الرئيسية / الترجمة / تدريس استخدام القواميس لطلبة الترجمة

تدريس استخدام القواميس لطلبة الترجمة

أهمية تدريس استخدام القواميس لطلبة الترجمة

على الرغم من أنه كان هناك تطورا كبيرا في تعليم تقنيات وطرق الترجمة في العقدين الأخيرين، إلا أن استراتيجيات استخدام القواميس لم تبرز بوضوح فيها. فمثلا، ليس هناك تمرينات لتعليم الاستخدام الملائم للقواميس أو إشارة للمشاكل التي قد تسببها القواميس للمبتدئين.

المسألة الأولى التي تحتاج لمعالجة هي سبب وجود هذه الفجوة. ليس هناك شك في أن طلاب الترجمة يلجؤون باستمرار للقواميس التي يستخدمونها بدون تأهيلهم لذلك. ولذلك فإن الحاجة لتدريس استخدام القواميس تبدو واضحة. ومع ذلك، لم تتم معالجة هذه المسألة من قبل معلمي الترجمة حتى الآن.

يبدو أن أسباب هذا الوضع تكمن في الأساس النظري الذي يقوم عليه علم أصول تدريس الترجمة، والنقص المُلاحظ في مادة القواميس. ولكن، بينما لا ننكر أن “الترجمة تمرين في التأويل وتحليل ذكي للنص” (Delisle,1988: 48)، وليست فقط مجرد استبدال كلمة بأخرى، ليس هناك أيضا أدنى شك بأن التطورات الأخيرة في الصناعة المعجمية تدحض بعض الانتقادات التقليدية للقواميس. وبما أن القواميس مبنية على جسم كبير من مجموعات الوثائق، فهي ليست مقيدة بالمعاني الشائعة فقط. كما أن نهج مجموعات الوثائق يتضمن أيضا أن صناعة المعاجم، مثل الترجمة، تتعامل مع الكلمات في سياقها، أو بمعنى أدق، معنى المفردات في النصوص (R.R.K. Hartmann, 1989: 12).

من الانصاف القول أن قواميس اليوم تذهب إلى ما وراء المكافئ المفرد لكل كلمة، وتقدم بتزايد كلمات مع ترجماتها في السياق. وفي الواقع، فإن القواميس الحديثة توفر معلومات سياقية بعدة طرق مختلفة عبر الأمثلة (المأخوذة من قواعد بيانات مجموعات كبيرة جدا من الوثائق)، والكلمات السياقية، واسماء التخصصات. وبالإضافة إلى ذلك، فهي توفر التعريفات الجزئية في شكل مرادفات لإرشاد المستخدمين في اختيار مكافئاتهم.

ولكن كلما حُشرت معلومات أكثر في القواميس، كلما زادت معضلة الطلبة، لأنهم غير قادرين على إيجاد ما يحتاجون في كم المعلومات الهائل المتوفر. هذا ليس غريبا في ضوء حقيقة أن استخدام القواميس، كالترجمة، هو في حد ذاته تمرين في التأويل. ولكن من جهة، هناك الآن مفارقة ملائمة القواميس لأغراض الترجمة، ومن جهة أخرى، عدم قدرة طلاب الترجمة على الاستفادة من التحسينات المعجمية. فبدلا من المحاولة العبثية لنصح الطلاب بالابتعاد عن القواميس أو انتقاد استخدامهم السيء لها، أرى أنه قد حان الوقت لنا كمدرسين ترجمة أن ندرب الطلاب على استخدامها (كلا من أحادية اللغة وثنائيتها) في الأغراض الترجمية.

 

 

استراتيجيات لتحسين استخدام القواميس

يمكن تقسيم استراتيجيات لتحسين استخدام القواميس إلى أربعة فئات رئيسية على أساس الأهداف التالية:

  1. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من المفردات.
  2. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من القواميس.
  3. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من صيغ مدخلات القواميس.
  4. توضيح طرق الجمع بين تحليل النصوص، والترجمة، واستشارة القواميس.

تمثل هذه الفئات المشاكل الأربعة الرئيسية التي تواجه طلبة الترجمة كمعرفة ما لذي يبحثون عنه في القاموس، وأين يبحثون عن المعلومات المعجمية، وكيفية تأويل المعلومات المعجمية المتوفرة، ومعرفة متى وكيف يستشيرون القواميس أثناء عملية الترجمة.

 

1. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من المفردات

في كثير من الحالات يكون السبب في استهلال استشارة القاموس ببداية سيئة هو أن الطلاب غالبا ما يكونون قادرين على التعرف على المفردات المعقدة في نص اللغة المصدر. يجب أن نقوم بتوعية الطلبة بأنواع الربط الذي يمكن للكلمات أن تقوم به. وفي حين أنهم ليسوا في حاجة لمعرفة كل درجات الربط الموجودة، إلا أنهم يجب أن يُدرّسوا كيفية التمييز بين اللكمات المركبة، والعبارات الاصطلاحية، والمترافقات، لأن غالبا ما تتم معالجة هذه الفئات الثلاثة بطريقة مختلفة جدا في القواميس العامة. غالبا ما تعرض الكلمات المركبة كمدخلات رئيسية في القواميس الإنجليزية أحادية اللغة، أما في القواميس ثنائية اللغة فيتم تنظيم الكلمات المركبة والعبارات الاصطلاحية في أقسام فرعية منفصلة في مدخلات المفردات البسيطة. وعندما توجد مترافقات، يتم عرضها عادة مع التجمعات العادية في قسم الأمثلة. وبالتالي، يجب على الطلبة أولا أن يتعلموا التعرف على هذه الأنواع المختلفة من المفردات المعجمية قبل أن يكون بإمكانهم البحث عنها بطريقة ملائمة في القواميس.

يبدو أن أفضل طريقة لتعريف الطلاب بأنواع المفردات المعجمية تكمن في تحليل أمثلة محددة معهم لكل نوع مبين مسبقا في نص. ينبغي أن يقود هذا التحليل إلى عرض نظري مصحوب بأمثلة إضافية. ثم يتبع ذلك قراءة الطلبة لعدد من نصوص المصدر بهدف التعرف على الكلمات المركبة، والعبارات الاصطلاحية، والمترافقات الموجودة فيها. يبدو أنه من المفيد استخدام نصوص عامة نوعا ما لهذا الغرض، لأن النصوص المتخصصة جدا يوجد بها عدد قليل نسبيا من العبارات الاصطلاحية. من المهم اتباع كل تمرين مسح أو قراءة بمناقشة، حتى يفهم الطلبة الذين أحدثوا أخطاء في التعرف سبب في ذلك. كما أن هذه المناقشات ستبين للطلبة أن الفاصل بين الأنواع المختلفة للمفردات المعجمية ليس واضحا، وذلك هو السبب في أن ما يصنفه قاموس معين كعبارات اصطلاحية، يصنفه آخر كمترافقات. وعلى الرغم من هذه المشكلة، فإن التعرف على أنواع مختلفة من المفردات المعجمية سيسمح باستشارة فعالة للقواميس، لأنها تعامل بشكل مختلف في أنواع مختلفة من القواميس.

 

2. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من القواميس

يعتبر القاموس ثنائي اللغة العام الذي يعتمد عليه طلاب الترجمة كثيرا نوعا واحدا فقط من أصناف كثيرة من المعاجم التي يمكن (وينبغي) استخدامها في الترجمة. يبدو أن المشكلة تكمن في معرفة عدد قليل جدا من الطلاب بأي نوع وراء القواميس ثنائية اللغة العامة وأحادية اللغة (وربما واحد من كل منهما فقط!). إن العرض لمجموعة مفيدة من انواع القواميس المتبوع بحلقات دراسية يتم فيها اختبار نماذج لأنواع مختلفة ستساعد كثيرا على الاستخدام المتزايد لمجموعة متنوعة من القواميس المتوفرة.

هناك عدة تصنيفات للقواميس يمكن استخدامها في العرض، ولكن ينبغي أن يقيّد المعلم تعليقاته لأنواع القواميس الأكثر إفادة في الترجمة بلغات الطلاب (وهي العربية والإنجليزية في الحالة الليبية). ونظرا لشعبية القواميس ثنائية اللغة بين طلاب الترجمة، فقد يكون نت الأفضل البدء بتقديم الطلاب لأنواع مختلفة منها. وبالتالي ينبغي التمييز بين القواميس ثنائية اللغة العامة والمتخصصة. الاختلاف الآخر الذي يحتاج إلى توضيح هو الفرق بين المعاجم المتخصصة المحصورة في تخصص واحد، وقواميس الأغراض الخاصة التي تعتني بسمة واحدة من اللغة فقط كاللهجة، العامية، العبارات الاصطلاحية أو المترافقات. كما يجب التنبيه إلى أنه ليست كل القواميس ثنائية اللغة في اتجاهين (إنجليزي – عربي و عربي – إنجليزي)، ولكن الكثير من القواميس احادية الاتجاه تحتوي على دليل (أو فهرس) عكسي يدل المستخدم لجزء القاموس الذي يمكنه أن يجد فيه المعلومات التي يحتاجها.

يجب أن تُتبع دراسة القواميس ثنائية اللغة باختبار مماثل للقواميس الأحادية الانجليزية والعربية، والتي ينبغي أن تتضمن ليس فقط الفئات المذكورة أعلاه ولكن أُخريات أيضا. فعلى سبيل المثال، هناك قواميس أحادية اللغة لمتعلمي اللغات الأجنبية على عكس التي للناطقين الأصليين، وقواميس أحادية اللغة لصغار الناطقين الأصليين التي غالبا ما تحتوي على تعريفات أوضح، ومعلومات عن المترافقات، وأمثلة أكثر عن الكلمات في السياق من تلك القواميس المُستهدفة للعامة. كما يجب أن يتم تعريف طلاب الترجمة الليبيين بالقواميس العربية أحادية اللغة مثل ‘لسان العرب’، ‘مختار المحيط’، ‘الصحاح في اللغة’ وغيرها. وفي الحقيقة ينبغي أيضا عند هذه النقطة تعريف الاطلاب بقواميس المرادفات التي تشكل مساعدة كبيرة للمترجمين، وخصوصا في مرحلة المراجعة. النقطة الأخيرة التي تنطبق على كلا من القواميس أحادية وثنائية اللغة العامة لها علاقة بالحجم الذي يحسب بعدد الكلمات التي تتم تغطيتها في القاموس. يجب تحذير الطلبة من خطر استعمال أي قاموس عام حجمه أصغر من قاموس طلبة الكليات، إلا إذا كان هناك سببا خاصا للقيام بذلك (مثل استخدام قاموس للمتعلمين من أجل معلومات عن مترافقات)، وينبغي تعريفهم بالقواميس شبه المختصرة وغير المختصرة التي ربما لم يستعملوها أبدا.

ينبغي أن يتبع عرض واختبار هذه الأنواع المختلفة من القواميس تمرينات عملية متنوعة. على سبيل المثال، يمكن اعطاء الطلبة نص مصدر معين به مفردات من انواع مختلفة تحتها خط والطلب منهم استشارة قاموسين لإيجاد معانيهم، واثنين آخرين لإيجاد مكافئاتهم المحتملة. بتحديد عدد القواميس التي يمكن استشارتها، فإن المعلم يجبر الطلاب على اختيار القواميس الأكثر ملائمة للتمرين. وهكذا مثلا إذا كانت المفردة المعجمية كلمة مركبة، فمن المحتمل أكثر أن يجد الطلاب معناها في قاموس غير مختصر أو شبه مختصر من أن يجدوها في قاموس للمتعلمين. وينبغي أن تناقش نتائج البحث في القاموس في الفصل حتى تتم توعية الطلبة ليس فقط بالأنواع المختلفة للمعاجم، ولكن أيضا بالاختلافات في الجودة بين القواميس من نوع معين. يتمثل التمرين الآخر الذي يمكن دمجه في مهام الترجمة الاعتيادية في جعل الطلبة يقدمون ترجمة مزودة بحواشي تبين كل مفردة معجمية تم البحث عنها في القاموس، مع عناوين القواميس الت تمت استشارتها. إن شأن هذا التمرين أن يعد الطلبة للترجمة في البيئة المهنية التي عادة ما يُطلب فيها من المترجمين تبيان مصادر معلوماتهم.

ولكن استشارة القواميس تنطوي على أكثر من مجرد إيجاد القاموس الذي يوفر المعلومات عن مفردة معينة. فهي تتضمن كل المعلومات ذات العلاقة المذكورة أعلاه بدون الاضاعة غير الضرورية للوقت. ولكي يكونوا قادرين على فعل ذلك، ينبغي أن يكون الطلبة على علم بصيغ مدخلات القواميس.

 

 

3. تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من صيغ مدخلات القواميس

تختلف صيغ المدخلات كثيرا ليس من نوع قاموس لآخر فحسب، ولكن أيضا من نوع معين من القواميس لآخر. على سبيل المثال، ففي حين توفر الكثير من القواميس ثنائية اللغة المتخصصة الكلمة المدخلة ومكافئ اللغة الهدف، بالاضافة إلى تعريفها والاشارة إلى شبه المرادفات والكلمات المرتبطة بها، لا تفعل القواميس الأخرى ذلك. وبينما سيستغرق الاختبار الجماعي في الفصل لصيغ المفردات في كل القواميس التي يمكن أن تكون مفيدة لطالب الترجمة، يبدو من المهم أن يتم قضاء الوقت في دراسة تلك القواميس الثنائية العامة المتداولة على الأقل، لأن الكثير من أخطاء الطلاب يمكن عزوها للقراءة السيئة للمعلومات في مثل تلك القواميس.

يمكن أن يسترشد التحليل بسلسلة من الأسئلة المبنية على عينة من المفردات المعجمية المختارة من قبل الأستاذ على أساس مفردات محددة مبينة في نص مصدر. ولكن يجب أن يتم اختيار كل من النص المصدر والمفردات المعجمية التي يتم فحصها بعناية لكي تسمح للطلاب بإيجاد الأجوبة لكل الأسئلة التي يحتاج الأستاذ لطرحها حتى يلفت الانتباه إلى عناصر مدخلات معينة. ينبغي أن تغطي هذه الأسئلة نوع المفردات المعروضة في مدخلات فرعية بدلا من المدخلات الرئيسية، وشمولية المعاني المغطّاة، وترتيب المعاني، ونوع وعدد الأمثلة المعروضة، وترتيب الأمثلة، واحتواء المترافقات والعبارات الاصطلاحية، والكلمة الرئيسية المعروض تحتها المترافقات والعبارات الاصطلاحية ومكانها في المدخلة، والطريقة المعروض بها المعلومات السياقية، وأدوات التفرقة بين المعاني والأساليب. يمكن تجهيز الاجابات كتمرين في المنزل بحيث تشكل أساسا لمناقشة تالية في الفصل، أو يمكن أن يتم الاجابة عن الأسئلة كتمرين لمجموعات صغيرة في الفصل بحيث تركز كل مجموعة على نوع معين من القواميس. كما يجب أن يتبع هذا التحليل بتوضيحات حول عدد معين من المفردات المعجمية في نص مُترجم. ويجب أن تكون هذه التوضيحات مفصلة أكثر من تلك التي تمت مناقشتها اعلاه في رقم 2، بحيث لا تبين فقط القواميس التي استخدموها في البحث عن المفردات، ولكن أيضا سبب انتقاء خيار الترجمة على أساس معايير مثل المعلومات السياقية، أدوات التمييز بين المعاني والأساليب، وأمثلة الاستخدام الموجودة في القواميس. ستسمح هذه التعليقات للمعلم بالتأكد من أن الطلاب قد فهموا قواميسهم بطريقة صحيحة، إن لم يستخدموها بفعالية.

 

 

4. توضيح طرق الجمع بين تحليل النصوص، والترجمة، واستشارة القواميس

ينطوي استخدام القواميس الفعال على معرفة متى يجب استشارتها، وأيها ينبغي استشارته في مرحلة معينة، وكيفية دمج المعلومات المعجمية مع المعلومات السياقية. هذه المهارة، اللازمة لطلاب الترجمة، يمكن اكتسابها بسهولة من خلال الإرشاد والتمرين المراقب أكثر من اكتسابها بالتجربة والخطأ. يحتاج الطلاب عند هذه النقطة إلى أن يتم إرشادهم عبر مراحل الترجمة الثلاثة (تحليل النص المصدر، الترجمة، ومراجعة الترجمة) باستخدام أمثلة واقعية، وتوضيح كيفية جمع استشارة القاموس مع كل مرحلة.

هل ينبغي تشجيع استخدام القاموس من المرحلة الأولى؟ أم هل إن استشارة القاموس في هذه المرحلة ستعيق التحليل النصي؟ تنقسم المفردات في النص إلى ثلاثة فئات تشمل تلك التي يعرفها الطلاب جيدا ومعناها الدقيق واضح في النص، وتلك التي يعرفونها بشكل غامض والتي تجذبهم للبحث عنها مباشرة في قاموس ثنائي اللغة لأغراض الترجمة، وتلك التي لا يتعرف عليها الطلاب. غالبا ما يؤدي الاستخدام الفوري للقواميس لحل مشاكل الأخيرة إلى نتائج غير ملائمة في تحليل السياق. وبناء على ذلك، يبدو أنه من المفيد منع القواميس أثناء مرحلة التحليل حتى يقرأ الطلاب النص بالكامل ويحاولون معرفة معاني مفردات معجمية مختلفة في السياق. وينبغي أن يُطلب من الطلاب وضع خط تحت المفردات المعجمية التي لا يفهمون معناها بشكل كامل، وبعدئذ يُبين لهم كيف أن المشاكل التي تسببها غالبا ما يمكن حلها أو على الأقل الحد منها بواسطة دراسة كاملة للعلامات النحوية والدلالية في السياق، وعن طريق تحليل العوامل الظرفية للنص.

ينبغي أن يُظهر النقاش الذي يلي مثل هذا التحليل أي مفردات معجمية لا تزال غامضة في أذهان الطلبة، وينبغي أن يبحثوا عنها هي فقط في قاموس مناسب. عند هذه النقطة، سيكون القاموس الملائم هو قاموس أحادي للغة المصدر، لأنه، على الرغم من اضافة بعض التعريفات الجزئية في عدد من القواميس ثنائية اللغة، فإن الهدف منها ليس تزويد المستخدمين بدلالات مفصلة عن معاني عناصر اللغة المصدر. ووفقا للطبيعة الخاصة أو العامة لعناصر اللغة المصدر، يتم إرشاد الطلاب للقاموس الملائم سواءا كان متخصصا أو عاما. ويمكن التأكد من اختيارهم للمعنى الملائم واستيعابهم للتعريفات المتوفرة بجعلهم يقومون بإعادة صياغة جملة النص المصدر الذي يحتوي على المفردة المعجمية الصعبة، ورؤية ما إن كانت إعادة الصياغة تعطي معنى في النص أو لا.

حالما تنتهي مرحلة تحليل النص المصدر، يبدأ عمل الترجمة الفعلي. وهنا أيضا، ينبغي تشجيع الطلاب على عدم الاتجاه للقواميس مباشرة لإيجاد الحلول. ويجب تذكيرهم بإضافة بيتر نيومارك (Newmark , 1981: 16) بأنه في حالة اللغة غير الموحدة نادرا ما يكون هناك مكافئ واحد صحيح، برغم أنه غالبا ما يكون هناك واحدا فقط في اللغة الموحدة. ومن بين المفردات المعجمية التي يشعرون أنهم لا يستطيعون ترجمتها، ينبغي مساعدتهم في التمييز بين المصطلحات الموحدة، المترافقات، العبارات الاصطلاحية، والمفردات المعجمية غير الموحدة. وبعدها يُسمح لهم باستشارة قاموس ثنائي اللغة ملائم من أجل النقطة السابقة فقط. وبعدئذ ينبغي أن يُطلب منهم إعادة التعبير عن المعلومات المعجمية التي يشتمل عليها باقي النص بدون أن يكون لديهم مكافئ لها في اللغة الهدف يعرفونه جيدا. وفقط عندما يجربون هذه الترجمة الصياغية، وعندما تتم مناقشة النص الناتج يُسمح لهم باستخدام قواميسهم ثنائية اللغة لإيجاد طريقة دقيقة وربما ملائمة أسلوبيا أكثر لترجمة بعض المفردات المعجمية. وبعد العمل بالفعل مع الترجمة الصياغية، ينبغي أن يكونوا قادرين على تقرير ما إذا كان المكافئ الذي يقترحه القاموس يلائم السياق الكلي أم لا، ليس فقط للنص المصدر، ولكن لسياق النص الهدف أيضا.

وينبغي أن يُطلب من الطلاب في المرحلة الثالثة ترك قواميسهم ثنائية اللغة والعمل فق مع قواميس أحادية اللغة متنوعة. وعند هذه النقطة سيكون عليهم التحقق من المعنى الدقيق لمكافئات اللغة الهدف الغير متأكدين بشأنها التي وجدوها في القاموس ثنائي اللغة عن طريق استشارة قاموس أحادي اللغة. ويمكنهم هنا أيضا أن يلتفتوا إلى قواميس المترافقات أو قواميس المتعلمين للتأكد، مثلا، من أنهم استخدموا الفعل المعتاد مع اسم معين. وهذا هو وقت الاتجاه لقواميس المرادفات في محاولة لتنويع المفردات المستخدمة أو لإيجاد المرادف الأكثر دقة لترجمة فارق دقيق أو سجل. وسيتبع القراءة الأخيرة للنص الهدف مقارنته بالنص المصدر للتأكد من أن التحسينات في مفردات النص الهدف لم تقود إلى حذف، إضافة أو تشوه للنص الأصل.

المقصود من التمرين الأول هو بيان استشارة القواميس أثناء عملية الترجمة كلها، ويمكن تتبعه من حين لآخر بفحوص استكشافية لاستخدام القواميس خلال مراحل محددة. فمثلا، يمكن أن يُطلب من الطلبة القيام بتحليل نص مصدر والبحث عن معاني عدد من المصطلحات محددة مسبقا كواجب في البيت يُراد استخدامه كتمرين ترجمة نظري في الفصل. ويمكن بعدها التأكد من تحليلهم السياقي للعناصر المعجمية الأخرى بسرعة قبل بدء الترجمة النظرية. وهناك تمرين آخر يمكن استخدامه لإجبار الطلبة على تقييد استعمالهم للقواميس واستخدامها بفعالية.  ويتمثل هذا التمرين في التدرب على الترجمة النظرية كما تمارس في برامج التدرب على الترجمة الفورية. يتم تسليم نص مصدر للطلاب لم يروه من قبل، ويُعطوا فترة زمنية قصيرة لقراءته، وتحليله، وإيجاد المكافئات اللازمة، ومن ثم يُطلب منهم ترجمة النص بصوت عالي في جهاز تسجيل. وعلى عكس طلاب الترجمة الفورية، يمكن اعطاء طلاب الترجمة التحريرية وقت تجهيزي أكثر والسماح لهم باستخدام أي قواميس يحبذونها أثناء هذه الفترة. ولكن نظرا لفترة الاعداد المحدودة، سنجدهم يتعلمون بسرعة متى يستخدمون القواميس فقط عندما تكون الحاجة لذلك أساسية. وبالتالي سيتعلمون بشكل أفضل دور استشارة القاموس في عملية الترجمة.

 

 

الخاتمة

ماهي القواميس التي يجب استخدامها، وكيفية الاستفادة القصوى من القواميس، وكيفية استخدام القواميس بفعالية في عملية الترجمة تعتبر كلها في نظري مكونات مكملة لعلم تدريس الترجمة. ولكن متى ينبغي تغطية هذه المكونات؟ من المسلم به عموما في معظم برامج تدريب الترجمة المهنية، التي غالبا ما تتضمن ليس فقط مواد ترجمة ولكن أيضا مادة توثيق، أن استخدام القواميس يدمج مع الأخيرة. وبينما يكون هذا ممكنا على الأقل في حالة الهدفين المحددين أعلاه (تعريف الطلاب وتعويدهم على أنواع مختلفة من المفردات والقواميس)، عالبا ما يكون هذا الحل غير كافيا. ولأن مثل هذه المادة يعطيها شخص وثائقي أو مكتبي أحيانا وليس مترجما، قد لا يتم الربط بين عملية الترجمة الفعلية واستخدام القاموس بطريقة ملائمة. وعلى أية حال، لازال هناك برامج ترجمة مهنية لا يوجد بها مادة توثيق. كما أنه نادرا ما يتم تكملة دورات الترجمة الأكاديمية (إن لم نقل أبدا) بمثل هذه المادة. وبالتالي يبدو من المنطقي تضمين تمرينات استخدام القاموس في أول مادة ترجمة تُعطى.

ولكي يتم تأخير تقديم الترجمة نفسها في دورة الترجمة، قد يكون من الجيد البدء بالهدف الرابع، أي توضيح طرق الجمع بين تحليل النص، الترجمة، واستشارة القواميس. إن العمل من خلال ترجمة النص في الفصل، مع الاستشارة المتحكم بها لعدد من القواميس المقترحة من المعلم، ستسمح للأخير بالعرض المتلازم للمراحل المختلفة لعملية الترجمة ودور القواميس في العملية، وفي نفس الوقت تعريف الطلاب ببعض الأنواع الأساسية من القواميس ومساعدتهم في اكتشاف المعاني الموجودة فيها. يمكن أن يتبع هذا بعمل محدد أكثر حول كل هدف من الأهداف الأربعة، إما في هيئة تمرينات مكملة للترجمة، أو في شكل تعليقات على الترجمات.

ومهما كان الشكل، فإن تحسين استخدام القاموس يعتبر ضرورة للطلاب الذين يتعلمون الترجمة. لأن، كما يعترف كل معلمي الترجمة، الطلاب لا يملكون لا المعرفة ولا قوة الارادة للابتعاد عن القواميس نهائيا. كما أن الامتناع عن استخدام القواميس غير محبذ، لأنه فقط باستخدام الأدوات المعجمية يمكن للطلاب توسيع معرفتهم المعجمية إلى النقطة التي يصبحون فيها بحاجة إلى استشارة القواميس بأقل درجة. الأساسي إذن هو ليس تجنب استخدام القاموس إما بسبب المبادئ النظرية أو أنه سيتم التعامل معها في أماكن أخرى مع شخص آخر، ولكن لجعل استخدام القاموس مكون أساسي من مكونات تعليم الترجمة.

 

 

المراجع

DELISLE, J. (1988). Translation: an Interpretive Approach. Ottawa, University of Ottawa Press.

HARTMANN, R.R.K. (1989). “Lexicography, Translation and the So-called Language Barrier.” Translation and Lexicography. Ed. M. Snell-Hornby and E. Pohl. Kirksville, Missouri, NMSU, pp. 9-20.

NEWMARK, P. (1981). Approaches to Translation. Oxford, Pergamon Press.

 

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

أهمية الترجمة

أهمية الترجمة

مقدمة إن أهمية الترجمة في حياتنا اليومية متعددة الأبعاد على نطاق واسع. فالترجمة لا تمهد …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.