الرئيسية / البحث العلمي / طرق البحث المختلطة

طرق البحث المختلطة

مقدمة

ينطوي النهج العملي أو البرجماتي للبحوث (طرق مختلطة) على استخدام الطريقة التي تبدو الأنسب لمشكلة البحث وليس الوقوع في النقاشات الفلسفية حول أي نهج هو الأفضل. لذا يمنح الباحثين العمليين (البرجماتيين) أنفسهم الحرية في استخدام أي من الطرق والتقنيات والإجراءات التي ترتبط عادة بالبحث الكمي أو النوعي؛ فهم يدركوا أن كل طريقة لها حدودها وأن المناهج المختلفة يمكن أن تكون مكملة لبعضها. كما أنهم قد يستخدمون تقنيات مختلفة في نفس الوقت أو واحدة تلو الأخرى. على سبيل المثال، قد يبدؤون بالمقابلات وجها لوجه مع عدة أشخاص أو يكون لديهم مجموعة تركيز ثم بعدها يستخدمون النتائج لبناء استبيان لقياس المواقف في عينة واسعة النطاق بهدف إجراء التحليلات الإحصائية.

ووفقا للتدابير والمقاييس المستخدمة يتم تحليل البيانات التي تم جمعها بالطريقة المناسبة. ومع ذلك، يمكن في بعض الأحيان تحويل البيانات النوعية إلى بيانات كمية والعكس بالعكس بالرغم من أن تحويل البيانات الكمية إلى بيانات نوعية ليس شائعا جدا.

القدرة على خلط المناهج المختلفة تمكّن من التثليث الذي يعتبر سمة مشتركة للدراسات التي تستخدم الطرق المختلطة، وهو ينطوي مثلا على:

  • استخدام مجموعة متنوعة من مصادر البيانات (تثليث البيانات)
  • استخدام العديد من الباحثين المختلفين (تثليث الباحثين)
  • استخدام وجهات نظر متعددة لتفسير النتائج (تثليث النظريات)
  • استخدام أساليب متعددة لدراسة مشكلة البحث (التثليث المنهجي)

ما هو بحث الطرق المختلطة؟

من أجل معالجة مسألة بحثية أو مجموعة من الأسئلة البحثية، يجب على الباحثين وضع استراتيجية أو، كما يقترح برايمان ((Bryman 2001: 20 “توجه عام لتنفيذ البحوث الاجتماعية”. تعتمد البحوث التي تستخدم الطرق المختلطة استراتيجية بحث توظف أكثر من نوع من طرق البحث. قد تكون الطرق مزيجا من الطرق الكمية والنوعية، أو مزيج من الطرق الكمية أو مزيجا من الطرق النوعية. إذا كانت طرق البحث المختلطة استراتيجية للبحث، فهل هي تمثل نوعا خاصا من تصميم البحوث؟ الجواب هو نعم ولا. إن اعتماد استراتيجية الطريقة المختلطة قد يشكل استراتيجية في حد ذاته أو أنه قد يندرج ضمن استراتيجية بحث أخرى كما هو الحال عند اعتماد تصميم دراسة الحالة التي يتداخل فيها عدد من الطرق المختلفة. كما أن الاثنوغرافيا و البحوث العملية تعتبر هي الأخرى استراتيجيات للبحث التي قد تستخدم أيضا أكثر من طريقة واحدة.

بحوث الطرق المختلطة تعني أيضا العمل مع أنواع مختلفة من البيانات. وقد تنطوي أيضا على استخدام محققين مختلفين، وأحيانا تعمل فرق بحثية مختلفة بنماذج بحثية مختلفة. لهذه الأسباب تسمى بحوث الطرق المختلطة في كثير من الأحيان بأبحاث الاستراتيجيات المتعددة (Bryman, 2001)، مما يعني تطبيق عدد من الاستراتيجيات البحثية المختلفة ذات الصلة بمجموعة معقدة من الأسئلة البحثية وتصاميم البحوث المعقدة. من ناحية أخرى، قد تشكل الطرق المختلطة جزءا من استراتيجية طويلة المدى (عدة سنوات) كما هو الحال بالنسبة لبرامج البحث التي يتم متابعتها على مر الزمن من قبل مجموعة من الباحثين الذين يستخدمون طرق ومناهج مختلفة على التوالي (انظر Kelle 2005 للحصول على مثال).

صعود الطرق المختلطة: الفرص و المخاطر

يبدو أنه يتم استخدام استراتيجيات طرق البحث المختلطة بشكل متزايد في الوقت الحاضر.  في عام 2003 تم نشر دليل طرق البحث المختلطة (Tashakorri and Teddlie 2003a). لقد عقدت عدة ندوات وورش عمل دولية في السنوات الماضية خصصت لمناقشة طرق البحث المختلطة. كما خصصت دار سيج للنشر دورية متخصصة لبحوث الطرق المختلطة. من ناحية أخرى، ربما تكون طرق البحث المختلطة معرفة أكثر الآن لأنه تم تسميتها ويتم مناقشتها.

 يجوز لنا أن نسأل لماذا أصبحت الطرق المختلطة، خصوصا استراتيجيات البحث التي تجمع بين

النهج النوعي والكمي، في المقدمة؟ الأسباب عدة، ومع أنها تمثل فرصة لتطوير المنهجية، فهي أيضا لها مخاطر محتملة للباحثين.

أولا، تقدم طرق البحث المختلطة فرصة لتطوير المهارات. يوجد في المجتمع الغربي نمو في التدريب الرسمي وفي الاعتماد الزائد على المؤهلات. يتم تحقيق مجتمع المعرفة أساسا من خلال التركيز على المهارات. زاد اكتساب المهارات في العلوم الاجتماعية من خلال الدورات التدريبية في مجموعة من الطرق المختلفة وليس كجزء من التدريب المهني في نوع محدد من البحوث أو في تخصص معين. يتم عرض مخزون الأشخاص في الخبرات المنهجية في سيرهم الذاتية من خلال حضورهم للدورات والشهائد التي تحصلوا عليها، وكذلك من خلال تطبيقهم العملي لخبراتهم البحثية في الابحاث التي أنجزوها. لقد أصبحت شهادة الدكتوراه شرطا للعمل في المهن البحثية، كما أصبح التدريب في طرق البحث الآن جزءا إلزاميا من دراسة الدكتوراه. يقوم العديد من الطلاب بأخذ مواد الماجستير في مناهج البحث الاجتماعي قبل دخولهم لبرامج الدكتوراه. لكن التدريب ليس مماثلا للتعلم بالممارسة، لأن المعرفة تتلاشى إذا لم يتم تطبيقها بسرعة.

ثانيا، يعتبر التدريب على طرق البحث المختلطة وتجربتها فرصة للتعليم مدى الحياة. توسيع المرء لذخيرته المنهجية يخفف من عدم قدرة المدربين، أو كما يسميه ريس (Reiss, 1968) ترسيخ معرفة الباحثين بطرق أو أنواع بحوث معينة. لدى طرق البحث اليوم مكانة أعلى مما كانت عليه، حيث كان للنظرية سابقا مكانة أعلى . ومع ذلك، فإنه بوضع المزيد من التركيز على طرق البحث، سنكون بحاجة أيضا إلى أن نضع في اعتبارنا تحذيرلويس كوسر (Lewis Coser) لجمعية علم الاجتماع الأمريكية في عام 1975 ضد إنتاج أجيال جديدة من الباحثين “بمهارات بحثية متفوقة ولكن مع عدم القدرة التدريبية على التفكير بطرق مبتكرة نظريا” (Coser, 1975).

ثالثا، تعتبر طرق البحث المختلطة فرصة لحويل الانتباه بعيدا عن العمل النظري التي غالبا ما يكون مميزا لتخصصات معينة. وبالتالي فإنها قد تشجع على التفكير المبدع، وهو ممارسة مرحب بها. من ناحية أخرى، نحن نشهد نموا من حيث الأهمية في العلوم الاجتماعية ذات المجالات الموضوعية التي تجمع الباحثين معا ليجتازوا الحدود التخصصية. لقد تم زيادة التمويل

المخصص لبرامج البحوث التي تم تحديدها من قبل مجالات موضوعية معينة: على سبيل المثال، البرامج حول العمل والطفولة والشباب، الهجرة والاستبعاد الاجتماعي. على الرغم من أن هناك بالتأكيد فوائد لأصحاب المصلحة والباحثين في التعرف على ودمج الأدلة البحثية داخل حقل ما و الجمع بين الباحثين في مختلف التخصصات أو مهما كانت التخصصات، فإنه قد تكون هناك بعض العيوب.  قد يفلت الباحثون من التقيد بتقاليد تخصص معين وقد يفشلون في الحصول على هوية آمنة في أحد التخصصات. بالقدر الذي يتم به تحديد خيار استراتيجية طريقة البحث المختلط عمليا وليس بسبب التأثيرات التخصصية، سيصبح  النهج إلى النظرية انتقائيا أكثر. هناك خطر أن الباحثين الغير مستندين بما فيه الكفاية على أسس نظرية قبل القيام بأبحاثهم، سيقومون باستيراد نظرية ما أثناء كتابتهم لتقريرهم البحثي من أجل تعزيز أو دعم مجموعة معينة من النتائج. يجب أن ترشد النظرية أيضا أسئلة البحوث التي يطرحها المرء في بداية المشروع.

ومع ذلك هناك تأثيرات متنافسة هنا. في بريطانيا، وفي أماكن أخرى على نحو متزايد ، يطلب من الأكاديميين والباحثين النشر في الدوريات والمجلات العلمية. ويبقى الوضع أن العديد من المجلات والدوريات المرموقة مبنية على التخصص ولها ميول لأنواع معينة من طرق البحث. وهكذا فإن كتابة بحث تم تنفيذه بالطرق المختلطة قد يمثل مشكلة للباحث عندما يبحث أين ينشره.

رابعا، تطوير استراتيجية الطريقة المختلطة يتناسب مع القبول السياسي الممنوح للبحث العملي الذي يخاطب السياسة وصناع القرار ويرشد التطبيق (Hammersley, 2000)، على الرغم من أن البحث العلمي قد يتطلب اهتماما أكبر بالطرق المستخدمة وتبريرها وأنواع البيانات التي تم توليدها للوصول إلى استنتاجات. من المطلوب من الباحثين تلبية احتياجات أصحاب المصلحة من البحوث والمستخدمين، حيث يقوم الممولين بصياغة أسئلة، بل أحيانا حتى طرق البحث. لقد كان البحث دائما عرضة للمناخات السياسية وتأثيراتها (Finch 1986). لقد شهدنا في بريطانيا صناعة كاملة لأبحاث الطريقة المختلطة تم إنشاؤها على السياسة القائمة على الأدلة وعلى مدى فترة زمنية أطول من تقييم السياسة (Ritchie 2003; Tashakorri and Teddlie 2003a). ولكن الجانب السلبي لهذا هو أن الباحثين لديهم طريقة تغطية أضعف لتحديد أسئلة أبحاثهم ولمتابعة أفكارهم الخاصة.

خامسا، مع نمو البحوث الاستراتيجية والبحوث ذات الطابع العملي الذي يلبي احتياجات المستخدمين، هناك زيادة في التركيز على النشر. يجب على الباحثين التحدث بلغتين على الأقل (اللغة التقنية للبحث وأيضا اللغة التي تبسط نتائج البحوث وتسهل فهمها). وهكذا فإن الكلمات أثناء كتابة البحث تصبح مهمة مثل الأرقام. تسمح طرق البحث المختلطة التي تستخدم كلاً من النهج الكمي والنوعي بالاستفادة من كليهما. ولكن قد تكون وسائط العرض المختلفة موجودة معا على نفس الصفحة، ولكن عادة يمكن معالجة القضية الأخيرة بتخصيص التحليلات المختلفة لمنشورات مختلفة وخاصة في حالة الدوريات والمجلات الأكاديمية التي لا تظهر تقاليدها وسياسة التحرير فيها ترحيبا ببحوث الطريقة المختلطة.

سادسا، تتزايد فرص بحوث الطرق المختلطة مع زيادة البحوث الوطنية في سياق النمو في تمويل الاتحاد الأوروبي. عادة ما تشمل الكثير من مشاريع البحث في الاتحاد الأوروبي تدريبات رسم الخرائط السياقية التي تنطوي على التحليل الثانوي للبيانات على المستوى الكلي وجمع البيانات الإحصائية الوطنية. غالبا ما تكون هذه كملاحق لاستخدام البحوث المكثفة التي تتعامل مع المستوى الجزئي. هذا العمل السياقي هو جزء أساسي من البحوث عبر الدول. ومع ذلك، هناك خطر من أن يتم جمع هذه البيانات وفقا للسياق، ولكنها قد لا ترشد تحليل البيانات الأولية بما فيه الكفاية.

تقدم طرق البحث المختلطة فرصا ومخاطر. قد تقدم إمكانيات إبداعية لمعالجة الأسئلة البحثية بمجموعة من الطرق. ولكن لا ينبغي أن تحل هذه الامكانيات محل التفكير الإبداعي. قد تأتي طرق البحث المختلطة في الوقت الذي يتطلب فيه أن تكون بحوث العلوم الاجتماعية أولا وقبل كل شيء ملائمة عمليا للسياسة وقابلة للتطبيق. يجب أن لا تكون الأهمية العملية بديلا عن الأهمية النظرية. وأخيرا، فإن فرصة تعلم مهارات بحثية جديدة هي موضع ترحيب وتسهل بشكل خاص التعاون بين مختلف التخصصات ولكن لا ينبغي أن تقوض التخصصات وأهمية النظرية.

الأسس المنطقية للاختيار من طرق مختلفة: الأسس الثلاثة

على الرغم من تجدد الاهتمام باستراتيجيات طرق البحث المختلطة، فإن الحوار بين الباحثين الواصفين لأنفسهم إما بالنوعي أو الكمي غاليا ما تكون متشنجة. لقد تميزت بمفاهيم خاطئة حول “الآخر” مما جعل فهم الآخر صعب. يرى الباحثين الكميين أن الباحثين النوعيين محددين بالسياق كثيرا، وأن عيناتهم غير تمثيلية وأن ادعاءاتهم حول عملهم لا مبرر لها (هذا الحكم صادر من وجهة نظر التعميم الإحصائي). من جانبهم ينظر الباحثون النوعيون إلى البحث الكمي على أنه تبسيط مفرط، وليس له سياق، واختزالي من حيث التعميمات، ويفشل في التقاط المعاني التي يربطها الفاعلين بحياتهم وظروفهم.

إذن ما هي أنواع الأسس المنطقية التي يرتكز عليها اختيار طريقة، مختلطة أو غيرها؟ سأشير إلى هذه بالأسس الثلاثة: النماذج، البراغماتية والسياسة، وقد تكون كل هذه أو أي منها سببا في اختيار الباحث للطريقة.

النماذج والافتراضات الفلسفية

هنا يقال أن اختيار الباحث للطرق يكون مدفوعا في المقام الأول بالافتراضات الفلسفية (الوجودية والمعرفية) التي تؤطر البحث أو إطار الباحث المرجعي. يشير الباحثين الذين يكتبون عادة في هذه القضايا إلى “حروب النموذج”. يرجع التصور بأن البحوث النوعية والكمية مختلفة إلى أنهما تستندان على مبادئ فلسفية مختلفة. بقدر ما ينظر إلى أن هذه المبادئ على أنها متنافسة، يقال أنها تنتمي إلى نماذج مختلفة. ووفقا لكون (Kuhn, 1970) فالنماذج غير قابلة للقياس. باختصار، وفقا للموقف النموذجي، ينظر إلى البحوث النوعية والبحوث الكمية على أنها مختلفة جوهريا ومدعومة بافتراضات فلسفية مختلفة.

لقد هيمنت اثنين من المدارس الفلسفية على مناقشة استراتيجيات طرق البحث المختلطة: الوضعية (positivism) والتأويلية (interpretevism). عادة ما يضع الباحثين النوعيين أنفسهم في المدرسة التأويلية، على الرغم من أنهم أيضا غالبا ما تكون لديهم افتراضات واقعية عن العالم والظروف السياقية التي تشكل وتضمّن وجهات نظر أولئك الذين يسعون إلى دراستهم. وعلى النقيض من ذلك غالبا ما يتم ربط البحث الكمي بالوضعية من قبل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم باحثين نوعيين. كما لاحظ برايمان في عام 1984 فقد قضى الباحثون النوعيون أكثر الوقت في تحديد الطرق الكمية أكثر مما فعل الباحثين الكميين أنفسهم (Bryman, 1984). الكيفية التي ينظر بها الباحثين الكميين إلى أنفسهم هي في الواقع أقل وضوحا، لأن الذين يكتبون عن البحث الكمي عادة ما يبدون انتباها أقل بكثير إلى الافتراضات المعرفية والوجودية في مناقشتهم لأبحاثهم.

يبرهن هذا التصوير الثنائي للبحث النوعي والكمي على أن هناك تعقيدا أكثر بعد المزيد من التدقيق، مثلما لاحظ المنهجيين برايمان وهامرسلي (Hammersley) في مناسبات عديدة. على سبيل المثال، لا يتم اجراء الدراسات الاستقصائية بالضرورة على أساس الافتراضات الوضعية، كما حذرنا برايمان في مقاله المبكر عن هذا الموضوع، حيث نقل عن كاثي مارش (Cathy Marsh) حول هذا الموضوع في عام 1979. وهذا ما قام به الباحثين النوعيين أيضا مثل وايت، غانس أو سكولنيك (Whyte, Gans or Skolnick) العاملين في ملاحظة المشاركين ضمن المدرسة الواقعية (Bryman, 1984: 89).

يفترض الموقف النموذجي العمل من مبدأ أن اختيار الطريقة لم يتم في فراغ فلسفي: يجب التفكير في الأسئلة البحثية وفقا للافتراضات المعرفية. ولذلك ينصح الباحثين بالنظر في أي نوع من المعرفة يسعون إلى توليده.

هناك بعد آخر أيضا يتعلق بتجاوز النماذج. يخشى بعض علماء الاجتماع مع توليد تفاهمات على المستوى الدقيق، بينما يشعر آخرين بالقلق مع المستوى الكلي. وبالتالي يركز أولئك الموجودين في المجموعة الأولى على أفعال الذين يدرسونهم من خلال التركيز على دراسة التفسيرات ووجهات النظر الذاتية. يهتم أولئك الذين يعملون على المستوى الكلي بالأنماط والاتجاهات الأوسع  ويسعون لتشكيل تفسيرات هيكلية. ومع ذلك يهدف جميع الباحثين إلى فهم الأفراد في المجتمع. إذا كان على المرء تجاوز المستويين الجزئي والكلي نظريا، فعندها يجب تطوير الطرق لتعكس ذلك (Kelle, 2001). يتوقف استخدم أولئك الذين يطبقون نموذج منطقي ما لكلا الطريقتين النوعية والكمية على مدى سعيهم لإنتاج مستويات وأنواع مختلفة من التفسير.

ولكن إذا كانت نماذج الأبحاث كلها مهمة في تشكيل اختيار الطرق، فمن المرجح أن يستبعد الباحث طرق معينة من البداية ولن يكون محكوما بعملية البحث والسياق عندما يتضح.

البراغماتية

من الناحية العملية، كما اقترح برايمان أولا في 1984، فإنه مثلما تكون الكثير من الأبحاث نابعة عن افتراضات براغماتية أو ما يسميه برايمان بالمسائل “الفنية” فإنه مدفوع بنفس القدر أيضا بافتراضات فلسفية.

تجادل معظم الكتب المنهجية بأن الممارسة المنهجية السليمة هي اختيار طريقة مناسبة  لسؤال البحث (Blaikie 2000; de Vaus 2001; Mason 2002; Cresswell 2003). إن تأطير المسائل البحثية يتم تشكيله جزئيا بالافتراضات المعرفية، ولكنه يتأثر أيضا بالحاجة إلى إيجاد نظرية تناسب مجموعة محددة من الحالات أو السياقات. يتوقع الباحثون في مدرسة النظرية المتجذرة بعد جلاسر وشتراوس (1967) أن يعيدوا صياغة أسئلة أبحاثهم أثناء البحث.

ومع ذلك من النادر لباحث يعمل في مشروع أن يصوغ سؤال بحثي واحد فقط. في الواقع، من المرجح أن يحتوي أي بحث على مجموعة معقدة من الأسئلة البحثية. بينما قد يكون السؤال البحثي الرئيسي أو الأسئلة في قطعة من البحث مدعومة بافتراضات واقعية، فقد تكون بعض الأسئلة البحثية مدعومة بافتراضات تأويلية، على سبيل المثال فيما يتعلق بكيفية فهم الناس لتصرفاتهم. قد يكون الباحث الكمي مهتما أكثر بأفعال ولسلوك المخبرين، وربما يكون مهتما أيضا بمعاني المخبرين المؤطرة في شكل مواقف. وعلاوة على ذلك غالبا ما يكون التركيز على المعنى في البحث الكمي لا مفر منه لأن الباحثون عادة ما يدرسون سلوك الناس عبر التقارير الذاتية عن السلوك. ربما قد يفترض الباحثين من كلا المذهبين، الكمي والنوعي،  أن تقارير السلوك فيها شبه قريب من مظاهر السلوك الفعلي. لأنه حتى إذا اختار الباحثون معاملة مثل هذه التقارير بحذر، فمن المرجح أن أولئك الذين يمولون البحوث أو أولئك الذين يقرؤون النتائج سيفهمون مثل هذه النتائج على أنها “حقيقية”. ولذلك قد يكون تأطير الأسئلة البحثية مدعوما بقضايا فلسفية وعملية. بدأ بعض الباحثين القيام بأبحاث الطرق المختلطة لأسباب براغماتية وفلسفية، كما هو الحال في دراسة فعالية التعليم في مؤسسات الطفولة المبكرة، على سبيل المثال سامونز وآخرون (Sammons et al 2005)، اتي سنناقشها في القسم التالي.

وعلاوة على ذلك حتى لو اختار الباحثين طرقهم وفقا لتأطير سؤال بحثي معين والافتراضات الفلسفية المرتبطة به، فربما في الواقع قد تتعارض ممارساتهم البحثية مع نواياهم. وكما وجد برايمان فيما يتعلق باختيار استراتيجية الطرق المختلطة، فقد يبرر الباحثون في البداية نهجهم من حيث ملائمة الطرق لأسئلة البحث، ولكنها عمليا ربما تشير إلى نتائج البحث، لأنه حتى بينما يبدأ اختيار الطرق فيما يتعلق بالسابق من حيث تصميم البحث، فإن الطبيعة العملية لعملية البحث قد تغير القصد الأصلي.

يلجأ الباحثين في وصفهم للعديد من أبحاثهم الى ما أسماه  برايمان خطاب عالمي حول مزايا الطرق المختلطة (الاعتقاد بأن طرق البحث المختلطة تقود إلى نتائج أفضل مما تنتجه طريقة البحث الواحدة). ولذلك يشير برايمان أن هذه المبررات تتجنب الموقف الذي يحتم أن تكون طريقة البحث محددة بأسئلة البحث، وهو الموقف الذي تتخذه معظم النصوص المنهجية. ويتجلى هذا الموقف في ورقة لها علاقة بالطرق المختلطة في مشروع بحثي أجراه هاموند (Hammond, 2005 ، انظر أيضا القسم التالي) لاستكشاف الفوائد الأوسع لتعليم البالغين. يخلص المؤلف أنه سيكون من “العبث محاولة فهم هذه المنطقة باستخدام طريقة واحدة فقط “ويشير إلى أنه من السابق لأوانه في دراسة ما تأطير الأسئلة يشكل محدد جدا في هذه المرحلة المبكرة من البحث (ص 253).

وبالمثل، يبرر سامونز وآخرون (Sammons et al, 2005: 221) عند مناقشتهم فعالية المدرسة استخدام الطرق المختلطة في الحالات التي تتطلب فيها “السياقات الاجتماعية المعقدة والتعددية تحليل مسترشد بوجهات نظر متعددة ومتنوعة “، مما يشير إلى أن الاستنتاجات التي يستنبطونها من أبحاثهم قد تقوّت عموما بفضل استخدام مزيج من الطرق. ومن الجدير بالذكر أن هذا التعليق قد تم في نهاية الورقة حيث تم تبرير الطرق من حيث الوسائل التي تم بها دمج بيانات مختلفة لاستخلاص الاستنتاجات النهائية من الدراسة.

بالتالي فإن بعض فوائد أبحاث الطرق المختلطة قد لا تظهر إلا في نهاية عملية البحث، وفي الواقع يعتبر توليد وجهات النظر الجديدة احد المزايا المهمة المحتملة لاستخدامها (Green, Caracelli and Graham, 1989). ولكن هذا قد لا يكون دائما متوقعا في بداية المشروع البحثي. يتناقض مثل هذا التبرير اللاحق مع الأسس المنطقية التي تم تبنيها أثناء مرحلة تصميم البحوث في عملية البحث. في الواقع قد تنشأ أفكار مبتكرة بغض النظر عن الأسئلة البحثية الأصلية المطروحة في الدراسة، مما قد يؤدي عمليا إلى استبدال الأسئلة الأصلية بأسئلة جديدة.

قد يتعلق المنطق العملي (البراغماتي) طرق البحث المختلطة أيضا بالموارد المتاحة للباحثين، بل وحتى تملي الأسئلة التي نطرحها والطريقة التي يتم بها تأطيرها. وهكذا فإن الباحث الذ يعمل وفقا للنهج الكمي قد يسعى لمراقبة السلوك الفعلي ولكن ليس لديه الموارد اللازمة للقيام بذلك. بدلا من ذلك فقد يكون قانعا بتقارير السلوك التي تم جمعها في بواسطة استبيان تمت تعبئته من قبل المشاركين. إن المعايير التي قد تحكم نوع الطرق المستخدمة تشمل مهارات و نقاط القوة لفريق البحث والثقافة البحثية التي يعيشونها (Brannen 1992).

تتحدد المسألة جزئيا على الأقل بجدوى طرق معينة في مشروع معين. تتعلق أحد قضايا الجدوى بطبيعة مجتمع الدراسة؛ إن صعوبة الوصول لمجتمع الدراسة من عدمها قد يؤثر على اختيار الطريقة. من غير المرجح أن ينجح المسح مع مجتمع غير مرئي مثل المهاجرين غير الشرعيين. يمكن اختيار طرق معينة لجمع البيانات لأنها تحسّن التعاون مع المخبرين في البحوث؛ على سبيل المثال من المحتمل أن يتم استخدام المقابلات شبه المنظمة أو غير المنظمة مع الذين يشغلون مناصب قوية في المؤسسة لأن وجهات نظرهم قد تكون (أو يعتقد أنها) فريدة من نوعها في منظمة ما. وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر بعض الطرق صالحة أفضل من غيرها لأنها أكثر حساسية للظواهر الاجتماعية المعقدة، مثل دراسة المشاكل الزوجية، والمشاكل التي يصعب الوصول إليها، ولذلك يجب استخدام المقابلات شبه المنظمة والاقتراب من المسألة بطريقة مواربة وغير تصادمية مثلما فعل برانين وكولارد في دراستهم للمشاكل الزوجية عام 1984 (Brannen and Collard 1984).

إذن ما الذي يميز الباحث البراغماتي (العملي) عن الباحث الموجه بنموذج؟ في الرؤية النموذجية عن العالم فإن السابق يكون أكثر اهتماما بالأفكار وأصولها، وبالأفكار التي تدفع البحوث والمثل العليا التي ينبغي أن يقوم عليها البحث. أما اهتمام البراغماتي فيفتح العالم أكثر للبحث الاجتماعي، وبالتالي سيكون تقليديا أقل من حيث الطرق والأفكار المسبقة (حول النظرية والطريقة). يميل مثل هؤلاء الباحثون إلى التوصل لنتائج بحثية التي يسعون من خلالها إلى ربط الغايتين العملية والسياسية (Hammersley, 2000). وهكذا فإن العقلانية البراغماتية ستحتضن بسهولة مزيج من الطرق إذا ما كانت الأسئلة البحثية والسياق العملي للأبحاث يقترحان ذلك.

السياسة

يتعلق الأسا المنطقي الثالث بسياسة البحث والباحث. يشعر الباحث السياسي بالقلق إزاء أشكال المعرفة وطرق المعرفة (البحث لمن ولماذا؟) لقد اختارت الكثير من ناشطات المرأة في الثمانينيات من القرن الماضي الطرق النوعية لأغراض سياسية معينة: لكي تجعل أصوات النساء التي اسكتت مسموعة. لقد كان بحثهم، بتصنيف أنفسهم مع المخبرين، المشروع الذي يسعين من خلاله إلى معالجة قضية المرأة بشكل عام. وفي هذا الصدد فضل الكثير منهن إجراء المقابلات المعمقة للحصول على آراء النساء الخاصة عن العالم، ولازال بعضهن يعتمدن هذه الطرق لهذا السبب. 

لكن، كما يقول ريبنز وإدواردز (Ribbens and Edwards, 1998)  نقلا عن ورقة لكاين (Cain, 1993) بشأن فوكو (Foucault )، فإنه لا يمكن الوصول إلى القاعدة المعرفية لحياة المرأة اليومية ومعرفتها بسهولة، كما في المفاهيم مثل “وجهات النظر” و “المواقف”. وعلاوة على ذلك، عند الاستماع إلى صوت المرأة حول كيان عوالمها الخاصة، نجد الباحثين مشغولون بتحويلها إلى معرفة عامة. ولذلك بينما تخضع معرفة المرأة غالبا إلى معارف أخرى أكثر قوة في حياتهن اليومية، وغالبا ما يتبنينها ويستنسخنها، فحتى الباحثين يواجهون خطر تفاقم هذا الوضع من خلال تحويل هذه الأصوات إلى نتائج بحوث.

ومع ذلك، من أجل فحص ومعالجة (سياسيا) أوضاع المرأة في المجتمع العام، مثلا نقص فرص حصول المرأة على المناصب الإدارية والمساواة في الأجر، لا بد من الاعتماد على البيانات من نطاق واسع وكذلك بيانات نوعية إذا ما كان البحث يرغب في فهم وفضح عدم المساواة الجنسية في المجتمع، كما فعلت ناشطات المرأة بشكل مطرد (انظر Graham 1983; Walby 1997).  وبالتالي قد تكون لمبررات استخدام الطرق المختلطة السياسية قواسم مشتركة مع المنطق البراغماتي أكثر مما تشترك فيه مع تلك التي لدى النموذجية (انظر أيضا أوكلي (Oakley, 1999) وما كتبته عن مسار بحثها).

المثال الآخر عن الباحثين الذين يستخدمون الطرق المختلطة لأغراض ومخاوف سياسية هو أبحاث العدالة الاجتماعية، ولا سيما فيما يتعلق بالأقليات الذين غالبا ما يكونون غير مرئيين أو يصعب الوصول إليهم من خلال الاستطلاعات واسعة النطاق (Mertens, 1998). هؤلاء الباحثين الذي يتبنون التحيز السياسي الإنساني في أبحاثهم غالبا ما يكون عليهم توظيف الطرق النوعية لإيجاد مثل هذه الجماعات. ومع ذلك يكون الدافع أيضا لجعل تفهم الجماعات المضطهدة واضحا أثناء دفع القضية بفعالية لتغيير حالة حياة المظلومين. وبالتالي فإنهم يعتمدون بشكل متزايد على مجموعة من الطرق، بما في ذلك الطرق الكمية، لدراسة الجماعات المضطهدة على نطاق واسع، وفي نفس الوقت تمثيل وجهات نظر الأفراد بتعمق.

يمكن للمرء أن يستشهد بأمثلة أخرى هنا وهم الباحثين الذين يدرسون المعاقين والباحثين في دراسات الطفولة الجديدة. في الواقع هؤلاء الباحثين كثيرا ما يشيرون إلى طرقهم بالتشاركية أو التحويلية، وبالتالي  ‘جديدة’ أو مختلفة عن الطرق التقليدية. ومع ذلك فإنها ليست الطرق في حد ذاتها التي تميز نهجهم، ولكن ما يتم استخدام الطرق لأجله. وهكذا فإن الهدف هو الحصول على أفضل مؤشر على عدم المساواة الاجتماعية والفوارق في السلطة في كل من المجتمع، وأيضا، والأهم من ذلك، في العلاقات البحثية. فعلى سبيل المثال يجادل آلدرسن (Alderson, 2001) باستخدام الأطفال كباحثين في دراسة الطفولة لأن الأطفال هم المصدر الرئيسي للمعرفة عن وجهات نظرهم الخاصة وخبراتهم.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي و اللغة الإنجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). نشر ثمانية كتب والعديد من المقالات والبحوث. مهتم بالملف الليبي والعربي والاسلامي بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

شاهد أيضاً

ما الذي يجعل المحاضر جيداً؟

يقوم المحاضرون الجيدون بعمل شيئين بشكل متقن وهما، أولاً، يخلقون بيئة إيجابية تمكّن الطلاب من الاستمتاع بالتعلم. ثانيًا، يساعدون الطلاب في عملية التعلم ويمكّنوهم من تحقيق أهدافهم. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فهناك عدد من المهارات والصفات الأساسية المطلوبة في هذا الدور. إذن، ما هي بعض الخصائص والتقنيات التي تجعل من المحاضر جيدًا؟

إظهار شريط المشاركة
إخفاء شريط المشاركة