دوافع الترجمة

يناير 29, 2018 أ. فرج محمد صوان

يناقش هذا المقال المتواضع بعض دوافع الترجمة وأسباب الحاجة إليها


بالنسبة للباحثين في مجال المعرفة المفتوحة ومجالات التعليم المفتوح، فإن دوافع الترجمة تتعلق بالوصول إلى المعلومات وما يرتبط بها من قضايا العدالة الاجتماعية. وما لم تكن إمكانية الوصول إلى أحدث المعارف وأكثرها اكتمالا متاحة لجميع الشعوب ، فلن نتمكن من إقامة عالم منصف على الصعيد العالمي.

وبالنسبة لأولئك الذين يعملون في مجال البرامج المفتوحة، فإن دوافع الترجمة الرئيسية أو محفزاتها تتمثل في توسيع نطاق الوصول إلى الوثائق والموارد التدريبية، فضلا عن إنشاء إصدارات محلية من أدوات البرمجيات. أحد القيم المؤطرة لحركة البرمجيات المجانية هي حق الأفراد في تعديل البرمجيات لتلبية احتياجاتهم الخاصة. وبالتأكيد فإن إصدار البرمجيات بلغات محددة يعتبر مثال لهذه الحرية.

 

أما دوافع الترجمة الأخرى فتشمل ما يلي:

  • خلق جمهور وأسواق جديدة. يتيح توفير المحتوى بلغات إضافية يوسع المجموعة المحتملة من المستهلكين لهذه المادة. على سبيل المثال، جعل مقال متاح باللغة الصينية يلفت انتباه جمهور أعداده بالمليارات.
  • تعزيز اللغات الأم. في دينامية ذات صلة، تتيح الترجمة للمجتمعات المحلية تعزيز لغتها الأم، وذلك من خلال ترجمة المعلومات الجديدة ذات الصلة إلى اللغة، فضلا عن نشر المعلومات المتاحة فقط بتلك اللغة إلى لغات أخرى. الترجمة إلى عدد قليل من اللغات على نطاق واسع، مثل الهندية والإسبانية والعربية والروسية واليابانية، يمكن أن تصل إلى حوالي نصف عدد سكان هذا الكوكب. وتمكين الترجمة إلى حوالي 300 لغة إضافية يمكن من الوصول إلى كل شخص آخر تقريبا (http://www.ethnologue.com). وبتوسع تقنية الهواتف المحمولة في جميع أنحاء العالم، نجد أن العديد من الملايين على استعداد للانضمام على الانترنت، مما يقود الطلب على المحتوى والاتصالات بلغاتهم الأم.
  • إحياء اللغات المهددة بالانقراض. – تقدر اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) أن ما يقرب من نصف اللغات المتحدَّثة في العالم، والبالغ عددها 6000 لغة تقريبا مهددة بالانقراض، والعديد منها في حالة غير مستقرة[1]. وبفقدان اللغة هناك خسارة ثقافية فادحة، وكذلك خسارة للبشرية جمعاء من معرفتنا حول كوكب الأرض وكيفية العيش على نحو مستدام في بيئاتها التي لا تعد ولا تحصى. ولذلك فإن تمكين الترجمة إلى اللغات المهددة بالانقراض يقوي المتكلمين ويضيف حيوية للغاتهم من خلال السماح لهم بصوت في المجال الجديد لتقنية المعلومات والانترنت الحديثة. كما أن الترجمة في كلا الاتجاهين تولد قواعد بيانات مزدوجة اللغات التي تدعم الترجمة اللاحقة، وأدوات جديدة مدعومة بالترجمة الآلية.
  • تخصيب الأفكار. يوفر المحتوى المترجم وجهات نظر ومعرفة من مختلف الثقافات والخبرات والأطر الفكرية. فحتى في عصر الإنترنت، نجد أن الكثير من المعلومات لا تزال قابعة في صوامع محددة اللغة. ومن شأن إتاحة هذه الموارد للجمهور الأوسع أن ينشر الأفكار ويدفع النظر في مختلف مدارس الفكر والمعتقدات.
  • تحفيز إنشاء المحتوى المحلي. يمكن للمحتوى المُتَرجَم أن يكون حافزا للإضافات، والاستجابات، والخلق الجديد في اللغات المحلية. فكما يترجم ييي يان (YeeYan)[2] المحتوى إلى الصينية للنشر داخل الصين، فهو يولِّد جيل جديد من منتجي المحتوى الصيني، سواء أولئك الذين يترجمون أو أولئك الذين يقومون بالتعليق والتعاون حول المحتوى نفسه.
  • التوافق مع الأهداف أو التشريعات الوطنية. في كندا، يجب اطلاق المنتجات باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وتوجد حالات مماثلة في العديد من البلدان الأخرى. وفي بعض الأحيان يكون ذلك ليس مجرد فكرة جيدة، بل ملزمة قانونا.
  • مطابقة المحتوى باحتياجات اللغة المجتمعية. هناك جهود خاصة في جنوب أفريقيا تهدف إلى إنتاج المحتوى الخص بفيروس نقص المناعة البشرية، الإيدز، للمجتمعات المتضررة. وفي مثل هذه الحالات، تعتبر الترجمة خدمة منقذة للحياة وداعمة مجتمعيا.

 

 

قضية الترجمة الأوسع

بصفة عامة، فإن الترجمة تمكننا من فهم مواطنينا العالميين الآخرين. فالعولمة الجارية لشبكات المعرفة والاتصال والمعلومات قد تكون قصة مؤلمة. هناك إمكانيات هائلة غير مستغلة للتعاون بين 1.8 مليار مستخدم للإنترنت – القدرة على تبادل المعرفة والتحدث من خلال بنية تحتية متزايدة من أدوات الترجمة المفتوحة، وبيانات الترجمة المفتوحة، ومجتمعات الترجمة عبر الإنترنت. الترجمة أمر بالغ الأهمية لمجتمع عالمي يعمل معا.

 

وعندما نفكر في دور الترجمة في تحويل شبكة الإنترنت العالمية، يمكننا أن ننظر في العديد من المجالات الرئيسية المؤثرة: وسائل الإعلام، والتعليم، والموارد الصحية، والبرمجيات.

 

البيئة الإعلامية آخذة في التغير. وعلى نحو متزايد أصبحت الطريقة التي نتواصل بها مع الناس من حولنا ضرب من النشر. في كل لحظة هناك صوت في العالم يحتاج لمن يفهمه، والذي قد يغير العالم برؤيته الشعرية أو تجربته الدرامية أو معرفته الفريدة. إن ما يسمى “صحافة المواطن” توفر الوصول في الزمان والمكان الحقيقيين إلى فهم عالمنا. الترجمة هي العنصر المفقود في نظام إعلامي عالمي قائم على المشاركة، والذي بدوره يمكن أن يؤدي إلى عالم بفهم دقيق أكثر اكتمالا للأحداث التي تشكل ظروفنا المشتركة. ويصبح ذلك صحيحا أكثر كلما ازداد الحوار حول استجاباتنا لتغير المناخ والتحديات العالمية الأخرى.

توفر الموارد التعليمية المفتوحة فرصة لتوسيع نطاق التعلم في جميع أنحاء العالم. وبوجود المزيد من المواد التعليمية المتاحة في ظل التراخيص المفتوحة وزيادة انتشار الإنترنت على الصعيد العالمي، فإن الحاجز الرئيسي المتبقي لجعل هذه المواد متاحة ويمكن الوصول إليها هو الترجمة. وفي إطار إثبات مبكر للمفهوم، نفذت ميدان نت (Meedan.net) مشروعا رائدا لمعلمين بلا حدود (Teachers Without Borders) يجمع بين الترجمة الآلية وتصحيح الخطأ الجماعي على مستوى الموارد التعليمية المفتوحة بالنسبة للمتعلمين في المدارس الثانوية في المنطقة العربية.

 

ومع تزايد ارتباط العالم وترابطه، تتحرك الأمراض والشواغل الصحية بشكل أسرع، في حين يستمر تجاهل الحدود والحواجز اللغوية. وتتوقف الجهود الصحية العالمية لمكافحة الأمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز والسل والملاريا على النجاح في نقل معلومات دقيقة عن الوقاية والرعاية. وهذا يمكن أن يحدث فقط بالترجمة المناسبة. إن المعلومات الصحية تعتبر مجال تعتبر فيه الترجمة ضرورية لإنقاذ الأرواح. إذن فهذا من أهم دوافع الترجمة لعلاقته بمسألة الحياة الموت.

 

وفي حين أن شبكات الإعلام وشبكات المعرفة القائمة على المشاركة توفر للمواطنين العالميين إمكانية أفضل للوصول إلى المحتوى، فإن حركة البرمجيات المجانية تمكن اقتصادات المعرفة الناشئة في جميع أنحاء العالم. مشاريع مثل (translate.org.za) تمكّن مجتمعات اللغة مع الأدوات لتوطين برمجيات المصدر المفتوح

باللغات المحلية.

 

ولكن ماذا عن المحتوى الخاص بي؟

لماذا تترجم موقعك على الويب أو مدونتك؟ هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى النظر في نشر موقع متعدد اللغات، من بينها الوصول إلى القراء المحليين الذين يتحدثون لغات أخرى، وإشراك القراء الدوليين، وزيادة رؤية محرك البحث للمحتوى الخاص بك بلغات أخرى.

 

 

القراء المحليون

معظم المدن متعددة الأعراق ومتعددة اللغات. حتى في الولايات المتحدة، التي يعتبرها الكثير من الناس بلدا يتحدث باللغة الإنجليزية، فإن أقلية كبيرة من السكان يتحدثون الإنجليزية كلغة ثانية أو لا ينطقون بها على الإطلاق. فالجمهور الناطق بالإسبانية فقط في معظم المدن الأميركية الكبرى يشكلون عدد كبير. وإذا كنت ستنشر موقعا محليا أو إقليميا على الويب، على سبيل المثال صحيفة إلكترونية أو مدونة أحداث محلية، فيجب عليك استهداف أهم اللغات الثانوية في السوق، والتي قد لا تسمع رسائلك أبدا.

 

 

القراء الدوليين

إذا كان موقعك على الويب يتضمن جمهورا دوليا (من السهل رؤيته مع خدمات مثل تحليلات غوغل) أو يغطي موضوعا غير مرتبط بمنطقة ما، فيمكنك توسيع نطاق قراءك ورؤيتهم من خلال استهداف اللغات الدولية المهمة (على سبيل المثال، الإنجليزية، والإسبانية أو الفرنسية أو الصينية). وبعد أن تتم ترجمة المحتوى بشكل روتيني إلى هذه اللغات، سيصبح مرئي ويمكن ربطه بهذه اللغات والبلدان، وينبغي أن تبدأ في تلقي حركة مرور من هذه المناطق التي لم تكن تتلقاها من قبل.

 

 

الظهور في محركات البحث

يبحث الأشخاص عن مواقع أو عبارات بلغتهم، وليس بلغتك. وتؤدي ترجمة موقعك إلى لغات أخرى إلى جعل موقعك أكثر وضوحا لمحركات البحث، مما سيؤدي إلى فهرسة موقعك وعبارات البحث ذات الصلة بتلك اللغات. وستصبح قريبا مرئية للأشخاص الذين يقومون بعمليات بحث للكلمات الرئيسية على تلك العبارات، وإلى مواقع ويب أخرى، والتي قد تبدأ في تكوين روابط مع موقعك أيضا. وتعتبر المدونات مصدرا مهما بشكل خاص لروابط “الباب الجانبي” باللغات الأخرى، ومع ارتباط المزيد منها بك، سيتحسن ترتيب موقعك في محركات البحث.

 

 

الترجمة قرار محلي

في النهاية، كل منشئ للمحتوى يتخذ قراره الخاص بشأن استعداده وتوافره للترجمة. ويوضح هذا المقال أن الترجمة أمر حتمي لتحقيق فهم عالمي أفضل في عالم متزايد التعقيد، وأن الترجمة المفتوحة هي النهج الأنسب القابل للتوسع المستدام لجعل المحتوى والمعرفة متاحة لأوسع مجموعة من المجتمعات والمواطنين .

 

[1] http://www.unesco.org/culture/ich/index.php?pg=00206

[2] www.yeeyan.com

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *