الرئيسية / الترجمة / ترجمة الشعر

ترجمة الشعر

يعرف قاموس أوكسفورد الإنجليزي الشعر بانه “فن أو عمل الشاعر”. ويصف جون روسكين (John Ruskin, 1870) في كتابه “محاضرات في الفن”  الشعر بانه ايحاء الآراء النبيلة من المخيلة إلى العواطف النبيلة. ووفقا لإليوت (T. S. Eliot ) فإن الشعر ليس تشكيل عاطفي فضفاض ، ولكنه هروب من العاطفة، وهو ليس تعبيرا عن الشخصية، ولكنه هروب منها . ويصف شيلي (Percy Bysshe Shelly) الشعر بأنه الحقيقة الأبدية، فالقصيدة هي نفس صورة الحياة معبر عنها في حقيقتها الأبدية. وأخيرا وفقا لروبرت فروست (Robert Frost) فإن الصورة التي ترسمها القصيدة تبدأ بفرحة وتنتهي بحكمة. هذا ما يجب أن يعرفه أي مترجم لكي يعترف بالفضيلة الحقيقية للعمل الذي يتعامل معه. وغالبا ما يُشار إلى الترجمة على أساس أنها فن. وبالتالي فإن مهمة المترجم هي خلق فن من الفن مع الحفاظ على القيمة الجمالية للعمل. ولقد وصف روبرت فروست الشعر بأنه ما يضيع في الترجمة. وقد كان يعني، بالطبع، أنه من المستحيل أن النقل من لغة إلى أخرى السمات الخاصة للقصيدة كالصوت والإيقاع، وتراكيب ودلالات بحرها. وقد رأى بعض النقاد أن المترجمين في ترجمتهم للقصائد يقومون بخيانتهم، ويحولون الترجمة إلى شيء قد يكون مشابها في أحسن الأحوال، ولكنه دائما يشوه العمل الأصلي[1]. ومع ذلك، لم يمنع هذا الرأي المترجمين من الاستمرار في هذا العمل الصعب، والهام أيضا.

إن ترجمة الشعر تعتبر أحد أكثر المهام صعوبة وتحديا لكل مترجم. وبالعودة إلى تعريف روبرت فروست، الذي يعتبر أن الشعر هو ما يضيع في الترجمة، يمكننا القول، أن هذا البيان يمكن اعتباره صحيحا إلى حد ما، لأنه لا يوجد تكافؤ الند عند المقارنة بين لغتين. وحتى لو امتلك المترجمين معرفة عميقة باللغة المصدر، فلن يكونوا قادرين على خلق نسخة طبق الأصل من النص الأصلي.

في نظرية دراسات الترجمة هناك أساليب مختلفة للمشاكل في هذا المجال من الترجمة. ومن بين المترجمين والمنظرين المتميزين في الترجمة، تحدث جون درايدن (John Dryden)  في مقاله “أنواع الترجمة الثلاثة” (The Three Types of Translation) عن الناسخ اللفظي للقصيدة الذي تعيقه العديد من الصعوبات في آن واحد، ولا يمكنه الخروج منها. وعند وصفه الترجمة الشفوية للقصيدة كشيء المستحيل، يبين أنه على المترجمين النظر، في نفس النوع، وفي فكر مؤلفها، وكلماته، وإيجاد نظيراتها في لغة أخرى، رغم تقييدهم بنطاق الأبيات، وعبودية القافية. وهو يقترب بذلك من ادعاء الكاتب والمترجم الأرمني البارز ، إنجيشي تشارينتس (Eghishe Charents) الذي يؤكد أن القصيدة يجب أن تترجم من قبل الشاعر. وقد كتب جون درايدن عن هذا مشيرا إلى أنه لا يوجد إنسان قادر على ترجمة الشعر نبوغه في هذا الفن”. ويضيف أيضا، أن مترجم الشعر يجب أن يكون متحكما في كل من لغة المؤلف ولغته[2].

ويؤكد منظر آخر في دراسات الترجمة، فريدريك شليرماخر (Friedrich Shleiermacher)، على أهمية الصوت في الشعر كأحد المشاكل الرئيسية في الترجمة ويعرف الشعر بأنه العمل الذي يكون فيه المعنى الأسمى والاكثر امتيازا موجودا في العناصر الموسيقية للغة أثناء تجليها في الإيقاع. ووفقا له فإن كل ما يبدو أن له تأثير على السمات الموسيقية وصقل الشعور، وبالتالي على المحاكاة والمرافقة الموسيقية للكلام، يجب أن يتم نقله من قبل المترجم[3].

ويرى الشاعر والناقد والمترجم الأميركي عزرا باوند الذين تذهب خبرته في ترجمة الشعر إلى ما وراء النظرية، أن الكثير يعتمد على المترجم، حيث أنه يمكنه أن يظهر كنوزه، ويوجه القارئ في اختيار أي لغة ينبغي دراستها. ويسمي هذا بالترجمة التفسيرية للشعر. وبالتوازي مع ذلك، يقدم نوع آخر من الترجمة يؤلف فيه المترجم قصيدة جديدة[4]. وبالتالي هناك نوعان من الترجمة الشعرية، أحدها ينقل فكر المؤلف مباشرة، والثاني، يقوم على النص الأصلي، ولكن تتخلله روح جديدة. وبالتأكيد، إذا نجحت الترجمة في تقديم كل من الشكل والمحتوى، فستعتبر ترجمة ناجحة. وقد كان هذا الرأي مجال بحث عالم اللغة ومترجم الإنجيل المحترف يوجين نيدا (Eugin Nida) الذي يؤكد على الفرق بين النثر والشعر ويسلط الضوء على أهمية الصيغة. ومن النادر أن يستطيع المرء إعادة إنتاج كل من المحتوى والشكل في الترجمة، وبالتالي، عادة ما يتم التضحية بالشكل من أجل المضمون. ويهدف مترجم الشعر إلى ترك انطباع لدى القارئ مماثلا أو مشابها تقريبا لذلك الذي يركه الأصلي[5] . وفي الواقع، كل قصيدة هي قصيدة في قصيدة؛ قصيدة الفكرة، وقصيدة الكلمات. فبدون فكرة تكون الكلمات فارغة، ومن دون كلمات تكون الفكرة فارغة. وعلى المترجم أن يتجنب الفراغ.

كما كتب رومان جاكوبسون (Roman Jakobson) في مقاله “على الجوانب اللغوية للترجمة” (On Linguistic Aspects of Translation) حول إمكانية واستحالة الترجمة وعرّف الشعر بأنه غير قابل للترجمة، وأن الممكن فقط هو النقل الإبداعي.

وبتلخيص المناهج النظرية للمفكرين المذكورين أعلاه، يتضح لنا بالتأكيد أن الشعر هو أكثر أنواع النص صعوبة ويمكن اعتبار غير قابل للترجمة. ولكن بوجود الأمثلة الحية لترجمات الشعر الناجحة، لا يمكننا أبدا أن ندعي أنه غير قابل للترجمة. كما تطرقوا إلى مشاكل أخرى مثل حرية المترجم، التي تم تحديها في رأينا. ولا يمكننا أبدا أن نشير إلى النقل كترجمة إذا كان مجرد عمل قائم على الأصلي، ويجب أن يكون قريبا من الأصلي قدر الإمكان. ويمكننا توضيح كل هذا يمكن في الرسم البياني التالي[6].

الرسم هو في حالة س = ص، حيث س هي الترجمة، و ص تمثل جودة الترجمة. ويمثل الخط أ عملية الترجمة التي تقسم  الزاوية القائمة إلى قسمين متساويين (45 درجة) وتدل على أنه خلال عملية الترجمة يولي المترجم اهتماما مساويا لجودة عمله وفكرة النص الأصلي، ويحاول أن لا يتجاوز كلام المؤلف. وتصور النقطة صفر العمل الأصلي وترجمته الأفضل والأنجح. وتتطابق النقطتين لأنهما نفس العمل في لغات مختلفة. وإذا كانت الترجمة بعيدة عن النقطة صفر بوحدة واحدة، فإن جودة الترجمة تنقص بنقطة وحدة. وفي المقابل إذا ابتعدت الترجمة بنقطتين، تنقص الجودة بنقطتين، الخ. ولوضع ترجمة الشعر وجودته بطريقة تقريبية، نستخدم هذه الطريقة المادية الواضحة لتصوير ذلك. ولكن هذا لا يعطي فكرة عما يجب على المترجم فعله. وفي الواقع، إن ما ينبغي الحفاظ عليه عند ترجمة الشعر هو العواطف، ورسالة الشاعر الضمنية، وتميُّز الأسلوب من أجل التوصل إلى نفس التأثير في اللغة الهدف كما في المصدر.

وعندما نتحدث عن ترجمة الشعر لا يمكننا إلا أن نذكر بعضا من المشاكل العديدة التي تواجهنا خلال هذه العملية. أولا، نود أن ألفت الانتباه إلى صيغة القصيدة. وربما هذا هو أول شيء يلاحظه القارئ قبل القراءة. ويجب أن يحاول المترجم أن يكون أقرب إلى الأصل كلما أمكن. فعلى سبيل المثال، عند ترجمة الهايكو[7] (haiku)، ينبغي الحفاظ على الصيغة القصيرة المكثفة والهادفة، لأن الكاتب يتعمد اختيار صيغة وبنية القصيدة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من مجمل الرسالة التي ينبغي نقلها وفهمها من قبل قراء . وبالتالي، لا يمكن، مثلا، أن تحويل سونيتة[8] (sonnet) إلى قصيدة ثنائية القافية ، أو قصيدة رثاء إلى قصيدة مكرسة للمدح أو الاحتفال. كما إن أنواع الشعر مهمة أيضا. فمن الضروري للمترجم أن يفهم ما اذا كان يتعامل مع شعر روائي أو غنائي، لأن الفرق بينهما كبير جدا. فالقصائد السردية تؤكد قصة وعمل، أما القصائد الغنائية فتؤكد عاطفة وأغنية.

الأمر الثاني الذي سنبغي مناقشته هو شكل القصيدة. ويتمثل شكل الشعر في موشحاته أو مقاطعه الشعرية. و يمكن للمترجم عكس الشكل المقطعي للقصيدة أثناء الترجمة إذا لم يكن الإبقاء عليه إلزاميا. ولكن من الأفضل أن تنم الترجمة من دوبيت (couplet)[9] إلى دوبيت، ومن مقطع شعري ثلاثي[10] (tercet) إلى مقطع ثلاثي، ومن رباعية (quatrain) إلى رباعية، ومن خماسية إلى خماسية، وهكذا[11].

المجموعة الثالثة من المشاكل التي تحدث أثناء ترجمة الشعر هي الفروق الدقيقة في معنى الكلمة. ويمكن أن يختلط الأمر على المترجم بطريقتين. فمن ناحية قد يجد صعوبات في فهم إي من المعاني العديدة للكلمة قد استخدمه المؤلف. ومن ناحية أخرى، قد يحتار في الاختيار من المكافئات من اللغة الهدف.

ولذلك يجب أن تخضع الكلمات للفحص الدقيق من قبل المترجم. ومن المهم معرفة ما إذا كان يتم استخدام الكلمة بمعناها الدلالي، معناها المعجمي أو معناها التلميحي، أي المعاني المرتبطة بها التي تراكمت حول الكلمة، أو ما تعنيه الكلمة ضمنيا[12]. فمن خلال أثر الكلمات التي يستخدمها المؤلفين في قصائدهم يكونون المجاز. وتشمل القصائد مثل هذه التفاصيل التي تنشط ذاكرتنا، وتحفز مشاعرنا، وتقود استجاباتنا. تعتبر الأفكار مهمة في الشعر ، ولكن القيمة الحقيقية للقصيدة تكمن في الكلمات التي تسحرنا من خلال السماح لنا بتوقع المفاجأة، وأن نكون مفعمين بالنشاط والحيوية، والتركيز على الإلقاء. وهذا كله يتم بالكلمات. وأحيانا يذهب معناها بعيدا ليصل حتى إلى خلق بعض الآثار الأسلوبية. ومن بين هه الآثار الأكثر شيوعا للشعر هي الاستعارة. ومن المجاز، أن نقول شيئا واحدا ونعنى آخر، وأن نقول شيئا واحدا من حيث الآخر، وهو متعة الاخفاء. وكما يقول روبرت فروست، فإن الشعر يتكون ببساطة من المجاز. وتشمل الصور الأسلوبية الأخرة الغلو أو المبالغة، والمجاز المرسل أو استخدام الجزء للدلالة على الكل، والكناية أو استبدال سمة شيء للشيء نفسه، والتجسيد، ومنح الجماد أو المفاهيم المجردة خصائص أو صفات الكائنات الحية، وغيرها[13].

قد تتعلق المشاكل التي تحدث في عملية الترجمة بعناصر الشعر المختلفة. يمكننا أن نتعلم أن نقدر ونترجم القصائد من خلال فهم عناصرها الأساسية. وتشمل عناصر القصيدة المتحدث الذي نسمع صوته فيها؛ طريقة إلقاءها، أو اختيار الكلمات، وتراكيب أبياتها أو ترتيب كلماتها؛ صورها البلاغية أو تفاصيل الرؤية والسمع والتذوق والشم، واللمس؛ اللغة المجازية، أو الطرق غير الحرفية للتعبير عن شيء واحد من حيث آخر، مثل الرمز والاستعارة؛ المؤثرات الصوتية، وخاصة القافية، والسجع، والجناس؛ إيقاعها وبحرها أو نمط اللهجات الذي نسمعه في كلمات القصيدة، وعباراتها، وسطورها، وجملها، وهيكلها أو نمط تنظيمها الرسمي.

هناك مسألة أخرى تحتاج للمناقشة لأنها تسبب في الكثير من المشاكل في ترجمة الشعر، وهي الفروق النحوية بين اللغات. فالقواعد النحوية الإلزامية في النثر ليست إجبارية في القصائد، أو يمكننا  نقول فقط أن الشعراء لا يتبعونها بدقة. ولهذا السبب عادة ما يكون المترجمين في حيرة من أمرهم حول مثل هذه الأعمال الإبداعية. ففي بعض الأحيان، يقدم الشعراء عبر براعتهم في التصوير المجازي أعمال جديدة غير عادية مدهشة ومذهلة بالفعل، وتصعب ترجمتها. وينبغي أن يكون المترجم توافقيا لكي ينقل هذا الابداع ومعانيه الخفية أو بنيته النحوية المميزة. ولتوضيح الوضع الذي يمكن أن نأخذ ضمير المخاطبة كمثال . يجب الحفاظ على نقل هذه الأساليب في اللغة الهدف لأنها تحمل العالم العاطفي والنفسي الكامل للشاعر. على سبيل المثال، نجد أنه من الصعب في بعض الأحيان  ترجمة الضمير “أنت” في الانجليزية، حيث يمكن أن يكون إما ظاهرا أو  مستترا. وفي هذه الحالة يجب على المترجم فهم قصد المؤلف. وبطبيعة الحال فإن التحولات النحوية ممكنة في ترجمة الشعر، لأن المترجم هنا يهدف إلى نقل المحتوى. ولذلك يمكن تبرير أي خيار للمترجم لتغيير الشكل النحوي إلا إذا أفسد المعنى.

لقد ارتبط الشعر دائما ارتباطا وثيقا بالموسيقى. فهو “فن إيقاعي ولكنه، أساسا، ليس وسيلة فعالة للاتصال مثل الموسيقى”[14]. وفضلا عن كونه شيئا نراه، فهو أيضا شيء نسمعه، و “لا يزال هناك حتى الآن تقليد حيوي لإلقاء أو تلاوة الشعر شفهيا. بل إن حتى قراءة الشعر الصامتة، إذا ما تمت بشكل صحيح، ينبغي أن تسمح بتسجيل السطور في أذن العقل “[15].

وعند الحديث عن الصوت (اللفظ)، فإن أول شيء يجب ذكره هو القافية، والتي يمكن تعريفها بأنها مطابقة صوت الحرف النهائي (علة أو ساكنة) في كلمتين أو أكثر. وعلى الرغم من وجود قصائد بدون قافية، فإنها تستسلم لقيمة أصواتها. ولقد تذمر روبرت فروست، الكاتب للشعر التقليدي المقفى، من كتابة الشعر دون قافية ووصفه بأنه مثل لعب التنس والشبكة متدلية للأسفل. وهذا صارم قليلا، لأن العديد من السطور المقفية تبدو سليمة، وأفضل في شكل غير مقفى. وفي الواقع، الصوت هو كل شيء متعلق بتهذيب الصوت بما في ذلك القافية والوزن، الذي يشير إلى التكرار المنتظم للنبرة أو الشدة في القصيدة، والجناس أو تكرار أصوات الحروف المتشابهة، والمحاكاة الصوتية، التي تعني استعمال الكلمة التي يوحي لفظها بمعناها ، الجناس أو تكرار حرف أو مقطع في مستهل ألفاظ متجاورة، وما إلى ذلك. ويجب على المترجم أن يحاول الحفاظ عليها في الترجمة. وكما يبين نيومارك (Newmark, 1981: 67)، فإن “الحقيقة الدلالية أساسية في النصوص المهمة، فالمعنى ليس أكثر أو أقل أهمية، بل مهم! في حين أنه من العوامل الجمالية الثلاثة، من المرجح أن تنحسر أهمية الصوت (مثل الجناس أو القافية)، وربما تكون القافية العامل الأكثر عرضة للاستغناء عته. نظم القافية صعب واصطناعي في اللغة، واستنساخ سطر قد يكون في بعض الأحيان على نحو مضاعف”. وباختصار، اذا واجه المترجم حالة تتطلب منه التضحية بأحد العوامل الثلاثة، البنية، الاستعارة، أو الصوت، فينبغي عليه التضحية بالصوت.

ومن ناحية أخرى، ينبغي على المترجم تحقيق التوازن حيث يكمن جمال القصيدة حقا. إذا كان الجمال يكمن في الألفاظ أكثر من التركيز على المعنى (الدلالي)، فلا يمكن للمترجم تجاهل عامل الصوت.

الشيء الرابع الذي يمكن أن يسبب مشاكل في الترجمة هو الاختلافات الثقافية. إن المعرفة العميقة ضرورية لترجمة التعابير والعبارات، والتي هي نتاج التقاليد والتفكير في بلد المرء. وقد تخلق الجمل أو العبارات التي تحتوي على كلمة مرتبطة بالثقافة بعض المشاكل. توجد المشاكل الاجتماعية والثقافية في العبارات والجمل أو شيه الجمل التي تحتوي على كلمات متعلقة بالفئات الثقافية الرئيسية الأربعة، وهي: الأفكار، والسلوك، والمنتج، والبيئة (Said, 1994: 39). وتشمل “الأفكار” العقيدة والقيم والمؤسسات. ويتضمن “السلوك” العادات أو الأعراف، أما “المنتجات” فتشمل الفن والموسيقى، والتحف، تشمل “البيئة” النباتات والحيوانات، والسهول، والرياح، والطقس.

وقد يطبق المترجم في ترجمته للتعبيرات المرتبطة بالثقافة، كما هو الحال في غيرها من التعبيرات، بعض الإجراءات مثل الترجمة الحرفية ، النقل، التطبيع، المكافئ الثقافي، المكافئ الوظيفي، المكافئ الوصفي، مصنف، تحليل المكونات، الحذف، مقاطع ثنائية، ملاحظة، بالإضافة إلى المسارد، والتخفيض، والمرادفات. ويقوم المترجم في الترجمة الحرفية بالترجمة وحدة بوحدة.، حيث قد تتراوح وحدة الترجمة من كلمة إلى وحدات أكبر مثل العبارة أو الجملة.

وقد يقوم فقط بنقل كلمة اللغة المصدر مباشرة، ولكن مع كتابتها بحروف اللغة الهدف، حيث تكون النتيجة كلمة مقترضة.  كما إنه قد  يعدلها وفقا لنطق اللغة الهدف، وهو ما يسمى بالتطبيع (naturalization).

وبالإضافة إلى ذلك، فقد يجد المترجم كلمة مكافئة ثقافيا لكلمة اللغة المصدر، وإذا لم يجد واحدة، فقد يطبّع أو يعمم كلمة اللغة المصدر لتكوين مكافئات وظيفية. وعندما يعدل كلمة اللغة المصدر بوصف الشكل في اللغة الهدف، فإن النتيجة ستكون مكافئ وصفي. وفي بعض الأحيان يوفر المترجم مصطلح عام أو ثانوي لكلمة اللغة المصدر، وتسمى النتيجة في اللغة الهدف مصنف (classifier). وعندما يقوم قط بتزويد أقرب مكافئ لكلمة اللغة المصدر في اللغة الهدف، فهو  يستخدم الترادف (synonymy).

وعندما يستخدم المترجم إجراء تحليل المكونات، فهو يقوم بتقسيم الوحدة المعجمية إلى مكونات معانيها، وفي كثير من الأحيان تكون ترجمة كلمة بكلمتين أو أكثر. وعلاوة على ذلك، قد يضيف المترجم أحيانا بعض المعلومات، سواء كان وضعها بين قوسين أو في فقرة أخرى أو حتى حاشية، أو ربما قد يقوم حتى بحذف كلمات اللغة المصدر غير المهمة في الترجمة لضمان سلاسة النتيجة للقارئ.

ولا يمكننا القول أن أحد الإجراءات أفضل من غيره، لأن ذلك يعتمد على الموقف. وبالنظر إلى الوظائف الجمالية والتعبيرية التي تحملها القصيدة، ينبغي على المترجم محاولة ايجاد المكافئ الثقافي أو أقرب مكافئ (مرادف) أولا قبل محاولة الإجراءات الأخرى.

ويعتبر السياق العام مهم أيضا. وهو يشمل نظام الظروف التي كتب فيها المؤلف، ولمن تكون القصيدة موجهة أو مخصصة، ويجعل الوضع النفسي للمؤلف واضحا للمترجم. فإذا احتوت القصيدة على السخرية الخفية نحو شخص ما، فيجب تحتوي الترجمة عليها أيضا. ولكن هذا بالطبع يعتمد على محتوى قيمتها.

وبتلخيص كل هذه المشاكل التي لا تشكل سوى جزء صغير من العقبات التي يجب على المترجمين التغلب عليها، ندرك مدى صعوبة عملية الترجمة وكم ينبغي أن يكون مترجم الشعر موهوبا، مبدعا ومتعلما.

ويبغي ان يكون لديه نفس الإلهام كالمؤلف عند الكتابة. وكما يبين أفلاطون فإن الشاعر هو النور، وشيء متذمر مقدس ، وليس لديه ابداع حتى يُلهم ويخرج عن رشده، ولم يعد فيه منطق[16]. ويجب أن يساوي مترجم القصيدة المؤلف والفنان وأن تلهمه القصيدة. هناك الكثير من الترجمات الشعرية ليست ناجحة. والسبب هو أن “لا أحد آخر يستطيع أن يحي مكانك، ولا يمكن أن تحي لشخص آخر. تلك هي مسؤولية الفنان وهي أبشع مسؤولية على وجه الأرض. إذا أمكنك تحملها ، خذ خذها وكن. وإن لم تستطع، ابتهج واتجه لعمل آخر.

 

 

المراجع

Ann Charters, Samuel Charters, Literature and Its WritersAn introduction to Fiction, Poetry, and Drama, University of Connecticut, Second edition.

Benet’s Reader’s EncyclopediaHarper Collins Publishers, third edition.

Czeslaw Milosz, “The Witness of Poetry”, Harvard University press, London, 1983.

English Teaching FORUM, volume 40, number 2, April 2002.

English Teaching FORUM, volume 41, number 3, July 2003.

English Teaching FORUM”, volume 47, number 1, 2009.

Eugene Nida, 1969, Principles of Correspondence, in Translation Studies Reader, ed. by S. Gabrielyan, Yerevan: Sahak Partev, 2007.

Ezra Pound, Guido’s Relations, 1969 in Translation Studies Reader, ed. by S. Gabrielyan, Yerevan: Sahak Partev, 2007.

Friedrich Shleiermacher,1813, On the Different Methods of Translating, in Translation Studies Reader, ed. by S. Gabrielyan, Yerevan: Sahak Partev, 2007.

John Dryden, 1680, The Three Types of Translation, in Translation Studies Reader, ed. by S. Gabrielyan, Yerevan: Sahak Partev, 2007.

John Strachan and Richard Terry, PoetryAn introduction, New York University Press, 2000.

Michael Meyer, The Bedford Introduction to Literature, University of Connecticut, Boston, third edition.

Petya Georgieva, Aspects of Poetry,  www.nbu.bg/PUBLIC/IMAGES.

Plato, “Poetry and inspiration” (translated by Benjamin Jowett), in Literature: Reading Fiction, Poetry, and Drama, ed. by Robert DiYanni, 2002.

Robert DiYanni, Literature: Reading Fiction,Drama, 5th edition, 2002.

Roman Jakobson, 1969, On the Linguistic Aspects of Translation, in Translation Studies Reader, ed. by S. Gabrielyan, Yerevan: Sahak Partev, 2007.

SOME POSSIBLE PROBLEMS IN TRANSLATING A POEM Poetry, and http://www.translationdirectory.com/article640.htm.

The Princeton Handbook of Multicultural Poetries, ed. by T.V.F.Brogan, New Jersey, Princeton University Press, 1996.

 [1]أنظر الصفحة 771 من:

 Robert DiYanni, Literature: Reading Fiction, Poetry, and Drama, 5th edition, 2002, page 771.

[2] أنظر الصفحتين 53 – 54 من:

 Seda Gabrielyan, “The Translation Studies Reader”, 2007, pages 53-54

[3] أنظر المرجع السابق ص 91.

[4] أنظر المرجع السابق ص 126- 130.

[5] أنظر المرجع السابق ص 161 – 167.

[6] تم ترجمة هذا الرسم وتعديله من:

“English Teaching FORUM”, volume 47, number 1, 2009.

[7] الهايكو هو قصيدة على شكل أبيات شعرية موزونة من الشعر الياباني، يحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. تتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر.

[8] قصيدة غنائية تتألف من أربعة عشر بيتا.

[9] مقطع شعري من بيتين.

[10] ثلاثة أبيات متتالية مقيدة قافية.

[11] John Strachan and Richard Terry, Poetry, An introductionNew York University Press, 2000, pages 25-47.

[12] Ann Charters, Samuel Charters, Literature and Its Writers, An introduction to Fiction, Poetry, and Drama, University of Connecticut, Second edition, page 837.

[13] أنظر:

Robert DiYanni, Literature: Reading Fiction, Poetry, and Drama, 5th edition, 2002, page 709-755.

[14] أنظر ص 25 من:

Czeslaw Milosz (1983). The Witness of Poetry. Harvard University press, London, page 25.

[15] أنظر ص 49 من:

John Strachan and Richard Terry, Poetry, An introductionNew York University Press, 2000, page 49.

[16] Plato, “Poetry and inspiration” (translated by Benjamin Jowett).

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

واقع الترجمة في العالم العربي

واقع الترجمة في العالم العربي

لقد وهنت حركة الترجمة في العالم العربي نتيجة تدني مستوى الحرية وتغليب المصلحة المادية والتجارية …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.