الرئيسية / البحث العلمي / طرق التحليل الكمي للبيانات النوعية : لماذا ومتى وكيف؟

طرق التحليل الكمي للبيانات النوعية : لماذا ومتى وكيف؟

مقدمة

الكثير من المعلومات التي يتم جمعها في العديد من الدراسات البحثية التي تنطوي على استخدام الأدوات التشاركية هي ذات طابع نوعي. يساهم البعض من هذا في الاجابة على أسئلة بحثية محددة، في حين توفر أجزاء أخرى فهم عام لمعيشة الشعوب والقيود المفروضة عليها. الهدف من هذه الورقة هو التركيز على الأول. تركز هذه الورقة على بعض طرق التحليل الكمي للبيانات النوعية . الهدف الرئيسي هو إظهار كيفية تحليل المعلومات النوعية التي تم جمعها لتوفير استنتاجات يمكن تطبيقها على نطاق أوسع في المجتمع المستهدف. إن أخذ العينات المناسبة يعتبر بالطبع ضروري لهذا الغرض، وسيُفترض في ما يلي أن مسألة أخذ العينات قد تمت معالجتها بصورة مرضية لكي تسمح بأن يكون تعميم النتائج من تحليل البيانات له مغزى.

 

سيكون معظم التركيز في هذه الورقة على تحليل البيانات التي يمكن وضعها في شكل رتب، ولكن سيتم النظر في بعض مناهج التحليل المناسبة لأنواع البيانات النوعية الأخرى أيضا. ستتم مناقشة المسائل العامة المتعلقة بالأسباب والتوقيت أولا، ولكن التركيز الرئيسي سيكون على القضايا المتعلقة بكيفية تحليل البيانات. ليس القصد تقديم تفاصيل القيام بأي إجراءات للتحليل الإحصائي، ولا لمناقشة كيفية تفسير المخرجات الناتجة عن تطبيق برمجيات الحاسوب الإحصائية. إن الهدف هو تسليط الضوء على أنواع قليلة من الأسئلة البحثية التي يمكن الاجابة عليها بناءا على المعلومات النوعية، ولمناقشة أنواع تنسيق البيانات التي يمكن أن تطبق عليها إجراءات تحليل البيانات المناسبة بسهولة، وتسليط الضوء على الكيفية التي  يمكن أن يستفاد منها في تحليل البيانات من خلال التعرف على بنية البيانات ولفت الانتباه الى مصادر الاختلاف ذات العلاقة.

 

 

لماذا نستخدم المناهج الكمية؟

يمكن أن تكون الطرق الكمية لتحليل البيانات ذات قيمة كبيرة للباحث الذي يحاول استنباط نتائج ذات دلالة من مجموعة كبيرة من البيانات النوعية. الجانب المفيد الرئيسي هو أنها توفر الوسيلة لفصل عدد كبير من العوامل المربكة التي غالبا ما تجعل النتائج النوعية الرئيسية غامضة. على سبيل المثال، عند إجراء دراسة هدفها الرئيسي هو النظر في دور منتجات الأشجار التي لا تشمل الخشب في استراتيجيات معيشة أصحاب المزارع الصغيرة، فإن المناقشات التشاركية مع عدد من مجموعات التركيز يمكن أن تقود إلى ثروة من المعلومات النوعية. لكن الطبيعة المعقدة للعلاقات المتداخلة بين بعض العوامل مثل تسويق المنتجات، البعد عن الطريق، والوصول إلى الأسواق، ونسبة الدخل الناتج من المبيعات، ومستوى مشاركة المرأة، وما إلى ذلك، يتطلب مستوى معين من القياس الكمي للبيانات وتحليلها بعد ذلك بالطرق الكمية. حالما يتم فصل مكونات هذه البيانات القابلة للقياس الكمي، فسيمكن عندها تركيز الاهتمام على الخصائص الفردية ذات الطبيعة الأكثر نوعية.

 

تسمح طرق التحليل الكمية أيضا بالإبلاغ عن ملخص النتائج بالأرقام بدرجة معينة من الثقة. فعلى سبيل المثال، النتيجة التي تقول أن 45٪ من الأسر تستخدم مصادر مياه شرب غير محمية، قد تتعزز بتوفير 95٪ من حدود الثقة للنسبة الحقيقية التي تستخدم المياه غير المحمية بأنها تتراوح ما بين 42٪ إلى 48٪.  من الممكن هنا أن نقول بثقة أكثر من 95٪ أن حوالي نصف الأسر لا تملك الوصول إلى  إمدادات مياه محمية، لأن فترة الثقة بالكامل واقعة أدنى من 50٪.

 

وبالمثل، العبارات المعبرة عن النتائج الأخرى التي تعني أن بعض الخصائص قد اختلفت بين مجموعتين أو أكثر، على سبيل المثال أن معدل وفيات الأطفال قد اختلفت بشكل كبير بين الأسر التي لديها وصول إلى عيادات الرعاية الصحية  المحلية وتلك التي ليس لديها وصول لها، يمكن أن تكون مصحوبة ببيان يعطي فرصة (احتمال) الخطأ (لنقل مثلا p=0.002) في هذا البيان، أي احتمال أن الاستنتاج غير صحيح.

 

وهكذا فإن استخدام الإجراءات الكمية في تحليل المعلومات النوعية يمكن أن يعطي مصداقية أكثر لنتائج البحوث من خلال توفير وسائل لقياس درجة الثقة في نتائج البحث.

 

 

متى تكون طرق التحليل الكمي للبيانات النوعية مفيدة؟

تعتبر طرق التحليل الكمي ذات معنى فقط عندما تكون هناك حاجة لتلخيص البيانات المتكررة كثيرا من عملية تشاركية، مثل مناقشات مجموعات التركيز التي تؤدي إلى تقويمات موسمية، ورسوم بيانية، الخ. وبدوره فإن تلخيص البيانات يعني أن بعض السمات المشتركة تظهر عبر هذا التكرار. ولذلك فإن قيمة التحليل الكمي تبرز عندما يكون من الممكن تحديد الميزات التي تحدث بشكل متكرر في العديد من المناقشات التشاركية التي تهدف إلى دراسة موضوع بحث معين. إذا كانت هناك عناصر مشتركة يمكن استخلاصها وترميزها لاحقا في فئات رئيسية قليلة، فعندها سيصبح من الأسهل دراسة الجوانب النوعية المهمة المتبقية.

 

على سبيل المثال، لنفترض أن  ما يهمنا هو معرفة تصورات الشعوب عما يعنيه الفقر لهم. من المرجح أن الروايات التي تنجم عن المناقشات عبر العديد من المجتمعات المحلية ستُظهر بعض الإجابات المتكررة كثيرا مثل المعاناة من فترات نقص الغذاء، وعدم القدرة على تزويد الأطفال بمستوى معقول من التعليم، وعدم امتلاك جهاز راديو، الخ. هذه المعلومات يمكن استخلاصها من الروايات وترميزها. توفر الطرق الكمية الفرصة لدراسة هذه المعلومات التي تم ترميزها أولا، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى المكونات النوعية المتبقية في البيانات بحيث يمكن مناقشتها بسهولة أكثر، ودون أي عوائق من المكونات الكمية.

 

تعتبر طرق التحليل الكمي للبيانات النوعية مفيدة بشكل خاص عندما تكون المعلومات النوعية قد جُمعت بطريقة منظمة، حتى ولو تم استخلاص المعلومات الفعلية من خلال طرق وأساليب المناقشات التشاركية. وكمثال على ذلك نستعرض دراسة مذكرات النشاط اليومي قام بها أبيسيكيرا ولاوسن (Abeyasekera and Lawson-McDowall, 2000) كجزء من أنشطة مشروع إدارة أنظمة الآفات الزراعية المتكامل في ملاوي. كان الهدف من هذه الدراسة هو تحديد كيفية قضاء أفراد الأسر وقتهم على مدار السنة. تم جمع المعلومات في دفاتر للممارسات في شكل نصية تم كتابتها من قبل أفراد متعلمين من مجموعة من العائلات، وتم ترميزها في وقت لاحق من قبل اثنين من مساعدي البحث من خلال قراءة العديد من اليوميات وتحديد مجموعة من الأنشطة المختلفة المعنية. تم تخصيص الرموز 1، 2، 3، 4، …  لكل نشاط.  تم جمع المعلومات في هذه الدراسة بطريقة منظمة، لأنه طلب من كاتبي اليوميات تسجيل الأنشطة اليومية لكل أفراد الأسرة عن طريق تقسيم اليوم إلى أربعة أرباع، أي: صباح، ضحى، بعد الظهر، وفي وقت متأخر من المساء، بالإضافة لتسجيل المعلومات بشكل منفصل لكل ربع.

 

 

هيكل البيانات

تلعب بنية البيانات دورا رئيسيا في إجراء التحليل الصحيح للبيانات النوعية بواسطة الطرق الكمية. ومما يسهل العملية إلى حد كبير هو بعض الاهتمام بهيكل البيانات أثناء جمع البيانات. هذا لا يعني أي تغيير كبير في العديد من المنهجيات الممتازة التي ينتهجها الباحثون عند جمع المعلومات النوعية. يشير هيكل البيانات إلى الطريقة التي يمكن بها عرض البيانات مرئيا وتصنيفها بطرق مختلفة، وهذا يعتمد إلى حد كبير على طريقة جمع البيانات. على سبيل المثال، تنطوي العديد من الدراسات والأبحاث على عملية ترتيب مستويات الدخل والازدهار، حيث يمكن جمع البيانات من كل مجموعة. ثم يقوم الباحث بتنظيم وهيكلة البيانات إلى فئات. ولكن قد تنشأ أثناء جمع البيانات، هيكليات إضافية، القرويين مثلا، أو مستوى الوصول إلى الموارد الطبيعية. قد يجد الباحث أيضا أن بياناته منظمة أو مهيكلة بطرق أخرى كثيرة، على سبيل المثال، (أ) من خلال متغيرات مستوى المجتمع مثل وجود / عدم وجود مدرسة أو عيادة للرعاية الصحية في المجتمع المحلي ؛ (ب) متغيرات مجموعة التركيز مثل درجة مشاركة المرأة في المناقشات، ودرجة الاتفاق فيما يتعلق بقضايا محددة، وما إلى ذلك؛ و (ج) وفقا لمتغيرات مستوى الأسرة مثل مصدرهم الرئيسي للدخل، جنس رب الأسرة، الخ.

 

التفكير في تركيبة البيانات يفرض على الباحث أن يركز على ما يشكل تكرارا لتلخيص البيانات، ويساعده على تحديد العوامل العديدة التي قد يكون لها تأثير على مكونات المعلومات النوعية التي لا يمكن أن ترميزها. غالبا ما قد تكون التكرارات عدة مناقشات لمجموعات التركيز. إذا كانت البيانات سيتم تلخيصها في وقت لاحق من كل المجموعات، فسيستلزم ذلك بعض الجهد لضمان أن المعلومات ثد تم جمعها بنفس الطريقة المنهجية في كل مرة. على سبيل المثال، قد يقوم أحد أعضاء فريق البحث بتسجيل المعلومات التي تنبثق من أي مناقشات تشاركية بطريقة شبه مهيكلة (منظمة). ستساعد هذه المنهجية في اعتبار أن العينة تتألف من العديد من مجموعات التركيز، وعلى أنها عينة صالحة للتحليل الإحصائي لاحقا.

 

كما يساعد النظر في هيكل البيانات الباحث على التعرف على المستويات الهرمية المختلفة التي توجد بها البيانات، على سبيل المثال، على مستوى المجتمع المحلي، أو مستوى مجموعة التركيز، أو مستوى الأسرة. تلعب هرمية البيانات دورا رئيسيا في تحليل البيانات وكذلك في حوسبة المعلومات التي تم جمعها. إذا كان الباحث سيستخدم جداول البيانات، فعندها سيكون لزاما عليه تنظيم البيانات في كل مستوى من مستويات التسلسل الهرمي في ورقة منفصلة في مجموعة مستطيلة. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن هياكل البيانات الهرمية يتم حوسبتها بشكل أفضل باستخدام قاعدة بيانات مناسبة وليس على شكل سلسلة من جداول البيانات.

 

يعرض الجدول رقم 1 مثالا على هيكل بيانات بسيط. يوجد في هذا الجدول هيكلية بين النساء لأنهن تأتين من خمس قرى، ولأنهن يقعن ضمن واحدة من أربع مجموعات للثروة، حجم الأسرة معروف، وقد تم تحديدهن وفقا لما إذا كن يتقاضين أجور أم لا ببعض الوسائل. ينبغي أيضا أن ينظر إلى البيانات بأنها هرمية، لأنها تقيّم المعلومات، على مستوى بين النساء (على سبيل المثال ما إذا كن يتقاضين أجورا) وعلى مستوى بين النساء كأفراد (كمرأة)، مثل تفضيلهن لأنواع الزيوت الأربعة. يأتي دور هيكل البيانات عندما يتم استخدام نهج التحليل الكمي لتحليل البيانات. لقد تم اختيار مثال يستخدم التراتيب هنا لأن هذه الورقة تركز على الرتب و الدرجات لتوضيح بعض إجراءات تحليل البيانات الكمية. غالبا ما يستخدم احدها أو الآخر في العمل التشاركي لمعالجة أهداف مماثلة.

 

 

الجدول 1. مثال مجموعة بيانات تظهر مرتبة أفضلية أربعة أنواع من الزيت من قبل عدد من النساء. (مجموعة البيانات الكاملة تشمل 5 قرى، مع 6، و8، و5، و 11، و 14 من النساء اللواتي تمت مقابلتهن في كل قرية)

القرية مجموعة الثروة حجم الأسرة تتقاضى أجر كوفو سوبرستار ماركت مورينغا
1 2 6 نعم 3 1 4 2
1 1 3 لا 2 4 3 1
1 1 7 نعم 4 3 2 1
1 1 3 نعم 2 4 3 1
1 3 4 لا 4 2 1 3
. . . . . . . .
. . . . . . . .

 

 

الأهداف التي يمكن معالجتها من خلال طرق التراتيب / الدرجات

يجب أن يكون عنصر الكيفية لأي نهج تحليلي مدفوعا بالحاجة لتحقيق أهداف البحث، ولذلك سنظر هنا في بعض الأمثلة التي قد تشكل أهدافا فرعية من مجموعة  أهداف أوسع. تبين القائمة التالية عددا من الأهداف التي يمكن معالجتها من خلال استخلاص المعلومات في شكل تراتيب أو درجات.

 

(أ) تحديد أهم المعوقات التي يواجهها الآباء في إدخال أبنائهم للمدارس.

(ب) تحديد أفضل خيارات النساء من زيت الطهي.

(ج) تقييم الأسباب الرئيسية لنضوب موارد صيد الأسماك.

(د) تحديد عناصر السياسات الحكومية التي تسبب معظم المشاكل لصغار التجار.

(ه) تقييم أراء المشاركين حول قيمة مصادر المعلومات الصحية.

 

لقد  تم عرض جزء من مجموعة بيانات نموذجية تتوافق مع الهدف (ب) في الجدول رقم 1. لقد كان الهدف الأساسي هو مقارنة تفضيلات النساء لأربعة أنواع مختلفة من زيت الطهي. قد تنشأ هذه البيانات إذا تم تقديم أنواع الزيت لعدد من النساء في عدة قرى لاستخدامها في الطهي، وطلب منهن بعد عدة أسابيع ترتيب الأنواع حسب الأفضلية. ستمثل النتائج هنا مجرد ترتيب لأنواع الزيت بدون أي تفسيرات رقمية يمكن أن ربطها مع الأرقام 1، 2، 3، 4 لكي تمثل الرتب.

 

البديل للترتيب هو إجراء عملية إعطاء درجات. لتحديد الخيار الأكثر تفضيلا من مجموعة معينة من العناصر، قد يُطلب من المشاركين تخصيص عدد من العدادات (على سبيل المثال بالحصى، البذور)، بحيث يكون أقصاها خمس عدادات لكل عنصر لكي تشير إلى وجهات نظرهم حول أهمية ذلك العنصر. سيوفر العدد المخصص درجة على مقياس من 0 إلى 5، بحيث تعبر درجة 0 عن الأسوأ ، أو أنه ليس له أي أهمية. على سبيل المثال يظهر الجدول 2 مجموعة بيانات تمثل أراء مجموعة من الفلاحين حول شدة الآفات زراعية.

 

الجدول 2. مثال لمجموعة بيانات تُظهر الدرجات التي أعطاها بعض المزارعين حول شدة هجوم الآفة على الفول بحيث تشير الدرجات الكبيرة إلى زيادة شدتها.

الفلاح القيض الفطري الحفار يرقة الفول الجذعية حشرة المن
1 4 2 1 2
2 5 4 1 3
3 4 1 2 1
4 4 5 1 4
5 1 2 1 1
6 1 4 1 2
7 5 1 1 5
8 2 5 5 3
المتوسط 3.3 3.0 1.6 2.6

 

غالبا ما تتطلب معالجة نوع الأهداف المعروضة في هذا القسم  إما على تعيين تراتيب أو إعطاء درجات. يستهدف النقاش التالي الباحثين الذين قد يرغبون في فهم وتقدير المزايا والقيود المفروضة على هذين الشكلين من أشكال استخلاص المعلومات عند تناول مثل هذه الأهداف.

 

 

رتب أو درجات؟

هل يهم ما إذا كانت المعلومات قد استخلصت من رتب أو درجات؟ عموما، تعتبر الرتب أفضل للاستنباط لأنه دائما يكون من ألسهل الحكم على ما إذا كان أحد العناصر أفضل أو أسوأ؛ أو أكثر أو أقل أهمية من عنصر آخر. ومع ذلك، يجب أن تتوازن السهولة التي يمكن أن يتم بها جمع المعلومات مع حقيقة أن تلك المعلومات لا يمكن تحليلها بشكل مباشر بواسطة الطرق الكمية.

 

تكمن الصعوبة الرئيسية في استخدام الرتب في أنها لا تعطي أي فكرة عن المسافة. وكمثال على ذلك، لنفترض أن اثنين من المستطلعين يعطيان رتبة أعلى للعنصر (أ) من العنصر (ب). ومع ذك قد يكون المستطلع الأول يعتقد أن (أ) كان أفضل بقليل من العنصر (ب)، ولكن المستطلع الثاني يعتقد أن (أ) أفضل بكثير من (ب). لا يمكن استخلاص هذه المعلومات من الرتب. وبالتالي فإنه من غير الممكن عزو  مسافة لقياس الفروق بين القيم الرقمية الممنوحة للرتب في الجدول رقم 1.

 

الدرجات، من ناحية أخرى، لها معنى رقمي، لأنه عادة ما يتم ربط  ‘أفضل‘ أو ‘أحسن‘ مع الدرجات الأكبر، بينما في التراتيب ، فدائما ما يتم ربط ‘أفضل‘ مع الرتبة رقم 1. في الدراسات التي تتعلق بالقيود على المعيشة أو بتحديد المشاكل، فنجد أن الدرجات العالية أو الرتبة رقم 1 ترتبطان بأشد القيود أو المشاكل.

 

النقطة الثانية هي أن الدرجات يمكن أن يكون لها معنى مطلق في حين أن الرتب دائما ما تكون نسبية للعناصر الأخرى قيد النظر. لذلك فإن الرتبة رقم 1 ليست بالضرورة عنصر مفضل، ولكنها أفضل من البقية فقط. على سبيل المثال، يمكن أن يتم ترتيب أربعة عناصر أ، ب، ج، د بالرتب 2، 3، 1، 4 من قبل أحد المشاركين، وتحصل على الدرجات 2، 1، 3، 0 من نفس المشارك على مقياس من 0 إلى 10، حيث يمثل الرقم 10 الأفضل. إن عدم وجود مقياس معياري للرتب يجعل مهمة دمج الرتب بين عدة مشاركين صعبة، إلا إذا ما تم بذل جهد لطرح أسئلة تكميلية لتوضيح آراء المستجيبين المطلقة حول معنى ‘أفضل‘ و ‘أسوأ‘ العناصر المرتبة. قد تعطي هذه المعلومات الإضافية أساسا لتحويل الرتب إلى مجموعة ذات مغزى من الدرجات، حتى يتسنى للباحث تحليل المجموعة الناتجة من الدرجات. يمكن في بعض الأحيان تحليل كل من الرتب والدرجات (التقريبية)، وإذا كانت النتائج متشابهة، فإن هذا يشير إلى أنه يمكن معالجة الرتب لوحدها بشكل مفيد.

 

وهكذا فإن الرتب تمثل ترتيب قائمة من العناصر وفقا لأهميتها بالنسبة لمسألة أو قضية معينة قيد البحث. إذن، عند تفسير الرتب، يعتبر من الضروري الأخذ في الاعتبار أن الأرقام 1، 2، 3، … الخ، المخصصة لتمثيل الرتب لها أهمية رقمية قليلة. ينبغي عادة السماح لأثنين أو أكثر من العناصر بأن تشغل مناصب متساوية في القائمة المرتبة، وذلك لأنه عادة ما يكون من غير الواقعي إلزام المشارك باتخاذ خيار قسري بين عنصرين إن لم يكن لديه تفضيل حقيقي لأحدهما على الآخر. يمكن أن يعطى كل عنصر في هذا المنصب المشترك قيمة متوسط الرتب الذي كان سيخصص لهذه العناصر إذا لم يتم الربط بينها.

 

إذن، أذا افترضنا على سبيل المثال، أنه سيتم إعطاء رتب لستة عناصر (أ، ب، ج، د، هـ ، و)، و افترضنا أن العنصر (ب) هو الأفضل، و العنصر (ج) هو الأسوأ، وأن العنصر (و) هو الثاني سوءا ولكنه ليس سيئا بقدر العنصر (ج)؛ وباقي العناصر نفسها تقريبا، فعندها ينبغي أن تكون التراتيب للعناصر الستة 3، 1، 6، 3، 3، 5. يتم الحصول على هذه المجموعة من الرتب باستخدام 3 كمتوسط ​​للرتب 2 و 3 و 4، أي أنها الرتب التي كان سيتحصل عليها العناصر (أ) و (د) و (هـ) إذا رأى المشارك بعض الاختلاف بين هذه العناصر. أحد الأسباب لاستخدام المجموعة الكاملة من 1 إلى 6 بدلا من ترتيب العناصر مثل 2، 1، 4، 2، 2، 3 هو أنه سيتم الحصول خلاف ذلك على نتائج مضللة في أي ملخصات إضافية للبيانات التي تدمج المعلومات بين المشاركين. يقدم فيلدنج وآخرون (Fielding et al, 1998) مناقشة أشمل لاستخدام لهذه الروابط:

 

تفترض المناقشة الواردة أعلاه أن عملية الترتيب أو إعطاء الدرجات تتم على أساس معيار واحد محدد. الأكثر نموذجية هو تحديد عددا من المعايير أولا لتشكيل الأساس الذي ستتم عليه مقارنة وتقييم مجموعة من العناصر. على سبيل المثال، قد يستخدم من يشملهم الاستطلاع تحديد العائد وحجم البذور، زمن الطهي، ومقاومة الأمراض والتسويق كمعايير لتقييم عدد من أصناف العدس. حالما يتم اختيار المعايير المناسبة، يتم إعطاء الدرجات للعناصر المراد تقييمها وفقا لكل معيار على حدة. هذا ما يشار إليه أساسا بتدريج المصفوفة (Pretty et al, 1995). من الشائع استخدام الدرجات من 1 إلى 5، على الرغم من أن المدى الأوسع قد يكون مفيدا لأنه سيعطي تمييزا أفضل بين العناصر.

 

التحدي الأكبر للباحث أثناء عملية تسجيله الدرجات، هو تسهيل هذه العملية، لأن عليه التأكد من أن المشاركين يفهمون بوضوح ما المقصود بأن تمثله الدرجات بالضبط. على سبيل المثال عند استخدام الدرجات في اختبار تقييم مجموعة متنوعة، فيجب على الباحث أو أحد مساعديه ضمان أن المستطلعين يفهمون الفرق جيدا بين وجهات النظر كالمذكورة فيما يلي:

 

  • “أنا سأعطي هذا النوع درجة عالية لأنني أنها ذات انتاجية عالية عند استخدام الأسمدة، على الرغم من أنني لا أستطيع تحمل سعر البذور أو الكمية المطلوبة من الأسمدة.”

 

  • “أنا سأعطي هذا النوع درجة عالية لأنه يبلي بلاء حسنا جدا بالمقارنة مع النوع المحلي الذي أقوم عادة بزراعته.”

 

على افتراض أنه قد تم استخلاص الدرجات بشكل لا لبس فيه من قبل مساعد بحثي جيد، فإن الميزة الرئيسية لها على الرتب هي أن لها معنى من الناحية الرقمية. الاختلافات بين الدرجات المختلفة المعطاة للعناصر تظهر قوة تفضيل عنصر ما على غيره. توفر الدرجات ترتيبا للعناصر ولكنها تضيف أيضا قياس مفيد للمسافة بين التفضيلات للعناصر المختلفة. إن توفر مقياس قياس ذا معنى يعني أيضا أن الدرجات الناتجة عادة ما تكون متوافقة بسهولة مع أهداف الدراسة، ويمكن تلخيصها بشكل مفيد عبر المشاركين.

 

يقول ماكسويل وبارت أن هناك أشكال مختلفة من طرق إعطاء الدرجات (Maxwell and Bart, 1995). إعطاء الدرجات المفتوح تماما الذي يمكن فيه إعطاء كل عنصر يراد تقييمه أي قيمة على مقياس معين (مثلا من 1 إلى 5) هو الأكثر مرونة لأنه يؤدي إلى ملاحظات مستقلة من بعضها البعض (وهذا شرط لأبسط إجراءات التحليل الإحصائي). ولكن أشكال إعطاء الدرجات المقيدة التي يوجد بها عدد ثابت من الوحدات (على سبيل المثال بذور الفاصوليا، والحصى) يتم توزيعها بين مجموعة من العناصر، فيجب أن يتم استخدامها بحذر مع الاعتراف بأنها ليست سوى تحسين طفيف على الرتب.

 

لنقول مثلا أنه قد طلب من المشارك تخصيص 10 بذور بين أربعة أصناف من الفول، وإعطاء بذورا أكثر للنوع الذي يفضله أكثر. إذا خصص المشارك 5 بذور إلى النوع (ج) و 3 بذور إلى النوع (أ) لأن الصنفين (ج) و (أ) هما اللذان يفضلهما أكثر، فعندها سيبقى للمشارك اثنين من البذور فقط  لكي يخصصهما للصنفين المتبقيين (ب) و (د). ستكون هذه مشكلة إذا لم يكن لديه سوى تفضيل هامشي للنوع (أ) على (ب) و (د). هذا الاختيار القسري يعاني من نفس الصعوبات التي تواجهها التراتيب في عدم تمكنها من إعطاء تفسير معقول للمسافة  بين الدرجات. إذا كان هناك عدد أكبر من البذور، 100 مثلا، فإن ذلك سيتغلب جزئيا على هذه المشكلة لأنه يوجد الآن لدى المشارك مرونة أكثر في التعبير عن قوة تفضيله لأحد الأصناف على الآخر. ولكن مائة من البذور قد تكون عدد قليل جدا إذا كان عدد الخلايا التي يجب أن يتم توزيع البذور عليها كبير (على سبيل المثال في مصفوفات توزيع النقاط).

 

 

بعض أساليب تحليل البيانات المرتبة

سنوضح طرق تحليل البيانات المرتبة من خلال بعض الأمثلة، وليست هناك أي محاولة هنا لإعطاء تغطية كاملة لطرق التحليل لأن الشكل الأنسب للتحليل سوف يعتمد على أهداف الدراسة. وأيا كان الهدف، فإنه عادة ما يكون من المستحسن البدء بالتفكير مليا في بنية البيانات وبعد ذلك إنتاج بعض الرسوم البيانية البسيطة أو إحصاءات موجزة حتى تصبح السمات الأساسية للبيانات واضحة. غالبا ما يكون هذا الشكل من التلخيص هو كل ما مطلوب إذا لم يكن توسيع النتائج إلى ما وراء وحدات العينة ليست شرطا. ولكن إذا كان سيتم تعميم النتائج على مجتمع أوسع، فإن أحجام وطرق أخذ العينات تعتبر قضايا رئيسية ينبغي على الباحث أخذها في الاعتبار. أنظر ويلسون  لمزيد من التفاصيل (Wilson 2000). نحن نفترض هنا أن عينة المشاركين تم اختيارها لتكن تمثيلية.

 

سننظر في القسم التالي أدناه بعض البيانات الناتجة عن عملية ترتيب وطرق بسيطة للعرض، وسيتبع ذلك، في الأقسام 7.2 و 7.3، مناقشة وجيزة لأكثر طرق التحليل المتقدمة التي يمكن تطبيقها على بيانات الرتب والدرجات، ولكننا سنتقيد اهتمامنا إلى حد كبير بتقييمات التفضيل، وسيجد القارئ تغطية أشمل في رسالة بول (Poole, 1997) حول هذا الموضوع.

 

طرق التلخيص البسيطة

تظهر هياكل البيانات التي تنتج عن الرتب أو الدرجات المعطاة لعدد محدد من العناصر باستخدام بيانات وهمية في الجدولين رقم 1 و 2. على الرغم من أن القيم الرقمية تبدو متشابهة، إلا أنه يجب التعرف على عدد من الاختلافات الجوهرية عند تفسير هذه المعلومات، كما تم تبيانها في القسم 6،. على سبيل المثال، قيم متوسط الأعمدة في الجدول رقم 2 هي ملخصات مفيدة وتعطي إشارة معينة إلى مشكلة الآفات الأكثر خطورة، ولكن حساب اجمالي الأعمدة للتراتيب في الجدول رقم 1  يفترض مسافة مشتركة “بين أي ترتبن متتاليين. هذه تعتبر إشكالية خصوصا إذا كان هناك خلايا مفقودة في الجدول، لأن بعض المشاركين لم يقوموا بإعطاء رتب لبعض العناصر.

 

وكمثال توضيحي، لنفترض أنه كان من المطلوب في الجدول 1 إعطاء ترتيب عام للزيوت عبر كل نساء العينة. الإجراء البسيط هو إعطاء الزيوت التي تلقت الرتب 1 و 2 و 3 و 4، الدرجات المقابلة 4، 3، 2، 1، ثم نستخرج متوسط ​​المجموعة الناشئة من الدرجات. هذا قد ينتج  درجات المتوسطات 3.2، 2.6، 2.4 و 1.8 على التوالي للزيوت  كوفو، سوبر ستار، وماركت والمورينغا. بطبيعة الحال، سيجادل البعض بأن هذا سيُفضي بالضبط إلى نفس النتائج التي سيتم الحصول عليها إذا ما تم حساب متوسطات القيم الرقمية المعطاة لكل رتبة من النساء. هذا صحيح، ولكن التحويل إلى درجات يجعل الافتراضات المتضمنة في عملية حساب المتوسطات ​​أكثر وضوحا (أي الافتراض بأن درجة التفضيل لأحد العناصر على الآخر ضمن قائمة مرتبة هو نفسه بغض النظر عن أخذ أي اثنين من التراتيب المتجاورة في الاعتبار (أو الدرجات المقابلة)، وافتراض أن القيمة المفقودة تقابل درجة الصفر الرقمية.

 

ويمكن أيضا النظر في مقاييس التحويل البديلة على أساس التعليقات التي يدلى بها هؤلاء الذين قاموا بترتيب العناصر. على سبيل المثال، يمكن تحويل الرتب 1، 2، 3، 4 إلى الدرجات 9، 5، 2، 1 على التوالي، إذا كان واضحا خلال المناقشات مع المشاركين أن هناك تفضيل أكثر وضوحا للعناصر في الجزء العلوي من مقياس الأولوية من تلك التي أسفل منها.

 

للتنظر الآن في موقف آخر حيث تختلف فيه العناصر المراد ترتيبها من مشترك لأخر. هنا يمكننا أيضا التحويل من الرتب إلى درجات وتعيين نتيجة صفر للعناصر التي تم إغفالها خلال الترتيب (انظر Abeyasekera et al, 2000 لمزيد من التفاصيل). يوفر المربع رقم 1 مثالا آخر عن بحث يهدف إلى دراسة ما إذا كان مرض معروف يسبب خسائر كثيرة في انتاجية محصول، يعتبره المزارعين الأكثر ضررا على المحاصيل، مقارنة بالأضرار الناجمة عن الآفات والأمراض الأخرى. يعرض الشكل رقم 1النتائج. النقطة الرئيسية التي ينبغي ملاحظتها في هذا المثال هي صعوبة جمع الرتب التي تم تعيينها لمشاكل الآفات  والأمراض لأن تم ذكر العديد من المشاكل من قبل 226 مزارع. إذا ما تم ذكر مشكلة واحدة من قبل عدد قليل فقط من المزارعين، ولكنهم قد أعطوها المرتبة الأعلى، فإن متوسط ​​مرتبتها، استنادا على هؤلاء المزارعين فقط، لن يكون ممثلا لعينة المزارعين ككل. الدرجات من ناحية أخرى، لديها معنى للصفر، ولذلك فإن المتوسطات تعمل بشكل صحيح.

 

الملخصات الوصفية البسيطة كما هو موضح أعلاه لها مكانتها في التحليل بغض النظر عما إذا كانت الدراسة تهدف لاستخلاص استنتاجات يمكن تعميمها على مجتمع دراسة المستهدف الأوسع أو أنها دراسة حالة في قرية واحدة فقط مع عدد قليل من المزارعين. في الحالة الأولى، يساعد الملخص أيضا على تحديد الإجراءات الاستنتاجية الإحصائية الملائمة لإثبات إمكانية تطبيق النتائج على ما وراء بيئة البحث. تعتبر هذه الإجراءات قيّمة لأنها تسمح أيضا للباحث بأن يأخذ في الحسبان بنية البيانات.

مربع 1

 

 شكل 1

 

 

 

توضيح تحليل تقييمات التفضيل

دعنا نأخذ مثلا موقف يتم فيه الحصول على البيانات الخام عن طريق الطلب من كل مشارك ترتيب العناصر وفقا لتفضيلهم لها بحيث يكون لدينا كنتيجة لذلك مجموعة من الرتب. سنفترض أنه قد تم تحويل هذه الرتب بطريقة معينة إلى درجات لها معنى، وأن الباحث مهتم بتحديد ما إذا كانت الاختلافات التي تمت ملاحظتها في متوسطات درجات العناصر المختلفة تشير إلى اختلافات حقيقية في تفضيلات هذه العناصر بين المشاركين في مجتمع الدراسة المستهدف. في مثل هذه الحالة يكون لتعميم نتائج الدراسة أهمية رئيسية. على افتراض أن أخذ عينة المشاركين قد تم بالطريقة المناسبة، وأن حجم العينة مناسب، فسيمكن الإجابة على مثل هذا السؤال بتطبيق الأساليب الإحصائية المناسبة.

 

للنظر على سبيل المثال إلى البيانات المرتبة المعروضة في الجدول رقم 1، ولنفترض أنه قد تم تحويلها إلى مجموعة من الدرجات. لنفترض أيضا أن الهدف الرئيسي هو تحديد ما إذا كان هناك تفضيل أكبر لزيت المورينغا[1] مقارنة مع الزيوت الأخرى. ولكن يمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان إجراء تقييم شامل عبر جميع النساء في جميع القرى مناسب عندما يكون هناك هيكل واضح في البيانات. هذا الهيكل يثير أسئلة إضافية، نذكر منها على سبيل المثال:

 

  • هل تختلف التفضيلات وفقا لما إذا كانت المرأة تتقاضى أجرا أم لا؟
  • هل تختلف التفضيلات عبر فئات الثروة المختلفة؟
  • إذا اختلفت التفضيلات وفقا لما إذا كانت المرأة تكسب أم لا، فهل هذه الاختلافات تختلف عبر فئات الثروة؟

 

قد يكون هناك أجزاء أخرى كثيرة من المعلومات المتاحة تتعلق بالنساء المشاركات في هذا الدراسة، على سبيل المثال حجم الأسرة التي ينتمون إليها. هل من الممكن فصل العوامل المربكة مثل القرية وحجم الأسرة؟

 

الجواب هو ‘نعم‘ والإجراء الإحصائي القوي لهذا الغرض هو تحليل التباين (Analysis of Variance). ينطوي هذا الإجراء على النمذجة الإحصائية[2] للبيانات ويمّكن الباحث من الاجابة على مثل هذه الأسئلة المذكورة أعلاه. يسمح هذا الإجراء بالقيام بمقارنات مناسبة بعد إزالة الآثار المحتملة للعوامل الخارجية الأخرى. (انظر المربع رقم 2 لمثال آخر).

 مربع 2

 

 شكل 2

 

 

يجب أيضا أخذ الافتراضات المرتبطة بأسلوب تحليل التباين في الاعتبار. يفترض هذا الأسلوب أن (أ) التقييمات الفردية مستقلة عن بعضها البعض، (ب) الدرجات المعطاة لكل عنصر تأتي من عينات من الدرجات التي لديها تباين مشترك، و (ج) أن البيانات تتبع التوزيع الطبيعي. من بين هذه تعتبر النقطة (ج) الأقل إشكالية ويمكن تخفيفها إذا كان هناك عدد كاف من عينات المشاركين أو مجموعات المشاركين. أنظر ويلسون (Wilson, 2000) حول بعض التوجيهات بشأن أحجام العينة.

 

يمكن التحقق من الافتراضات (ب) و (ج) عبر ما يُشار إليه إحصائيا بتحليل المتبقي (residual analysis). يجب أن تضمن إجراءات جمع البيانات تحقيق الافتراض (أ). على سبيل المثال، لا يؤدي إعطاء الدرجات المقيد الذي يطلب فيه من المشاركين توزيع عدد محدد من البذور بين العناصر المراد تقييمها إلى ملاحظات مستقلة. يمكن اعتبار الردود مستقلة إذا كانت الرتب أو الدرجات التي قدمها شخص واحد لا تؤثر تأثيرا مباشرا على الردود التي قدمها شخص آخر لنفس العنصر، أو من قبل الشخص نفسه على عنصر آخر. يمكن ضمان ذلك خلال جمع البيانات، على سبيل المثال من خلال مقابلة أفراد العينة بشكل فردي وليس جماعي. عندما يكون جمع المعلومات في مناقشات جماعية له مغزى أكثر، فإن تكرار العملية عدة مرات سيوفر المطلوب النسخ المتماثل المطلوب.

 

إذا تم الالتزام بافتراضات تحليل التباين، فسيكون من الممكن إجراء المزيد من التحليلات، فعلى سبيل المثال سيكون من الممكن التأكد مما إذا كان نوع الزيت التي تحصل على أعلى درجة متوسط حسابي يعني تفضيل أعلى بكثير من نوع الزيت الذي تلقي ثاني أعلى درجة متوسط.

 

يعتبر هذا الأسلوب العام المستخدم هنا قوي جدا ويقوم على نظرية عامة أساسية يمكن تطبيقها حتى لو كان بعض البيانات مفقودة، أو إذا كان عدد من العناصر التي يجري تقييمها مختلف عبر المستجيبين.  هناك برمجيات إحصائية مناسبة (مثل برنامج SPSS، Genstat، Minitab) متوفرة للتعامل مع مكامن هياكل البيانات وغيرها من التعقيدات الأخرى.

 

توجد أساليب متقدمة أكثر للتحليل متوفرة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من أفراد العينة. على سبيل المثال، يمكن نمذجة ترددات المزارعين الذين يقومون بإعطاء رتب مختلفة، أو تخصيص درجات، لكل عدد من أصناف الذرة، باستخدام نماذج التناسب الاحتمالية (proportional odds models) (Agresti, 1996). بعد ذلك يتم تفسير النتائج على أساس الاختلاف بين المشاركين الذين يفضلون عنصر معين بالمقارنة مع عنصر آخر.

 

 

هل الأساليب غير القياسية  (non-parametric) مفيدة؟[3]

غالبا ما يكون هناك اعتقاد بأن الطرق غير القياسية (أي الطرق التي ليس لها افتراضات حول توزيع البيانات) تكون مناسبة لتحليل البيانات النوعية مثل الرتب. لتوضيح القضايا المطروحة، سننظر مرة أخرى إلى نوع البيانات الواردة في الجدول رقم 1، ونفترض أن مثل هذه البيانات متاحة لعدد أكبر من المشاركين أو مجموعات التركيز داخل المجتمع المستهدف بنتائج البحث. أولا، سيكون الملخص البسيط مفيد. على سبيل المثال، دراسة أجريت في الهند كانت تهدف إلى دراسة امكانية دمج الزراعة المائية (aquaculture) في أنظمة الري الصغيرة التي يديرها المزارعين الذين يفتقرون إلى الموارد، حيث طلب من 46 مزارع ترتيب أربعة استخدامات مختلفة من المسطحات المائية وفقا لأهميتها (Felsing et al,  2000). ملخص البيانات الوارد في الجدول رقم 3 يشير بوضوح أن الري هو الاستخدام الرئيسي للمسطحات المائية حيث قام أربعة وثلاثون مزارع (74٪) بترتيب هذا الاستخدام كأهم استخدام للماء.

 

الجدول 3. عدد من المزارعين يعطون رتب معينة لاستخدامات مختلفة من المسطحات المائية

الرتبة الري استهلاك الثروة الحيوانية الاستخدام المنزلي غسيل الملابس
1 34 6 5 1
2 8 16 14 8
3 1 16 14 15
4 3 8 13 22
العدد (ن أو N) 46 46 46 46
Rj 65 118 127 150

 

ومع ذلك كان يُقصد بالبحث المجتمع الأكبر الذي تم اُختيار 46 مزارعا منه كعينة تمثيلية. كانت هناك حاجة إلى إجراء استنتاجي لتحديد ما إذا كانت نتائج الجدول رقم 3 تنطبق بالتساوي على مجتمع الأوسع من المزارعين في المجتمع. يمكن استخدامها اختبار فريدمان[4] (Conover, 1999) لإثبات أن استخدامات المزارعين للمياه تختلف اختلافا كبيرا. أظهر الاختبار أن استخدامات المياه التي تم ترتيبها لا ينظر إليها على أن لها نفس الأهمية. وأظهرت الاختبارات الإضافية أدلة على أن الري يعتبر في الواقع أكثر أهمية من غيره من الاستخدامات، وأنه لم يكن هناك أدلة كافية للتمييز بين الاستخدامات الثلاثة المتبقية من حيث الأهمية.

 

في حالة حدوث روابط في البيانات، فهناك تعديل متاح على اختبار فريدمان الاحصائي، ولكن هناك ثلاثة من المشاكل المرتبطة يجب النظر فيها. الأولى هي أن الاختبار يقوم على أساس تقريبي لتوزيع تربيع كاي[5] (chi-squared distribution). إذا  ن (n) هي عدد المزارعين و ك (k) هو عدد العناصر التي يجري ترتيبها، فإن ن ك (nk) يجب أن تكون كبيرة إلى حد معقول، ربما ≥ 30، لكي يكون التقريب معقولا. ثانيا، هذا الاختبار ليس له أي بدل للبيانات المفقودة. إذا لم حدث وكانت هناك بيانات مفقودة، بسبب (مثلا) اختلاف عدد العناصر المرتبة من مزارع إلى مزارع، فسيستلزم ذلك تحويل الرتب إلى درجات بطريقة ما  (Abeyasekera et al, 2000) ومن ثم تحليلها باستخدام الإجراءات الموضحة في القسم السابق. ثالثا، لا يمكن للاختبار أن يأخذ في الاعتبار بنية البيانات الكاملة.

 

اختبار فريدمان، بالإضافة للبدائل الأخرى (على سبيل المثال Anderson, 1959; Taplin, 1997)، هي أمثلة على الاختبارات غير القياسية (غير المعلمية أو اللا بارامترية) . هناك العديد من الكتب المنهجية المخصصة للأساليب الاحصائية غير القياسية، ولكن العديد من هذه الطرق تطبق على بيانات القياس التي يتم تحويلها إلى رتب قبل التحليل على أساس أن الأساليب القياسية لا تنطبق عليها بسبب فشل الافتراضات مثل التوزيع الطبيعي. تقتصر أهميتها على الحالات التي يكون فيها اختبار الفرضية هو الشغل الشاغل، وهذا قد لا يكون دائما الحال مع العديد من دراسات تحليل المخاطر (للأمراض والآفات مثلا). الاختبارات هي أيضا أقل قوة لأنها لا تستفيد استفادة كاملة من البيانات الأصلية، مما يعني أن الاختلافات بين العناصر التي يجري مقارنتها يجب أن تكون كبيرة من أجل الدلالة الإحصائية. على الرغم من وجود العديد من الاختبارات غير القياسية، إلا أن استخدامها في تحليل البيانات من دراسات تحليل مخاطر محدود نسبيا.

 

 

الأساليب الكمية الأخرى لتحليل للبيانات النوعية

خناك العديد من الإجراءات الأخرى المتاحة للتعامل مع المعلومات النوعية التي يمكن أن تكون مرمز سواءا كمتغيرات ثنائية، (مثل البيانات من نوع نعم أو لا، أو بيانات الحضور والغياب)، أو كمتغيرات فئوية (مثل، الوصول المرتفع، المتوسط، أو المنخفض إلى المرافق الإقليمية، أو الاعتماد الآخذ في الانخفاض، الثابت، أو الآخذ في الزيادة على موارد الغابات). إذا أراد الباحث استكشاف العوامل التي تؤثر على الميزات النوعية للبيانات الثنائية، فيمكنه استخدام نمذجة الانحدار اللوجستي (logistic regression modelling)، ويمكنه استشارة الكتب والمراجع الاخصائية لمعرفة كيفية تطبيق هذا النوع من الاختبارات الاحصائية.

 

إذا احتل متغير نوعي الأهمية الرئيسية، على سبيل المثال عند استكشاف العوامل التي تؤثر البرامج المطبقة لتحسين المرافق الصحية في منطقة ما، وذلك باستخدام البيانات في شكل أراء الناس حول التغييرات في رعايتهم. (أفضل، نفس الشيء، أسوأ)، فعندها فإن طرق مثل النمذجة الخطية الطويلة أو النمذجة الاحتمالية النسبية ستلعب دورا في ذلك. تعتبر هذه التقنيات من الاساليب الإحصائية المتقدمة، وإذا كانت مناسبة فمن المستحسن الاستعانة بخبير احصائي على معرفة بهذه التقنيات.

 

ميزة استخدام إجراءات النمذجة هو أنها تمكّن الباحث من التعامل مع العلاقات المتداخلة بين مجموعة واسعة من العوامل الأخرى في وقت واحد. في كثير من الأحيان، يميل الباحثون إلى النظر في عامل واحد كل مرة، على سبيل المثال عند اهتمامهم بالعوامل التي تؤثر على نجاح الإدارة المشتركة لموارد الغابات. قد ينطوي نهج التعامل مه عامل واحد في كل مرة على استخدام سلسلة منفصلة من اختبارات مربع كاي. العيب في ذلك هو أنه سيتم تجاهل التفاعل بين هذه العوامل، ولكن النمذجة تولي اهتماما بكل التفاعلات الممكنة.

 

بمجرد أن تتوفر نتائج إجراءات النمذجة هذه، ستصيح المميزات النقية البيانات النوعية هامة لأنها ستعطي اتساع وعمق لنتائج البحث الرسمية وستوفر الوسائل لتفسير أي سمات خاصة قد تظهر. ما يحدث عادة هو أتباع إجراء النمذجة بتحليل المخلفات (أي المكون المتبقي المرتبط مع كل نقطة بيانات بعد أن يتم تعديل التباين في متغير الاستجابة الرئيسي لسائر العوامل المعروفة). قد تظهر بعض المخلفات وكأنها قيم متطرفة، وعندها تكون العودة إلى السرد أساسية لشرح ومناقشة هذه الحالات المتطرفة. وهكذا يتم تسهيل عملية تحديد هذه الحالات كثيرا بواسطة المعالجة الكمية الأولية للمعلومات التي تم جمعها.

 

 

ملاحظات ختامية

من المهم أن ندرك أن الذهاب إلى ما وراء ملخصات البيانات المباشرة والعروض الرسومية، وصولا للإجراءات والاختبارات ذات الدلالة الإحصائية الرسمية لها قيمة ضئيلة في مساعدة نتائج البحث إذا لم تتم معالجة مسائل أخذ العينات بشكل مناسب عند اختيار العينة. أحد المسائل هي ما إذا كان حجم العينة يوفر التمثيل الكافي للمجتمعات المستهدفة بالبحث. يشير حجم العينة هنا لعدد التقييمات المستقلة التي تم الحصول عليها، إما عن طريق إجراء مقابلات مع المشاركين بشكل فردي أو من خلال وجود مناقشات منفصلة مع عدد من مجموعات المشاركين. يعتمد حجم العينة المطلوب كيف على أهداف الدراسة المحددة.

 

في الحالات التي يكون فيها حجم العينة مناسب، و تم اختيار العينة يشكل ملائم لتمثل المجتمع المستهدف قيد البحث، فسيوفر تطبيق الأساليب الإحصائية قدر أكبر من الصلاحية لاستنتاجات البحث. تقدم هذه الورقة إرشادات حول استخدام بعض طرق التحليل الإحصائي في التعامل مع البيانات النوعية مع التركيز على البيانات التي تكون في شكل رتب أو درجات. ولكن توجد أيضا العديد من الطرق الأخرى التي تم ذكرها بإيجاز في القسم رقم 8. عموما، فإن استخدام أي نهج محدد في دراسة ما سيكون مرتبط بشكل وثيق مع أهداف الدراسة وأنشطة جمع البيانات الأخرى (مثل تلك المتعلقة بالتجارب في المزارع). كما إن الاستفادة من مهارات أجد خبراء المسح الإحصائيين لتحديد نهج التحليل المناسب سيكون على الأرجح مفيدا.

[1] يصنع زيت المورينغا بالضغط على بذور شجرة الموريتغا أوليفيرا (oleifera )  لإنتاج زيت طعام عالي الجودة.

 

[2] غالبا ما يستخدم الاقتصاديون تحليل الانحدار، الذي يعتبر حالة خاصة من النموذج الخطي العام الذي يكزن فيه متغير الاستجابة كمي، ولكن المتغيرات التفسيرية يمكن أن تكون نوعية، أو كمية، أو ثنائية، أو فئوية.

[3] الإحصائيات غير القياسية هي إحصائيات استدلالية ووصفية ترتكز على بيانات محددة.

[4] اختبار فريدمان ( (Friedman’s Testهو من الاختبارات الغير معلميه ويستخدم لمقارنه تأثير ثلاث معالجات او اكثر وذلك في حاله عدم توفر الشروط اللازمة لـ استخدام اجراءات تحليل التباين حيث تخضع عينه واحده لعده اختبارات او تجارب او مواقف في فترات زمنيه متلاحقة او في نفس الفترة احيانا ثم يتم قياس تلك العينة في كل تجربه او موقف من هذه المواقف وتتم المقارنة بين الدرجات التي يتم الحصول عليها لمعرفه مدى الفروق الموجودة بين هذه المواقف.

[5] مربع كاي هو الاختبار الاستدلالي الاحصائي لتحديد أهمية البيانات الفئوية (اسميا أو ترتيبا).

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

أخلاقيات البحث في علم اللغة التطبيقي

أخلاقيات البحث في علم اللغة التطبيقي

مقدمة في سياق الحديث عن المتطلبات الأساسية للبحث، يبرز هذا الجزء أخلاقيات البحث في علم …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.