورة أوضح لطبيعة علم اللغة التطبيقي إذا حولنا انتباهنا عن المصدر (ما يعتمد عليه علم اللغة التطبيقي) إلى الهدف (ما يؤهلنا علم اللغة التطبيقي للقيام به). ومن الواضح أنه لا يمكن للهدف أن يكون أي شيء وكل شيء يتعلق باللغة. لقد كان حل كوردر (Corder, 1973) هو التركيز على تدريس اللغة، وتفسيره على نطاق واسع، وبالتالي، فإنه يشمل، على سبيل المثال، علاج النطق، والترجمة والتخطيط اللغوي. لا يزال هذا التضييق للهدف منطقيًا اليوم، ولذلك نجد أن معظم المدخلات في مسرد علم اللغة التطبيقي (Davies, 2005a) مرتبطة بشكل ما بتدريس اللغة.

وفي اعتقادي أنه لا يزال من الصحيح القول بأن العديد من أولئك الذين يدرسون علم اللغة التطبيقي كانوا وسيظلون يؤثرون على مستوى معين في تدريس اللغة، فهو، بعد كل شيء، أكبر مهنة تشملها دراسات اللغة. هذا لا يعني ، بمجرد أن يكون مدرس اللغة واحدًا دائمًا، فإن بعض، ربما كثيرًا، من أولئك الذين يتعاملون مع علم اللغة التطبيقي ينتقلون إلى البحث والإدارة وما إلى ذلك.

ما يعنيه ذلك هو أنه في الوقت الذي نقبل فيه تعريف برومفيت (Brumfit 1997b: 93) العملي لعلم اللغة التطبيقي الذي يعتبره تحقيق نظري وتجريبي لمشاكل العالم الحقيقي الذي تشكل فيه اللغة قضية مركزية، فإننا نتجنب خطر موقف “علم كل شيء” من خلال استهداف تدريس اللغة، وفي نفس الوقت إدراك أن عالم تعلّم وتعليم اللغة ليس عالماً اصطناعياً ولكنه عالم يجب أن ينخرط يومياً في مشاكل العالم الحقيقية. وتشمل مشكلات العالم الحقيقي هذه النجاح، والفشل، والقدرة والعجز، والقضايا الأخلاقية، والثقافية، والجنسانية، والتقنية ونقص الموارد، والصعوبة والبساطة، والأطفال والكبار.

 

تعلم اللغة

إن إصدار مجلة تعلم اللغة: مجلة علم اللغة التطبيقي (Language Learning: A Journal of Applied Linguistics) في جامعة ميشيغان، يعتبر حدث مهم لتطوير علم اللغة التطبيقي على مدى الستين سنة الماضية (Catford, 1998). في افتتاحيتها عام 1993، قدمت المجلة اعترافًا متأخرًا بمدى التغطية الذي يتعدى علم اللغة الذي احتضنته دورية علم اللغة التطبيقي. هذا الاعتراف مهم. انطلاقا من تقاليد تشارلز فرايس (Charles Fries) وروبرت لادو (Robert Lado) في جامعة ميشيغان ، تأسست دورية تعلم اللغة في عام 1948، وكانت أول مجلة في العالم تحمل مصطلح “علم اللغة التطبيقي” في عنوانها (Language Learning 1967:1). ولكن المقصود بعلم اللغة التطبيقي هو تطبيق علم اللغة.

يبدو أن المجلة قد قبلت أخيرا في التسعينات نظرة شاملة أكثر. يشير محررو عام 1993 إلى “مجموعة واسعة من نظريات الأساسية ومنهجيات البحث المستخدمة الآن لدراسة قضايا اللغة” (Cumming, 1993) ويذكرون أنهم ينوون:

تشجيع تقديم المزيد من المخطوطات من (أ) التخصصات المتنوعة ، بما في ذلك تطبيقات الطرق والنظريات من اللغويات، علم اللغة النفسي، العلوم المعرفية، الاثنوغرافيا، علم الأعراق، علم اللغة الاجتماعي، علم الاجتماع، السيميائية، الاستقصاء التعليمي والدراسات الثقافية أو التاريخية، ومعالجة ( ب) القضايا الأساسية في تعلم اللغة، مثل التعددية اللغوية، اكتساب اللغة، تعليم اللغات الثانية والأجنبية، محو الأمية، الثقافة، المعرفة، البراجماتية والعلاقات بين المجموعات.

ومع ذلك ، فإن الاعتراف الرسمي بمجموعة واسعة من نظريات الأساس ومنهجيات البحث المستخدمة الآن لدراسة قضايا اللغة له تكلفته. هذه التكلفة هي التخلي عن مصطلح “علم اللغة التطبيقي” كعنوان فرعي في عنوان المجلة. التفسير لهذه الإزالة هو أن العنوان البديل، “تعلم اللغة: ‘مجلة أبحاث في دراسات اللغة ” (Language Learning: A Journal of Research in Language Studies)، يُنظر إليه الآن على أنه أوسع. إن ما يعنيه المحرر  بتغيير العنوان هو إعلان تفسيره لماهية علم اللغة التطبيقي، مع علمه تمامًا بأن قراء المجلة سيفهمون ‘مجلة أبحاث في دراسات اللغة’ كتفسير وظيفي لعلم اللغة التطبيقي.

لقد تم مناقشة الاستغناء عن مصطلح “علم اللغة التطبيقي” على نطاق واسع ، على أساس أنه كان المصطلح الخطأ في المقام الأول، وقد تم تقديمه فقط لمنح الاحترام الأكاديمي للشهائد والدورات والأقسام. لقد كان هذا هو الرأي الذي اتخذه مؤلفو النص الرئيسي في الستينات (Halliday, McIntosh and Strevens, 1964). لقد أدركوا غرابة التسمية “علم اللغة التطبيقي” ولكنهم كانوا مستعدين للعيش معها. لقد رأوا أن التسمية كانت مضللة. وكان الاسم مضللاً لأنه (في وقتها) استبعد العديد من أنشطة علم اللغة (على سبيل المثال، الترجمة الآلية، علم اللغة الاجتماعي) بالإضافة إلى الأنشطة التي كان لها تأثير على تدريس اللغة (على سبيل المثال، علم النفس، النظرية التربوية). وقد بينوا أن “الهدف من الدورات في علم اللغة التطبيقي، مثل المتاحة الآن، على سبيل المثال في ادنبره، ليدز ولندن، ليس لتخريج المتخصصين في علم اللغة والصوتيات … ولكن لإعطاء أساس متين في تلك الجوانب من هذه الموضوعات وغيرها التي تكمن وراء درس اللغة ” (المرجع السابق: 169).

ونتيجة لذلك، لم يتم استخدام الاسم “علم اللغة التطبيقي” في عنوان كتابهم: علوم اللغويات وتعليم اللغة.

 

تقييد نطاق علم اللغة التطبيقي

لم يكن لدورة إدنبره في علم اللغة التطبيقي ‘The Edinburgh Course in Applied Linguistics ‘ (Allen and Corder, 1973–5; Allen and Davies, 1977) عنوان فرعي يحمل عبارة “في تدريس اللغة”. كان من المسلم به في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أن علم اللغة التطبيقي كان عن تدريس اللغة. كانت تلك وجهة نظر كوردر (Corder, 1973)، وقد كانت مهمة آنذاك. لقد كانت مهمة لأن التوسع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في تدريس اللغة (خاصة اللغة الإنجليزية) كشف أن العديد من المعلمين والمدربين والمشرفين على المعلمين يفتقرون إلى المعرفة باللغة. هذه الفجوة هي ما كان على علم اللغة التطبيقي ملئها. على مدى السنوات الخمسين اتي تلت، أصبح من الأرجح أن أولئك الذين يدخلون إلى التدريس قد درسوا بالفعل جوانب علم اللغة. لم يعودوا بحاجة إلى معرفة ما بعد الخبرة في اللغة. أصبح علم اللغة سائدا، وكان ذلك نجاحا. في نفس الوقت كان علم اللغة التطبيقي ناجحًا أيضًا. وقد لوحظ تفانيه في تدريس اللغة في مجالات أخرى من استخدام اللغة، وخاصة استخدام اللغة المؤسسية (Howatt, 1984)، مما أدى إلى انفجار التدريب في علم اللغة التطبيقي، وعلم المناهج، وربما فوق كل شيء، التسمية في المجالات الأخرى. وهكذا، في العدد السنوي من نشرة رابطة علم اللغة الاسترالية (يناير 2001: رقم 44) ، نقرأ عن التطورات التي حدثت خلال العشرين سنة الماضية والتي “تعتمد على مجموعة أكبر من التخصصات في أبحاثنا” (Lewis, 2001: 19) حيث “يحاول علم اللغة التطبيقي حل مشاكل اللغة التي يواجهها الناس في العالم الواقعي” (Grabe, 2001: 25). “إن اللغويات التطبيقية … خضعت لتوسيع كبير في نطاقها وتساهم الآن برؤاها النظرية في مجموعة من المجالات” (Baynham, 2001: 26).

وبطبيعة الحال، إذا تم الاتفاق بشكل عام على مصدر علم اللغة التطبيقي (التدريب، مناهج الطلاب للمبتدئين)، فلا يوجد سبب من حيث المبدأ لماذا لا ينبغي أن يهتم علم اللغة التطبيقي بأي شيء متعلق باللغة. ولا شك أن هذا هو الموقف الذي اتخذه ناشر مثل موتون دي جرويتر (Mouton de Gruyter) من خلال تخصيص كتيب مكون من خمسة وأربعين صفحة لقائمة علم اللغة التطبيقي الخاصة به. ويضم علم اللغة التطبيقي، وفقًا لهذه المجموعة، ما يلي: اكتساب اللغة (الأولى والثانية)، علم اللغة النفسي / العصبي، تدريس اللغات، علم اللغة الاجتماعي ، دراسات الفكاهة (Humor Studies)، البرجماتية (Pragmatics)، تحليل الخطاب / البلاغة (Discourse Analysis/ Rhetorics)، معالجة النصوص والترجمة (Text Processing/ Translation)، علم اللغة الحاسوبي (Computational Linguistics)، الترجمة الآلية (Machine Translation)، علم لغة مجموعات الوثائق (Corpus Linguistics)، التحكم في اللغة (Language Control)، دراسة اللهجات (Dialectology).

 

سلسلة إدنبرا لكتب علم اللغة ومناهج علم اللغة التطبيقي

لقد أدرك كوردر (Corder, 1973) جيدا أن الحد من تغطية علم اللغة التطبيقي لتدريس اللغة كان مفتوحًا للنقد. وقد كان دفاعه إلى حد ما صورة مرآة لتغير دورية تعلم اللغة لاسمها. كان الأساس المنطقي هناك هو أن المدخلات كانت غير محددة للغاية، وبالتالي كان من المنطقي إزالة تسمية علم اللغة التطبيقي. يجادل كوردر أنها المخرجات أو الهدف هو الذي بدون شكل وبالتالي من المنطقي أن نحدد مجال الاهتمام بشيء رئيسي واحد، وهو تعليم اللغة.

اقترح سبولسكي (Spolsky, 1978) حلاً مختلفًا، ألا وهو تحديد اسم المخرجات بمجال اهتمام كوردر وتسميته “علم اللغة التعليمي” (educational linguistics)، وهو اقتراح وضعه موضع التنفيذ في موسوعته الموجزة لعلم اللغة التعليمي (Spolsky, 1999).

هناك أصوات تصر على أن علم اللغة التطبيقي يجب أن يؤدي دورًا أوسع من تدريس اللغة (على سبيل المثال ، Kaplan, 1980a). هناك جاذبية مغرية في مثل هذا الرأي، وهو نداء ينزلق بسهولة إلى موقف علم في كل شيء. ويبدو أن بلومفيلد (M. Bloomfield, 1975: xviii) قد أشار لهذا:

يركز هذا المجلد، إذن، على المشكلات الإنسانية للغة ويحاول تحديد بعضها، ولذلك فهو يبين ما يجري بشأنها. أدى صعود الوعي العرقي والتشدد وكذلك عدم الرضا العام عن “طريقة ماهية الأشياء” إلى ضغوط جديدة على ما يمكن أن يطلق عليه علم اللغة التطبيقي، وأصبحت مشاكل اللهجة الاجتماعية … مشاكل القراءة والكتابة، والترجمة، وثنائية اللغة، وتعليم اللغة، اللغة والقومية، ودور اللهجات، الخ، ملحة وبدأ بعض أفضل عقولنا في الاتجاه نحو هذه الأمور.

إن ما يقترحه بلومفيلد لا يختلف عما اقترحه الآخرون (على سبيل المثال برومفيت)، لكن حجم المسؤولية التي يضعها على علم اللغة التطبيقي يجعل النطاق المتواضع الذي اقترحته كوردر جذابًا جدا.

إن المدى الذي ينظر به علماء اللغة التطبيقيون لأنفسهم كعوامل تغيير مثير للجدل (Pennycook, 2001; Davies, 2003b; Sealey and Carter, 2004). وكما تذكرنا المخاوف الحالية من أخلاقيات العلوم الإنسانية، هناك توتر بالنسبة لعلماء الاجتماع بين دورهم كدارسين موضوعيين للمجتمع وكعوامل للتغيير. وقد لوحظت هذه المعارضة في الستينيات في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية. وتعليقاً على هذا المجال ، كتبت مارغريت ميد (Mead, 1964: 33) قائلة:

هناك بعض الاختلاف في الوقت الحاضر بين (أ) أولئك الذين يعتبرون علم الإنسان التطبيقي كمهنة يجب أن يكون فيها علماء الأنثروبولوجيا، بالإضافة إلى تعليمهم النظري في بعض فروع الأنثروبولوجيا، مدربين تدريباً خاصاً تسود فيه المعايير المهنية؛ و(ب) أولئك الذين يحددون الأنثروبولوجيا التطبيقية بشكل من أشكال البحث الأنثروبولوجي الذي إما بشكل مستمر أو في وقت ما يصبح جزءا من ويؤثر في عملية التغيير التي يدرسها. لا بد من التأكيد على أن أي من المنظورين يتضمن البحث عن قيم متجذرة في علم الأنثروبولوجيا، والتي يمكن أن توجه عالم الأنثروبولوجيا التطبيقية في أي استخدام لمعرفته في أي مستوى من التفاعل في الشؤون الإنسانية.

وكلما ازداد انخراط الباحث في الشؤون الإنسانية، كلما ازدادت الصعوبة، كما تجادل ميد، لمقاومة البديل الثاني، مما يعني أن الموضوعية العلمية لم تعد ممكنة (Skutnabb-Kangas, Phillipson and Bannut, 1994; Searle, 1995). ومثل علم الإنسان الثقافي التطبيقي، شعر علم اللغة التطبيقي أيضًا بالجهد الخاص والحافز لتصنيفه موضوعيا.

المسرد ، بكل قيوده، هو أحد طرق تعريف المجال. الطريقة الأخرى هي مسح المجلدات التي اتبعت الطبعة الأولى من هذه المقدمة إلى علم اللغة التطبيقي في سلسلة إدنبرا لكتب علم اللغة التطبيقي. فمنذ عام 1999، عندما تم نشر السلسلة الأولى، ظهرت ثمانية مجلدات نذكرها هنا حسب تاريخ النشر:

  1. تدريس الأدب في لغة ثانية

Teaching Literature in a Second Language (Brian Parkinson and Helen Reid Thomas, 2000

  1. تقييم وتصميم المواد لتدريس اللغة

Materials Evaluation and Design for Language Teaching (Ian McGrath) 2002

  1. المنعطف الاجتماعي في اكتساب اللغة الثانية

The Social Turn in Second Language Acquisition (David Block) 2003

  1. تقييم اللغة وتقييم البرامج

Language Assessment and Programme Evaluation (Brian Lynch) 2003

  1. علم اللغة ولغة الترجمة

Linguistics and the Language of Translation (Kirsten Malmkjaer) 2005

  1. الأساليب البراغماتية

Pragmatic Stylistics (Elizabeth Black) 2006

  1. تخطيط اللغات والتعليم

Language Planning and Education (Gibson Ferguson) 2006

  1. اللغة والسياسة

Language and Politics (John Joseph) 2006

كانت الفكرة في جميع مراحل السلسلة هي أنه ينبغي على المؤلف أن يستكشف مجال مشكلة في استخدام اللغة، حيث يمكن لعلم اللغة التطبيقي اتخاذ موقف مستنير من خلال فهم اللغة المعنية والسياق، وتفسيره على نطاق واسع. بالإضافة إلى ذلك، فقد حاول المؤلفون ربط الاختصاصات كطريقة لفحص فرضيتهم بأن هناك مجالًا عامًا لعلم اللغة التطبيقي، وهو ليس مجرد مجموعة من الاهتمامات غير المترابطة. دعونا ننظر بإيجاز في المجلدات الثمانية. في مقدمة تعليم الأدب في لغة ثانية ، بين المؤلفان (Parkinson and Reid Thomas, 2000: ix) أنه “على الرغم من أن الكتاب يحتوي على أفكار عملية، فإن التركيز ينصب على المبادئ بدلاً من التركيز على وصفات معينة أو دروس نموذجية، والهدف هو تنوير اختيار المعلم بدلاً من الترويج لطريقة معينة”.

وفي كتابه تقييم وتصميم المواد لتدريس اللغة ، يجادل مكجراث (McGrath, 2002: 1) بما يلي:

إن أولئك الذين يتحملون مسؤولية تطوير وإدارة برامج تعلم اللغة سواء في الأوساط التعليمية أو في أماكن العمل، سوف يحتاجون إلى القليل من الاقناع بأن تقييم المواد وتصميمها، إلى جانب تصميم المناهج الدراسية وتقييم المتعلمين ودراسة عمليات الفصول الدراسية تعتبر ذات أهمية مركزية في أنشطة علم اللغة التطبيقي.

وفي كتابه “المنعطف الاجتماعي في اكتساب اللغة الثانية” يبدأ بلوك (Block, 2003: 1) في “استكشاف المدى الذي يمكن لباحثي اكتساب اللغة الثانية أن يعتمدوا به منهجًا متعدد التخصصات أكثر ومستنيرًا اجتماعيًا لأبحاثهم [آخذا] التلميحات من النقاش الحديث حول حاضر ومستقبل علم اللغة التطبيقي”.

أما غرض لينش (Lynch, 2003: vii) من كتابه “تقييم اللغة وتقييم البرامج” فهو “تقديم مجموعة من النماذج، ووجهات النظر، والتصاميم، والأغراض، والأساليب، والتحليلات وطرق الصلاحية والأخلاقيات التي عادة ما تعرف تقييم اللغة وتقييم البرنامج”.

ويقول مالمكجاير (Malmkjaer, 2005: ix) في كتابه “علم اللغة ولغة الترجمة” أن “الكتاب موجه لطلاب الترجمة واللغات وعلم اللغة الذين يرغبون في تعزيز فهمهم للعلاقات بين دراسات الترجمة وعلم اللغة، وهو عن كيفية تطبيق علم اللغة لخلق ووصف للترجمة والنقد البناء لها”.

يحاول بلاك (Black, 2006: 1) أن يظهر في كتابه “الأساليب البراغماتية” أنه:

يمكن أن يقدم علم اللغة التطبيقي مساهمة في دراسة الأدب … الطرق التي نترجم بها استخدام اللغة العادي تعتبر ملائمة للطرق التي نترجم بها الخطاب الأدبي، الذي هو فقط لغة العصر، مكتوبة من قبل أشخاص أكثر مهارة في التلاعب بفروقها الدقيقة أكثر من معظمنا. ولكن سأحاول أن نوضح أننا نتبع نفس الإجراءات تقريبا سواء كنا نستمع إلى صديق أو نقرأ صحيفة أو نقرأ عملاً أدبياً.

أما فيرغسون (Ferguson, 2006: ix) فيجادل في كتابه “تخطيط اللغات والتعليم” بأن كتابه:

تم تناوله من وجهة نظر علم اللغة التطبيقي، مما يعني أن الاهتمامات التعليمية وعلاقات التخطيط اللغوي بالتعليم تظهر بشكل بارز … ويُعتبر التخطيط اللغوي / السياسة اللغوية حقل متعدد التخصصات بنطاق واسع جدًا، جغرافيًا ومفاهيميا.

ويبين جوزيف (Joseph, 2006: ix) في كتابه “اللغة والسياسة”، أن:

في العقد الأخير ، تخلى علم  اللغة التطبيقي عن النظرة البنيوية للغة كنظام محيد قائم بذاته، لصالح مفهوم للغة كسياسية من أعلى إلى أسفل. يدرس هذا الكتاب عواقب هذا التحول المفاهيمي، حيث يجمع بين الموضوعات الرئيسية بما في ذلك اختيار اللغة، الصواب اللغوي، الرقابة (الذاتية) وخطاب الكراهية، أداء الهوية العرقية والوطنية في اللغة، السياسة الجنسانية واللغة القوية، الخطاب والدعاية ، وتغيير مفاهيم اللغة المكتوبة، مدفوعا جزئيا بالتقدم التكنولوجي.

إن التنشئة الاجتماعية لكل من الطفل والراشدين تعتبر عملية تثاقف. وبالنسبة للطفل  تعني الدخول في لغة وثقافة المجموعة، وللراشدين تعني إدخال مسؤوليات كونه بالغًا في مجتمعه. تشارك الجهات الفاعلة المستقلة في مختلف المجالات، ومن أهمها العمل. يتكون الكثير من عملية الاحتراف من التثاقف في المعرفة والمهارات المشتركة للمهنة التي يدخلها المبادر. هذه هي حالة علم اللغة التطبيقي ويمكن إسجاد إشارة للمتطلبات من المبتدئ في المناهج الدراسية للمؤسسات التي تقدم المؤهلات في علم اللغة التطبيقي. ما تظهره هذه البرامج (شملت العينة المؤسسات في أوروبا، الولايات المتحدة، استراليا، وآسيا) هو درجة من التشابه[1]. تتطلب جميع المؤسسات في مناهجها الدراسية الأساسية مادة التحليل اللغوي، وأكثر من نصفها إلى طرق البحث وعلم اللغة الاجتماعي، وأقل من نصفها بقليل إلى اكتساب اللغة الثانية وعلم اللغة النفسي. وتراوحت الخيارات المعروضة، والتي يتوقع من الطلاب أن يأخذوا منها واحد أو اثنين أو ثلاثة، على نطاق واسع للغاية، من الإحصاء إلى الترجمة. ولكن في جميع الحالات، كان هناك خيار أساسي واحد أو خيار واحد في كل مؤسسة يحمل مصطلح “التدريس” في عنوانه (تعليم الإنجليزية لمتحدثي اللغات الأخرى، تعليم المعلم، إلخ).

الحقول التطبيقية

الشك الذي يقلق علم اللغة التطبيقي حول دوره وعدم اليقين بشأن وضعه، بالاضافة إلى علاقته المتوترة مع علم اللغة (النظري أو العام)، قد يبدو مزعجا على نحو فريد لعلماء اللغة التطبيقيين، ولكنه شائعا بين التخصصات التطبيقية. ليس هناك شك في افتقاره للمكانة. فحتى فائدة التخصصات التطبيقية مشكك فيها. وكما أكد العالم الشهير هوكسلي (T. H. Huxley) أمام لجنة كاوبر عام 1892 أن “العمل الأساسي للجامعات هو مع المعرفة الخالصة والفن الخالص، مستقلا عن جميع تطبيقات الممارسة؛ ومع التقدم في الثقافة وليس مع الزيادة في الثروة (Bibby, 1956: 377).

يبدو أن التخصصات التطبيقية لا تزال تكافح للحصول على مكانة أكاديمية. ونرى ذلك في مجموعة من التخصصات التطبيقية، على سبيل المثال، الرياضيات، والفيزياء، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والهندسة، والأنثروبولوجيا. وفي كل حالة يتم اللجوء لبعض المعايير للتمييز بين البحت والتطبيقي. في الرياضيات هو الإثبات. فالرياضيات البحتة، وفقا لأولئك الذين يمارسونها، هي ما يتم إثباته. وتتميز الفيزياء التطبيقية بالاستخدام التقني أو العملي. ويتعلق علم الاجتماع التطبيقي بعالم العمل خارج الأوساط الأكاديمية. وتتطلب الهندسة التطبيقية مدخلات من مجموعة من التخصصات خارج الهندسة. وكذلك الأنثروبولوجيا التطبيقية التي تُعرف بأنها توضيح للمشاكل العملية في مجالات كالصحة العامة، والطب السريري، والطب النفسي (Barnard and Spencer, 1996: 359). وكما يخبرنا بارنارد وسبنسر، فإن جذورها  ترجع إلى “العمل نيابة عن الإدارات الاستعمارية ولكنها الآن راسخة في سياقات متنوعة مثل وكالات التنمية، التثقيف الصحي والعمل الاجتماعي، وكذلك العمل لصالح شركات القطاع الخاص” (المرجع السابق: 595-6).

إذن، فكل من الهندسة التطبيقية والأنثروبولوجيا التطبيقية ، تكوّن حالة تخصصها التطبيقي من حيث الهدف. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الأهداف التطبيقية المتنوعة لها تأثير على التدريب والتعليم المُعطى، ولكن يبدو من المعقول أن نفترض أنه لا يوجد تمييز، وبالتأكيد ليس على المستوى الجامعي. المصدر، وهو التدريب المُقدم، هو نفسه. وحيث يوجد تمييز، فإنه على مستوى الدراسات العليا. يتبع التدريب والتعليم الجامعي العام مجموعة من التخصصات. وهذا يفترض أن الاختصاصات المختلفة يمكن أن تعتمد جميعها بالتساوي على نفس الإعداد. وإلى حد ما، فإن هذا يفسر انتشار برامج درجة الماجستير بالتدريس لمدة عام في الجامعات البريطانية، والتي يمكن أن توفر مجموعة متنوعة من المدخلات المتخصصة (بما في ذلك في علم اللغة التطبيقي).

بدأت علم اللغة التطبيقي الحياة في الخمسينيات كمؤهل للدراسات العليا. وكان هدفه الأولي، وهو تعليم اللغة إلى حد كبير، دائمًا عمليًا وموجّهًا نحو السياسة. كان إعداده على مستوى الدراسات العليا متعدد التخصصات، وكما هو الحال في الرياضيات، هناك توتر مستمر بين علم اللغة البحث (النظري، العام) وعلم اللغة التطبيقي. لا يتوقع أن تُدعم استنتاجاته يقينا (وليس من الواضح ما إذا كان علم اللغة النظري أو أي علم اجتماعي آخر يتوقع ذلك أيضًا). وبالنسبة لعلم اللغة التطبيقي، لا توجد حقيقة مطلقة. فقد توجد حلول محلية مؤقتة لمشاكل مثل كيفية تقييم الكفاءة اللغوية، وما هو السن الأمثل لبدء تعلم لغة ثانية، وما يميز الناطقين الأصليين وغير الأصليين، وكيف يمكننا علاج فقدان الذاكرة، ولكن المشاكل تتكرر. ولا شك، أيضا، في أنه يمكننا قول الشيء نفسه عن علم اللغة النظري. فعلى سبيل المثال، ما إذا كانت جميع القواعد النحوية هي في الأساس قواعد نحو واحد، وما هي العلاقة بين الدال والمدلول، تعتبر الإجابات جزئية، وليست نهائية، وتظل المشاكل قائمة.

بالنسبة للتخصصات التطبيقية الأخرى التي ذكرناها، فيبدو أن أولئك الذين يرغبون في الحصول على نتيجة تطبيقية يتوقع منهم عادة أن يكونوا قد تخرجوا من البرنامج الجامعي العام. وهذا لا يمكن توقعه في علم اللغة التطبيقي لسببين. أولا ، لأنه على الرغم من توافر البرامج الجامعية في علم اللغة العام أو النظري (أو في الغالب علم اللغة فقط)، من الطبيعي أن يُقبل الطلاب في برنامج دراسات عليا في علم اللغة التطبيقي بدون هذا التدريب. الشهادة مطلوبة ولكن غالباً ما تكون هناك مرونة فيما يتعلق بمجال دراستها. السبب الثاني، والذي ربما يؤثر على الأول، هو تمركز عام اللغة التطبيقي على اللغة الإنجليزية وتعليم اللغة الإنجليزية. سيظل غالبية المشاركين في دورة علم اللغة التطبيقي لديهم خبرة مباشرة في تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية (TEFL)، وهذا يعني أن الطلاب، سواء كانوا متحدثين أصليين للغة الإنجليزية أو لا، يجلبون إلى برنامج شهادتهم في علم اللغة التطبيقي وعيهم وفهمهم للغة الإنجليزية وبراعتهم فيها. قد يتم التخفيف هذه الأيام من الإصرار على الخبرة العملية السابقة في تعليم اللغة في حالة أن الطالب لديه خبرة أخرى ذات صلة في مجال الصحافة، والنشر، والترجمة، وما إلى ذلك. ولكن في معظم الحالات، لا تزال الخبرة في تدريس اللغة الإنجليزية أو لغة أخرى أو كلاهما هي المعيار.

 

 

علم اللغة التطبيقي النقي

لا يمكن المبالغة في تأثير اللغة الإنجليزية على تطوير علم اللغة التطبيقي (Phillipson, 1992). وقد لعبت اللغة اللاتينية نفس الدور في الجامعات القديمة. فمن أجل تطوير قوة عمل متعلمة، والتي كانت اللغة اللاتينية (الإنجليزية الآن) هي لغتها المشتركة، كان التدريب على التراكيب اللاتينية والمنطق، والخطاب، والترجمة أمرًا ضروريًا. ومن ثم التركيز على القواعد في الفنون الحرة الثلاثة (النحو والبلاغة والمنطق). هل يجب أن نعتبر هذا النوع من الاهتمام شكلاً من أشكال علم اللغة التطبيقي؟ هل من الممكن أن يكون الأمر أكثر دقة باعتبارها كمقدمة لعلم اللغة؟

إذا تم قبول ذلك، فيمكننا توسيع نطاق الجدلية، أولاً من خلال اقتراح أن التحقيقات (والتدريس) تدفعها دائماً الضرورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتي تطلبت في العصور الوسطى توفير طبقة مهنية متعلمة من رجال الدين والمحامين. قد نقترح أن هذه الحتمية هي التي تقود التفكّر (البحث الخالص) وليس العكس. ويتبع ذلك أن التخصصات التطبيقية تتطور من أجل توفير التدريب اللازم في المهن التقنية والمهنية الناشئة حديثًا.

هذا يشير مرة أخرى إلى أن العلاقة بين علم اللغة النظري وعلم اللغة التطبيقي يجب أن تضع علم اللغة التطبيقي في موضع القطب. ويمكن بعدها النظر إلى علم اللغة التطبيقي كدافع، يتبعه علم اللغة لإيجاد اجابات للأسئلة العملية التي يطرحها علم اللغة التطبيقي، محاولا الإجابة عنها، وبذلك يتم توسيع نطاق تغطيته. فمثلا، اكتساب اللغة الثانية، هو الآن مترسخ في علم اللغة النظري، ولكنه في حد ذاته هو في الأصل دراسة عملية جدا لتحليل الخطأ (error analysis) في مجال تريس اللغة الانجليزية كلغة أجنبية؛ أو تحليل الخطاب النقدي (critical discourse analysis) ومجالات أخرى من علم الأسلوب أو اللغة لأغراض خاصة، والمنسوبة الآن لدراسة أوسع في علم اللغة الاجتماعي؛ أو الترجمة التي تعتبر مسعي عملي جدي، والتي بدأ علم اللغة المقارن يستوعبها الآن.

وبالطبع، هناك اختلافات مهمة ومستمرة بين علم اللغة العام أو النظري وعلم اللغة التطبيقي، ويمكن تلخيصها من خلال:

  • الفوري والبعيد، حيث يعني علم اللغة التطبيقي بالأول.
  • الحاجة إلى التوسع إلى تخصصات أخرى بسبب إشراك عوامل خارج نطاق اللغة. من الواضح أن علم اللغة التطبيقي متعدد العوامل، حيث إنه بالإضافة إلى علم اللغة، فهو يعتمد على تخصصات أخرى، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتعليم، والسياسة، وهلم جرا. ومن المفارقات، كما اتضح في الفترة الأخيرة، أن علم اللغة يحتاج إلى أن يفعل نفس الشيء ولا يستطيع عزل نفسه عن الاستخدامات اليومية للغة.

 

 

فروع علم اللغة التطبيقي الرئيسية

إن علم اللغة التطبيقي مجال متعدد التخصصات من اللغويات يحدد ، ويبحث، ويقدم حلول لمشاكل الحياة الواقعية المتعلقة باللغة. وتشمل بعض المجالات الأكاديمية ذات الصلة بعلم اللغة التطبيقي التعليم، علم النفس، أبحاث التواصل، وعلم الإنسان، وعلم الاجتماع.

يعتبر علم اللغة التطبيقي مجال متعدد التخصصات من حقل علم اللغة. وتشمل فروعه الرئيسية ثنائية اللغة (Bilingualism) وتعددها (Multilingualism)، وتحليل المحادثة (Conversation Analysis)، واللغويات المقارنة (Contrastive Linguistics) ، وعلم لغة الإشارات (Sign Linguistics)، وتقييم اللغة (Language Assessment)، ومعرفة القراءة والكتابة، وتحليل الخطاب (Discourse Analysis)، وعلم أصول تدريس اللغة (Language Pedagogy)، واكتساب اللغة الثانية، والتخطيط والسياسة اللغوية (Language Planning and Policy)، وعلم الأسلوب (Stylistics)، والبراغماتية (Pragmatics)، وعلم اللغة الشرعي أو القضائي (Forensic linguistics)،  والترجمة. وفيما يلي بيان موجز لما تنطوي عليه بعض هذه المجالات الفرعية لعلم اللغة التطبيقي:

  • تعدد اللغات (multilingualism). يمكن أن يشير تعدد اللغات إلى واقعة استخدام الفرد لغتين (ثنائية اللغة bilingualism) أو أكثر، أو مجموعة من المتحدثين يستخدمون لغتين أو أكثر، أو بين المتحدثين بلغات مختلفة.
  • التواصل بوساطة الحاسوب (Computer-Mediated Communication). ويمكن تعريف هذا المصطلح على نطاق واسع بأنه أي شكل من أشكال التفاعل البشري عبر اثنين أو أكثر من أجهزة الحاسوب المتصلة بالشبكة. في حين أن المصطلح قد يشير عادة لتلك الاتصالات التي تحدث عبر صيغ بوساطة حاسوبية (أي، الرسائل الفورية، والبريد الإلكتروني، وغرف الدردشة)، إلا أنه تم تطبيقه على أشكال أخرى من التفاعل القائم على النص مثل الرسائل النصية (Thurlow, Lengel, & Tomic,2004). يركز البحث في مجال التواصل بوساطة الحاسوب بشكل كبير على الآثار الاجتماعية للتقنيات الاتصال المختلفة المدعومة بالحاسوب. وتشمل العديد من الدراسات الحديثة الشبكات الاجتماعية الموجودة على شبكة الإنترنت والمدعومة بالبرمجيات الاجتماعية.
  • تحليل المحادثة (Conversation analysis). وهو دراسة الحديث في التفاعل. يحاول تحليل المحادثة عموما وصف الانتظام، والتركيب والأنماط المتتابعة للتفاعل، وما إذا كان هذا مؤسسي (في المدرسة، عيادة الطبيب أو المحكمة أو في مكان آخر) أو محادثة غير رسمية. وبالتالي، استخدام مصطلح “محادثة” لتسمية هذه الحركة العلمية مضلل إذا ما تم قرائته بالمعنى الدارج، كما يفعل الكثيرين. في ضوء ذلك، حدد أحد الممارسين الرئيسيين لتحليل المحادثة، ايمانويل سكيجلوف (Emanuel Schegloff)، في الآونة الأخيرة “الكلام في التفاعل” (talk-in-interaction) كموضوع لتحليل المحادثة. ربما لهذا السبب نفسه، يعتبر البعض الآخر (على سبيل المثال، Jonathan Potter) الذين يستخدمون أساليب تحليل المحادثة أنفسهم بمحللي الخطاب (discourse analysts)، على الرغم من أن هذا المصطلح استخدم لأول مرة لتمييز الباحثون الذين يستخدمون طرق مختلفة من تحليل المحادثة (على سبيل المثال، Levinson, 1983) ، ولا يزال يحدد مجموعة من العلماء أكبر من أولئك الذين يستخدمون أساليب تحليل المحادثة فقط.

لقد تم استيحائه من علم منهج الأعراق، الذي تم تطويره في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من قبل عالم الاجتماع هارفي ساكس (Harvey Sacks)، ومن بين آخرين، رفاقه المقربين ايمانويل سكيجلوف (Emanuel Schegloff) وغيل جيفرسون (Gail Jefferson). توفي ساكس في بداية مسيرته، ولكن تم الدفاع عن عمله من قبل الآخرين في حقله، حيث أصبح تحليل المحادثة الآن قوة متأسسة في علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم اللغة، والاتصال الكلامي، وعلم النفس. وهو مؤثر بشكل خاص في اللغويات الاجتماعية التفاعلية، وتحليل الخطاب، وعلم النفس الاستطرادي، فضلا عن كونه تخصص متماسك في حد ذاته. وفي الآونة الأخيرة استخدمت تقنيات تحليل المحادثة للتحليل المتسلسل من قبل علماء الصوتيات لاستكشاف التفاصيل اللفظية للكلام.

  • تحليل الخطاب (Discourse analysis)، أو دراسات الخطاب، وهو مصطلح عام لعدد من المناهج لتحليل استخدام اللغة المكتوبة، المنطوقة أو لغة الاشارة.

ويتم تعريف مواضيع تحليل الخطاب (الخطاب، والكتابة، والحديث، والمحادثة، الحدث التواصلي، وما إلى ذلك) من حيث التسلسل المتماسك للجمل والافكار، وأفعال الكلام أو التبديل أثناء الحديث. وخلافا للكثير من اللسانيات التقليدية، لا يقوم محللي الخطاب فقط بدراسة استعمال اللغة ما وراء حدود الجملة، ولكنهم يفضلون أيضا تحليل استخدام اللغة الذي يحدث طبيعيا، وليس الأمثلة المصطنعة.

وقد استخدم تحليل الخطاب في مجموعة متنوعة من التخصصات في العلوم الاجتماعية، بما في ذلك اللغويات، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس المعرفي وعلم النفس الاجتماعي، ودراسات الاتصال في العلاقات الدولية، ودراسات الترجمة، وكل منها يخضع للافتراضات، وأبعاد التحليل، والمنهجيات الخاصة به.

  • علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics) أو اللغويات الاجتماعية، وهو دراسة تأثير أي جانب أو جميع جوانب المجتمع، بما في ذلك المعايير الثقافية، والتوقعات، والسياق على الطريقة التي يتم بها استخدام اللغة. وتتداخل اللغويات الاجتماعية بدرجة كبيرة مع البراغماتية.

ويدرس علم اللغة الاجتماعي أيضا كيفية اختلاف اللهجات بين المجموعات المفصولة بمتغيرات اجتماعية معينة، على سبيل المثال، العرق، والدين، والوضع، والجنس، ومستوى التعليم، وما إلى ذلك، وكيف يستخدم خلق هذه القواعد والتمسك بها لتصنيف الأفراد في الطبقات الاجتماعية أو الطبقات الاجتماعية الاقتصادية. وبما أن استخدام اللغة يختلف من مكان إلى آخر (لهجات)، فإن استخدام اللغة يختلف بين الطبقات الاجتماعية، وهذه اللهجات الاجتماعية (sociolects)هي التي يدرسها علم اللغة الاجتماعي.

وقد تمت دراسة الجوانب الاجتماعية للغة بالمعنى الحديث أولا من قبل اللغويين الهنود واليابانيين في الثلاثينيات، وأيضا من قبل جاوتشات (Gauchat) في سويسرا أوائل القرن العشرين، ولكن لم يتلق أي منها اهتماما كبيرا في الغرب إلا بعد ذلك بكثير. أما دراسة الدافع الاجتماعي للتغيير اللغة، من ناحية أخرى، فيرجع تأسيسه في نموذج موجة أواخر القرن التاسع عشر. وأول ما ظهرت اللغويات الاجتماعية في الغرب الستينيات، وكان من رودها علماء لغة مثل ويليام لابوف (William Labov) في الولايات المتحدة وباسل بيرنشتاين (Basil Bernstein) في المملكة المتحدة.

  • اكتساب اللغة الثانية (Second language acquisition)، ويمثل العملية التي يتعلم بها الناس لغة ثانية بالإضافة إلى لغتهم الأم. يتم استخدام مصطلح اللغة الثانية لوصف اكتساب أي لغة بعد اكتساب اللغة الأم. وهناك أيضا بحث في أوجه التشابه والاختلاف مع اكتساب اللغة الثالثة. وغالبا ما يشار إلى اللغة التي يتم تعلمها بمصطلح “اللغة الهدف” (Target Language or L2)، بالمقارنة مع اللغة الأولى (L1). ويمكن استخدام الاختصار ” SLA” لاكتساب اللغة الثانية ، أو L2A””.

وقد أصبح مصطلح “اكتساب اللغة” شائع الاستخدام بعد مقارنته من قبل ستيفن كراشن (Stephen Krashen) مع التعلم الرسمي غير البنّاء . ومع ذلك، فقد أصبح مصطلح “اكتساب اللغة الثانية” أو “SLA” هو المفضل في هذا التخصص الأكاديمي.

على الرغم من النظر غالبا لاكتساب اللغة الثانية كجزء من علم اللغة التطبيقي، فإنه يهتم عادة بنظام اللغة وعمليات التعلم ذاتها، في حين يركز علم اللغة التطبيقي على تجارب المتعلم أكثر، وخاصة في الفصول الدراسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن اكتساب اللغة الثانية في معظمه قد درس الاكتساب الطبيعي، حيث يكتسب المتعلمين اللغة بتدريب أو تدريس رسمي قليل.

  • التقييم اللغوي (Language assessment ) أو اختبار اللغة (language testing )، وهو مجال دراسي تحت مظلة علم اللغة التطبيقي. وينصب تركيزه الرئيسي على تقييم اللغة الأولى أو الثانية أو أي لغة أخرى في سياق المدرسة أو الكلية أو الجامعة؛ تقييم استخدام اللغة في مكان العمل؛ وتقييم اللغة في سياقات الهجرة والمواطنة واللاجئين. قد يشمل التقييم الاستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة، والدمج بين اثنين أو أكثر من هذه المهارات، أو أشكال أخرى للقدرة اللغوية. يمكن وضع وزن متساوٍ على المعرفة (فهم كيفية عمل اللغة نظريًا) والطلاقة (القدرة على استخدام اللغة عمليًا) ، أو إعطاء وزنا أكثر لأحد الجوانب.
  • التخطيط اللغوي الذي يمثل الجهد المتعمد للتأثير على وظيفة، أو تركيب، أو اكتساب اللغات أو تنوع لغوي داخل مجتمع لغوي. وغالبا ما يرتبط ذلك بالتخطيط الحكومي، ولكنه يستخدم أيضا من قبل مجموعة متنوعة من المنظمات غير الحكومية ، مثل المنظمات الشعبية والأفراد. وتختلف أهداف هذا التخطيط. ويمكن للتواصل الأفضل من خلال استيعاب لغة واحدة مهيمنة أن يجلب منافع اقتصادية للأقليات ولكنه يُفهم أيضًا كتسهيل لهيمنتهم السياسية.
  • البراجماتية (Pragmatics)، وهي دراسة قدرة المتحدثين باللغة الطبيعية على توصيل أكثر من الذي يتم ذكره صراحة. ويطلق على القدرة على فهم المعنى المقصود لمتحدث آخر بالكفاءة البراجماتية (العملية). ويوصف الكلام الذي يصف وظيفة براغماتية  بمصطلح فوق براجماتي (metapragmatic). كما أن أن البراجماتية تتعامل مع الطرق التي نصل بها إلى هدفنا في التواصل. لنفترض شخصا أراد أن يطلب من شخص آخر التوقف عن التدخين. يمكن تحقيق ذلك باستخدام تعبيرات عدة. يمكن للشخص أن يقول ببساطة، “توقف عن التدخين، من فضلك!” وهذا مباشر وبمعنى دلالي واضح. وبدلا من ذلك، يمكن للشخص أن يقول: “يا للعجب، يمكن لهذه الغرفة أن تستخدم جهازا لتنقية الهواء” وهذا ينطوي على معنى مماثل ولكنه غير مباشر، وبالتالي يتطلب الاستدلال البراجماتي (العملي) لاستخلاص المعنى المقصود.

وتعتبر البراجماتية واحدا من الجوانب الأكثر تحديا التي يجب على متعلمي اللغة فهمها، وتعلمها حقا ممكن من خلال الخبرة فقط.

  • علم اللغة الشرعي أو القضائي (Forensic linguistics)، وهو الاسم الذي يطلق على عدد من التخصصات الفرعية في علم اللغة التطبيقي، ويتعلق بما بالأمور التي تشترك فيها اللغة والقانون والجريمة.  ويهتم علم اللغة الشرعي أو القضائي بتطبيق المعرفة والطرق والرؤى اللغوية في السياق الشرعي للقانون، واللغة، والتحقيق في الجرائم ، والمحاكمات ، والإجراءات القضائية.

وهناك بشكل أساسي ثلاثة مجالات تطبيق للغويين الذين يعملون في سياقات القانونية والشرعية:

  • فهم لغة القانون المكتوب.
  • فهم استخدام اللغة في العمليات الشرعية والقضائية.
  • توفير الأدلة اللغوية.

ويعتبر علم اللغة الشرعي أو القضائي تخصصا غير متجانساً، وهو يتضمن مجموعة من الخبراء والباحثين في مجالات مختلفة من الحقل.

  • الترجمة (Translation)، وهي القيام بتفسير معنى نص، يتبعه إنتاج لنص مكافئ له يسمى الترجمة، ويوصل نفس الرسالة في لغة أخرى. ويسمى النص المراد ترجمته بالنص المصدر (source text)، وتسمى اللغة التي سيترجم إليها باللغة الهدف (target language). ويطلق على المنتج النهائي أحيانا النص الهدف (target text).

يجب أن تأخذ الترجمة في اعتبارها القيود التي تشمل السياق، قواعد اللغتين، وأعراف كتاباتها، وتعابيرها الاصطلاحية. هناك اعتقاد خاطئ بأن هناك توافق بسيط “كلمة مقابل كلمة” بين أي لغتين، وأن الترجمة هي عملية ميكانيكية مباشرة. ولكن الترجمة كلمة مقابل كلمة لا تأخذ بعين الاعتبار السياق والنحو والاعراف، والتعابير الاصطلاحية.

إن فن الترجمة قديم قدم الأدب المكتوب. ولكن بظهور الحواسيب، بذلت محاولات لحوسبة أو ميكنة ترجمة نصوص اللغة الطبيعية (الترجمة الآلية) أو لاستخدام أجهزة الكمبيوتر كوسيلة مساعدة للترجمة (الترجمة بمساعدة الحاسوب).

 

 

خاتمة

لقد نظرنا في هذا الفصل في المحاولات الأخيرة لتعريف علم اللغة التطبيقي، مع التأكيد على أهمية طرق التعريف المتنوعة ومقارنة الافتقار إلى الوضوح حول علم اللغة التطبيقي مع التخصصات التطبيقية الأخرى. وفي نهاية الفصل قمنا بتقديم اقتراح غير تقليدي بأن جميع الدراسات اللغوية هي في الأساس علم اللغة التطبيقي، حيث يبحث علم اللغة التطبيقي عن المشكلات اللغوية ويعمل عليها، والتي يستجيب لها علم اللغة بمعالجتها مثاليا ثم تحليلها من حيث النظرية اللغوية الحالية. ثم اختتمنا القسم بعرض مبسط لفروع علم اللغة التطبيقي الرئيسية.

[1] Davies, A (2007). An Introduction to Applied Linguistics: From Theory to Practice. 2nd edition, Edinburgh University Press, Edinburgh.

تم تحديثه يوم 21/03/2018

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

معايير أطروحة الدكتوراه

أعراف أطروحة الدكتوراه في علم اللغة التطبيقي من منظور أوروبي وأمريكي

نبذة مختصرة تقدم هذه المقالة إرشادات حول كيفية كتابة أطروحة دكتوراه جيدة في اللغويات التطبيقية …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.