الرئيسية / البحث العلمي / طرق البحث المختلطة

طرق البحث المختلطة

ينطوي النهج العملي أو البرجماتي للبحوث (طرق مختلطة) على استخدام الطريقة التي تبدو الأنسب لمشكلة البحث وليس الوقوع في النقاشات الفلسفية حول أي نهج هو الأفضل. لذا يمنح الباحثين العمليين (البرجماتيين) أنفسهم الحرية في استخدام أي من الطرق والتقنيات والإجراءات التي ترتبط عادة بالبحث الكمي أو النوعي؛ فهم يدركوا أن كل طريقة لها حدودها وأن المناهج المختلفة يمكن أن تكون مكملة لبعضها. كما أنهم قد يستخدمون تقنيات مختلفة في نفس الوقت أو واحدة تلو الأخرى. على سبيل المثال، قد يبدؤون بالمقابلات وجها لوجه مع عدة أشخاص أو يكون لديهم مجموعة تركيز ثم بعدها يستخدمون النتائج لبناء استبيان لقياس المواقف في عينة واسعة النطاق بهدف إجراء التحليلات الإحصائية.

ووفقا للتدابير والمقاييس المستخدمة يتم تحليل البيانات التي تم جمعها بالطريقة المناسبة. ومع ذلك، يمكن في بعض الأحيان تحويل البيانات النوعية إلى بيانات كمية والعكس بالعكس بالرغم من أن تحويل البيانات الكمية إلى بيانات نوعية ليس شائعا جدا.

القدرة على خلط المناهج المختلفة تمكّن من التثليث الذي يعتبر سمة مشتركة للدراسات التي تستخدم الطرق المختلطة، وهو ينطوي مثلا على:

  • استخدام مجموعة متنوعة من مصادر البيانات (تثليث البيانات)
  • استخدام العديد من الباحثين المختلفين (تثليث الباحثين)
  • استخدام وجهات نظر متعددة لتفسير النتائج (تثليث النظريات)
  • استخدام أساليب متعددة لدراسة مشكلة البحث (التثليث المنهجي)

يتم في بعض الدراسات استخدام الطرق النوعية والكمية في وقت واحد معا. وفي حالات أخرى، يتم استخدام نهج واحد أولا ثم الآخر، حيث ربما يتوسع الجزء الثاني من الدراسة في نتائج الأول. على سبيل المثال، قد تتضمن دراسة نوعية على المقابلات المعمقة أو مناقشات مجموعات التركيز للحصول على المعلومات التي سيتم استخدامها بعدئذ في تطوير مقياس تجريبي أو استبيان لاستقصاء المواقف، والتي سيتم بعد ذلك تحليل نتائجها إحصائيا.

 

ما هو بحث الطرق المختلطة؟

من أجل معالجة مسألة بحثية أو مجموعة من الأسئلة البحثية، يجب على الباحثين وضع استراتيجية أو، كما يقترح برايمان ((Bryman 2001: 20 “توجه عام لتنفيذ البحوث الاجتماعية”. تعتمد البحوث التي تستخدم الطرق المختلطة استراتيجية بحث توظف أكثر من نوع من طرق البحث. قد تكون الطرق مزيجا من الطرق الكمية والنوعية، أو مزيج من الطرق الكمية أو مزيجا من الطرق النوعية. إذا كانت طرق البحث المختلطة استراتيجية للبحث، فهل هي تمثل نوعا خاصا من تصميم البحوث؟ الجواب هو نعم ولا. إن اعتماد استراتيجية الطريقة المختلطة قد يشكل استراتيجية في حد ذاته أو أنه قد يندرج ضمن استراتيجية بحث أخرى كما هو الحال عند اعتماد تصميم دراسة الحالة التي يتداخل فيها عدد من الطرق المختلفة. كما أن الاثنوغرافيا و البحوث العملية تعتبر هي الأخرى استراتيجيات للبحث التي قد تستخدم أيضا أكثر من طريقة واحدة.

بحوث الطرق المختلطة تعني أيضا العمل مع أنواع مختلفة من البيانات. وقد تنطوي أيضا على استخدام محققين مختلفين، وأحيانا تعمل فرق بحثية مختلفة بنماذج بحثية مختلفة. لهذه الأسباب تسمى بحوث الطرق المختلطة في كثير من الأحيان بأبحاث الاستراتيجيات المتعددة (Bryman, 2001)، مما يعني تطبيق عدد من الاستراتيجيات البحثية المختلفة ذات الصلة بمجموعة معقدة من الأسئلة البحثية وتصاميم البحوث المعقدة. من ناحية أخرى، قد تشكل الطرق المختلطة جزءا من استراتيجية طويلة المدى (عدة سنوات) كما هو الحال بالنسبة لبرامج البحث التي يتم متابعتها على مر الزمن من قبل مجموعة من الباحثين الذين يستخدمون طرق ومناهج مختلفة على التوالي (انظر Kelle 2005 للحصول على مثال).

 

 

صعود طرق البحث المختلطة: الفرص و المخاطر

يبدو أنه يتم استخدام استراتيجيات طرق البحث المختلطة بشكل متزايد في الوقت الحاضر.  في عام 2003 تم نشر دليل طرق البحث المختلطة (Tashakorri and Teddlie 2003a). لقد عقدت عدة ندوات وورش عمل دولية في السنوات الماضية خصصت لمناقشة طرق البحث المختلطة. كما خصصت دار سيج () للنشر دورية متخصصة لبحوث الطرق المختلطة. من ناحية أخرى، ربما تكون طرق البحث المختلطة معرفة أكثر الآن لأنه تم تسميتها ويتم مناقشتها.

يجوز لنا أن نسأل لماذا أصبحت الطرق المختلطة، خصوصا استراتيجيات البحث التي تجمع بين النهج النوعي والكمي، في المقدمة؟ الأسباب عدة، ومع أنها تمثل فرصة لتطوير المنهجية، فهي أيضا لها مخاطر محتملة للباحثين.

أولا، تقدم طرق البحث المختلطة فرصة لتطوير المهارات. يوجد في المجتمع الغربي نمو في التدريب الرسمي وفي الاعتماد الزائد على المؤهلات. يتم تحقيق مجتمع المعرفة أساسا من خلال التركيز على المهارات. زاد اكتساب المهارات في العلوم الاجتماعية من خلال الدورات التدريبية في مجموعة من الطرق المختلفة وليس كجزء من التدريب المهني في نوع محدد من البحوث أو في تخصص معين. يتم عرض مخزون الأشخاص في الخبرات المنهجية في سيرهم الذاتية من خلال حضورهم للدورات والشهائد التي تحصلوا عليها، وكذلك من خلال تطبيقهم العملي لخبراتهم البحثية في الابحاث التي أنجزوها. لقد أصبحت شهادة الدكتوراه شرطا للعمل في المهن البحثية، كما أصبح التدريب في طرق البحث الآن جزءا إلزاميا من دراسة الدكتوراه. يقوم العديد من الطلاب بأخذ مواد الماجستير في مناهج البحث الاجتماعي قبل دخولهم لبرامج الدكتوراه. لكن التدريب ليس مماثلا للتعلم بالممارسة، لأن المعرفة تتلاشى إذا لم يتم تطبيقها بسرعة.

ثانيا، يعتبر التدريب على طرق البحث المختلطة وتجربتها فرصة للتعليم مدى الحياة. توسيع المرء لذخيرته المنهجية يخفف من عدم قدرة المدربين، أو كما يسميه ريس (Reiss, 1968) ترسيخ معرفة الباحثين بطرق أو أنواع بحوث معينة. لدى طرق البحث اليوم مكانة أعلى مما كانت عليه، حيث كان للنظرية سابقا مكانة أعلى . ومع ذلك، فإنه بوضع المزيد من التركيز على طرق البحث، سنكون بحاجة أيضا إلى أن نضع في اعتبارنا تحذيرلويس كوسر (Lewis Coser) لجمعية علم الاجتماع الأمريكية في عام 1975 ضد إنتاج أجيال جديدة من الباحثين “بمهارات بحثية متفوقة ولكن مع عدم القدرة التدريبية على التفكير بطرق مبتكرة نظريا” (Coser, 1975).

ثالثا، تعتبر طرق البحث المختلطة فرصة لحويل الانتباه بعيدا عن العمل النظري التي غالبا ما يكون مميزا لتخصصات معينة. وبالتالي فإنها قد تشجع على التفكير المبدع، وهو ممارسة مرحب بها. من ناحية أخرى، نحن نشهد نموا من حيث الأهمية في العلوم الاجتماعية ذات المجالات الموضوعية التي تجمع الباحثين معا ليجتازوا الحدود التخصصية. لقد تم زيادة التمويل

المخصص لبرامج البحوث التي تم تحديدها من قبل مجالات موضوعية معينة: على سبيل المثال، البرامج حول العمل والطفولة والشباب، الهجرة والاستبعاد الاجتماعي. على الرغم من أن هناك بالتأكيد فوائد لأصحاب المصلحة والباحثين في التعرف على ودمج الأدلة البحثية داخل حقل ما و الجمع بين الباحثين في مختلف التخصصات أو مهما كانت التخصصات، فإنه قد تكون هناك بعض العيوب.  قد يفلت الباحثون من التقيد بتقاليد تخصص معين وقد يفشلون في الحصول على هوية آمنة في أحد التخصصات. بالقدر الذي يتم به تحديد خيار استراتيجية طريقة البحث المختلط عمليا وليس بسبب التأثيرات التخصصية، سيصبح  النهج إلى النظرية انتقائيا أكثر. هناك خطر أن الباحثين الغير مستندين بما فيه الكفاية على أسس نظرية قبل القيام بأبحاثهم، سيقومون باستيراد نظرية ما أثناء كتابتهم لتقريرهم البحثي من أجل تعزيز أو دعم مجموعة معينة من النتائج. يجب أن ترشد النظرية أيضا أسئلة البحوث التي يطرحها المرء في بداية المشروع.

ومع ذلك هناك تأثيرات متنافسة هنا. في بريطانيا، وفي أماكن أخرى على نحو متزايد ، يطلب من الأكاديميين والباحثين النشر في الدوريات والمجلات العلمية. ويبقى الوضع أن العديد من المجلات والدوريات المرموقة مبنية على التخصص ولها ميول لأنواع معينة من طرق البحث. وهكذا فإن كتابة بحث تم تنفيذه بالطرق المختلطة قد يمثل مشكلة للباحث عندما يبحث أين ينشره.

رابعا، تطوير استراتيجية الطريقة المختلطة يتناسب مع القبول السياسي الممنوح للبحث العملي الذي يخاطب السياسة وصناع القرار ويرشد التطبيق (Hammersley, 2000)، على الرغم من أن البحث العلمي قد يتطلب اهتماما أكبر بالطرق المستخدمة وتبريرها وأنواع البيانات التي تم توليدها للوصول إلى استنتاجات. من المطلوب من الباحثين تلبية احتياجات أصحاب المصلحة من البحوث والمستخدمين، حيث يقوم الممولين بصياغة أسئلة، بل أحيانا حتى طرق البحث. لقد كان البحث دائما عرضة للمناخات السياسية وتأثيراتها (Finch 1986). لقد شهدنا في بريطانيا صناعة كاملة لأبحاث الطريقة المختلطة تم إنشاؤها على السياسة القائمة على الأدلة وعلى مدى فترة زمنية أطول من تقييم السياسة (Ritchie 2003; Tashakorri and Teddlie 2003a). ولكن الجانب السلبي لهذا هو أن الباحثين لديهم طريقة تغطية أضعف لتحديد أسئلة أبحاثهم ولمتابعة أفكارهم الخاصة.

خامسا، مع نمو البحوث الاستراتيجية والبحوث ذات الطابع العملي الذي يلبي احتياجات المستخدمين، هناك زيادة في التركيز على النشر. يجب على الباحثين التحدث بلغتين على الأقل (اللغة التقنية للبحث وأيضا اللغة التي تبسط نتائج البحوث وتسهل فهمها). وهكذا فإن الكلمات أثناء كتابة البحث تصبح مهمة مثل الأرقام. تسمح طرق البحث المختلطة التي تستخدم كلاً من النهج الكمي والنوعي بالاستفادة من كليهما. ولكن قد تكون وسائط العرض المختلفة موجودة معا على نفس الصفحة، ولكن عادة يمكن معالجة القضية الأخيرة بتخصيص التحليلات المختلفة لمنشورات مختلفة وخاصة في حالة الدوريات والمجلات الأكاديمية التي لا تظهر تقاليدها وسياسة التحرير فيها ترحيبا ببحوث الطريقة المختلطة.

سادسا، تتزايد فرص بحوث الطرق المختلطة مع زيادة البحوث الوطنية في سياق النمو في تمويل الاتحاد الأوروبي. عادة ما تشمل الكثير من مشاريع البحث في الاتحاد الأوروبي تدريبات رسم الخرائط السياقية التي تنطوي على التحليل الثانوي للبيانات على المستوى الكلي وجمع البيانات الإحصائية الوطنية. غالبا ما تكون هذه كملاحق لاستخدام البحوث المكثفة التي تتعامل مع المستوى الجزئي. هذا العمل السياقي هو جزء أساسي من البحوث عبر الدول. ومع ذلك، هناك خطر من أن يتم جمع هذه البيانات وفقا للسياق، ولكنها قد لا ترشد تحليل البيانات الأولية بما فيه الكفاية.

تقدم طرق البحث المختلطة فرصا ومخاطر. قد تقدم إمكانيات إبداعية لمعالجة الأسئلة البحثية بمجموعة من الطرق. ولكن لا ينبغي أن تحل هذه الامكانيات محل التفكير الإبداعي. قد تأتي طرق البحث المختلطة في الوقت الذي يتطلب فيه أن تكون بحوث العلوم الاجتماعية أولا وقبل كل شيء ملائمة عمليا للسياسة وقابلة للتطبيق. يجب أن لا تكون الأهمية العملية بديلا عن الأهمية النظرية. وأخيرا، فإن فرصة تعلم مهارات بحثية جديدة هي موضع ترحيب وتسهل بشكل خاص التعاون بين مختلف التخصصات ولكن لا ينبغي أن تقوض التخصصات وأهمية النظرية.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

الاختيار من طرق بحث مختلفة

الأسس المنطقية للاختيار من طرق بحث مختلفة

على الرغم من تجدد الاهتمام باستراتيجيات طرق البحث المختلطة، فإن الحوار بين الباحثين الواصفين لأنفسهم …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.