تحليل النص قبل ترجمته

مايو 6, 2017 أ. فرج محمد صوان
تركز المناقشة في هذا القسم على مرحلة التحليل في عملية الترجمة. وأول شيء فعله هو قراءة النص المصدر كاملا لنصل من خلال ذلك إلى:
•         فهم النص وعما يتكلم
•         لتحليله من وجهة نظر المترجم لكي نحدد نيته وكيف تمت كتابته حتى نتمكن من:
•         التعرف على المشكلات / التحديات
•         تحديد طريقة الترجمة المناسبة
لا يكفي طبعا لقراءة النص مرة واحدة فقط، ويفضل أن نقوم أولا بما يسمى بالفراءة العامة لمعرفة جوهر أو فكرة النص العامة.

ثم نخضع النص للقراءة الدقيقة لتحديد أية مشاكل محتملة، مثل الكلمات التي تحتاج إلى البحث عنها في القاموس أو التراكيب النحوية التي قد تخدم أغراضا محددة وكذلك أي عناصر أخرى في النص التي قد تشكل تحديا للمترجم.

ربما يحتاج المترجم حتى إلى القيام ببعض البحث في موضوع النص، لأنه إذا فهم النص جيدا، فسيسهل عليه إيصال المعلومات لقراء النص الهدف. ولإنجاز ذلك يجب أن يتأكد المترجم من فهم جوانب النص المصدر التالية قبل بدء ترجمته:
•         موضوع النص نفسه
•         نطاق موضوع النص الأوسع (هل هو عن السياسة، الاقتصاد، العلاقات الدولية، إلخ؟). ويمكن للمترجم هنا معرفة أسلوب وطريقة  كتابة النص من خلال تحديد ما يلي:
•         موقف الكاتب تجاه الموضوع (هل هو ذاتي أو موضوعي؟).
•         نوايا الكاتب / الغرض من النص.
•         المسار الجدلي للنص واستنتاجاته.
•         أسلوب النص.
•         درجة التباين داخل النص.
•         تماسك وترابط جمل النص
يمكن للمترجم أن يستخدم عناصر من علم اللغة النصي والبرجماتية في تحليلاته. وفي ما يلي، سوف نلقي نظرة على بعض هذه الجوانب بمزيد من التفصيل.

النوايا والمواقف

هناك نية وراء كل النصوص. نقصد بالنوايا فهم نوايا كاتب النص المصدر (الخفية) أو الأجندة الكامنة وراء النص، أو كما يقول نيومارك (Newmark) “موقف كاتب اللغة المصدر تجاه الموضوع “. غالبا ما يسطع القصد من النص في اختيار الكاتب للكلمات والتراكيب النحوية.
ربما تكشف طريقة الالقاء في النص أن القصد من وراء النص ليس اطلاع القراء على الاتفاق السياسي الليبي بقدر ما هو انتقاده.
ربما قد تكون مجموعة المصطلحات التالية من البرجماتية مفيدة:
• أسلوب الكلام أو المحتوى المقترح (locution): المحتوى المفاهيمي الذي تعبر عنه الكلمات والتراكيب في الكلام.
• نوايا المرسل الكامنة وراء الكلام (illocution).
• تأثير ذلك على المتلقي (perlocution).
في الأساس، يجب أن يكون للنص الهدف نفس قوة نوايا المرسل الكامنة وراء الكلام (ونفس التأثير على المتلقي) مثل النص المصدر، وهكذا، فإن التحدي الذي يواجه المترجم هو ليس فقط نقل أسلوب الكلام، أو المحتوى المفاهيمي، ولكن أيضا نفس التأثير على المتلقي في النص الهدف وفقا لأي معايير مطبقة في الثقافة المرتبطة باللغة الهدف.
يجب على المترجم قراءة النص بشكل دقيق ليكون قادرا على التعرف على النوايا وراءه. على سبيل المثال، هل الهدف هو نوع من النداء، لتوصيل المعلومات بموضوعية، أو للتسويق الذاتي لفكرة ما، إلخ؟
سيكون على المترجم أيضا النظر في ما إذا كان يريد الاحتفاظ أو تغيير جودة الكتابة في اللغة الهدف. وثمة مشكلة هنا، خصوصا في الترجمات الإنجليزية-العربية، وهي أنه غالبا ما يكون هناك ميل للاحتفاظ بالكثير من بنية النص الانكليزي في النص العربي الهدف، لأن بنية اللغة الإنجليزية تعتبر كتابة جيدة. ولكن المشكلة هي أن نقل التراكيب الإنجليزية مباشرة إلى النصوص العربية يجعلها تبدو مصطنعة أو ليست عربية (يجب تذكر أنه لابد من مراعاة أن يكون النص طبيعيا).

جمهور القراء

يعتمد الاهتمام بجمهور القراء على الموقف، والنص، والمهمة، ولكن عموما يجب على المترجم معرفة قراء النص الهدف هي وينبغي أن تستهدف ترجمته القارئ المثالي الذي يمثل نوع من النمطية المعممة من القراء المقصودين. سيكون عليه النظر في معايير مثل العمر، الجنس، والخلفية التعليمية و الطبقة الاجتماعية، ، والتوجه الديني، والموقف السياسي، والخبرة، الخ.
المقاييس الأسلوبية (Stylistic scales)
الأسلوب هو استخدام الكلمات والتراكيب النحوية وفقا لعامل سياقي معين. يعتمد أسلوب النص على الكثير من العوامل. احد معالم الأسلوب هو نوع النص نفسه. يعمل منظري الترجمة تقليديا مع أربعة أنواع من النص. تُعرف هذه الأنواع الأربعة أساسا من حيث فئات الكلمات وتراكيب العبارات التي تظهر عادة في النص، وكيفية خدمتها لغرض النص.
وتتمثل أنواع النص الأربعة في:
1.      السرد: تسلسل دينامي للأحداث يتم التركيز فيه عادة على الأفعال، والأفعال المساعدة، والعبارات الإسمية المشتقة (مثل adverbial noun phrases)
2.      الأوصاف: يعتبر الوصف ثابت مع التركيز على أفعال الحبك، والصفات والأسماء الوصفية (adjectival nouns).
3.      المناقشة: معالجات الأفكار مع التركيز على الأسماء المجردة، والأفعال المعرفية والحجة المنطقية وحروف العطف وأدوات الربط.
4.      الحوار: التركيز على العامية و (phaticisms)
تجدر الإشارة إلى أن الحدود الفاصلة بين هذه ليست واضحة، وأنه يمكن أن تظهر ملامح احد أنواع النصوص في نوع آخر بسهولة.
غالبا ما توصف أساليب النصوص من حيث المقاييس الأسلوبية، لأنه يعتقد أن الأسلوب مسألة عددية. وفيما يلي مقاييس نيومان (Newman’s scales):
•         مقياس الرسمية (scale of formality): التصريحات الرسمية> مسؤول> رسمي> محايد> غير رسمي> اصطلاحي> عامي> بذئ.
•         مقياس العمومية / الصعوبة (scale of generalisability/ difficulty ): بسيط> شعبي> محايد> متعلم> تقني> تقني غامض.
•         مقياس النبرة العاطفية (scale of emotional tone): مكثف> دافئ> واقعي> تهكمي.
 بالإضافة إلى ذلك، يعمل منظرين آخرين للترجمة بالمقاييس التالية:
•         مقياس الأدب (scale of politeness): مهذب> محايد> غير مهذب.
•         مقياس اللاشخصانية (scale of impersonality): موضوعي / غير شخصي> ذاتي / شخصي
•         نطاق الوصول (scale of accessibility): ضمني (صعب)> صريح (سهل الوصول)
غالبا ما تختلف كيفية تطبيق هذه الأبعاد بشكل مناسب من لغة إلى لغة، حتى إذا كانت الإعدادات والأغراض هي نفسها، ولذلك فإن التحدي الذي يواجه المترجم هو إيجاد أسلوب مناسب مقابل في اللغة الهدف.
وبعد أن يقوم المترجم بتحليل النص المصدر كما وضحنا أعلاه، فسيتمكن من خلال اتباع الخطوات التالية من إنتاج نفس المعنى بلغة أخرى.
1.      افحص النص.
2.      قراءة النص ببطء ووضع خط تحت الكلمات التي لا تعرفها.
3.      تحقق من معاني الكلمات غير المعروفة في القاموس المفضل لديك.
4.      قراءة النص مرة أخرى.
5.      كتابة مسودة الترجمة الأولى.
6.      مراجعة المسودة الأولى والتحقق من ترابط المعنى والأخطاء الإملائية والاسلوب اللغوي. إيلاء الاهتمام للاختلافات في ترتيب الكلمات بين اللغتين.
7.      إعادة كتابة المسودة وفقا لذلك.

العمل مع النص الهدف

بعد أن ناقشنا المرحلة الأولى والثانية من عملية الترجمة، يمكننا الآن أن ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة التنقيح.لا يعطي الكثير من الناس النص المستهدف الاهتمام الذي يستحقه، وهذا يعني أنه سيكون في كثير من الأحيان موسوما بعدم الطبيعية والترجمات الخاطئة التي أن ربما لا يكون المترجم قد رصدها. الأمر هو أن عملية الترجمة لا تتوقف بإنتاج النص الهدف الذي يعتبر ترجمة للنص المصدر.

يجب أن يكون النص الهدف نفسه قادرا على “الوقوف وحده” كما هو، وينبغي أن يكون نصا مستقلا. يجب أن يُقرأ كنص أصلي مكتوب باللغة الهدف. وهذا يعني أنه بمجرد الانتهاء من المرحلة الثانية، لا بد من النظر بدقة في النص الهدف للتأكد من اختفاء كل آثار النص المصدر، حتى لا يقدم النص الهدف نفسه كترجمة ضعيفة لنص آخر. وهذا يعني أنه ينبغي على المترجم قراءة النص الهدف أكثر من مرة، مثلما يقرأ النص المصدر عدة مرات في المرحلة الأولى.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

الوسوم: