الرئيسية / البحث العلمي / تحديد مشكلة البحث

تحديد مشكلة البحث

مقدمة

إن أهم خطوة في عملية البحث تكمن في اختيار وتحديد مشكلة البحث بطريقة دقيقة. يجب على الباحث أن يحدد المشكلة ويصوغها حتى تصبح قابلة للبحث. ومثل الطبيب، يجب أن يختبر الباحث كل الأعراض (المعروضة عليه أو التي لاحظها) المتعلقة بالمشكلة قبل أن يتمكن من تشخيصها بطريقة صحيحة. ولكي يحدد المشكلة بطريقة صحيحة، يجب على الباحث معرفة ماهية المشكلة أو ماذا تكون؟

 

ما هي مشكلة البحث؟

تشير مشكلة البحث عموما إلى الصعوبات التي تواجه الباحث في سياق موقف نظري أو عملي ويريد أن يجد لها حل. وعادة ما نقول أن هناك مشكلة بحث إذا ما توافرت الشروط التالية:

  1. يجب أن يكون هناك س من الناس (أو مجموعة من الأفراد أو منظمة)، تعزى له المشكلة. هذا الفرد أو المنظمة، وفقا للحالة، يشغل بيئة ن، والتي تعرّف بقيمة المتغيرات صﺞ .
  2. يجب أن يكون هناك مساري عمل ب1 ، و ب2 يتم تتبعهم. يعرف مسار العمل بأنه واحد أو أكثر من قيم المتغيرات المتحكم بها. على سبيل المثال، يشار إلى عدد العناصر التي تم شراؤها في نقطة معينة من الزمن بمسار العمل.

 

  1. يجب أن يكون هناك على الأقل اثنين من النتائج الممكنة لمسار العمل، ف1 و ف2 مثلا، والتي يكون أحدها مفضلا عن الآخر. بمعنى آخر، هذا يعني أنه يجب أن تكون هناك على الأقل نتيجة واحدة يريدها الباحث، أي أنها الهدف.

 

  1. يجب أن يوفر مسارات العمل الموجود بعض الفرص للوصول إلى الهدف، ولكن لا يجب أن توفر نفس الفرص، وإلا فإنه لن يكون الاختيار مهما. وبمعنى آخر، يمكننا القول أن لا تكون فعالية الخيارات متساوية في الوصول للنتيجة المرجوة.

 

وفوق كل هذه الشروط، يمكن القول أن الفرد أو المنظمة لديه مشكلة فقط إذا كان س لا يعرف أي مسار عمل هو الأفضل، أي بمعنى أن س واقع في شك حول الحل. وبالتالي، يمكننا القول بأن الفرد أو مجموعة من الأفراد لديهم مشكلة ويمكن وصفها تقنيا بمشكلة البحث، إذا كان يرغبون (الفرد أو مجموعة الأفراد) في نتائج، وواجههم مسار عمل أو اكثر لديهم بعض الفعالية ولكن ليست متساوية للوصول للهداف أو الأهداف المرجوة وهم في شك حول أي مسار عمل هو الأفضل.

 

يمكننا، بالتالي أن نحد عناصر مشكلة البحث كما يلي:

(أ) يجب أن يكون هناك فرد أو مجموعة التي لديها صعوبة ما أو مشكلة.

(ب) يجب أن يكون هناك هدف (أهداف) يمكن تحقيقه. إذا لم يريد أحد أي شيئ، فلا يمكن أن تكون هناك مشكلة.

(ج) يجب أن تكون هناك وسائل بديلة (أو مسارات عمل) للوصول إلى الهدف (الأهداف) الذي يرغب المرء في تحقيقه. وهذا يعني أنه يجب أن تكون هناك اثنين على الأقل من الوسائل المتاحة للباحث لأنه إذا لم يكن لديه أي خيارات من الوسائل، فلا يمكن أن تكون لديه مشكلة.

(د) يجب أن يبقى بعض الشك في ذهن الباحث فيما يتعلق باختيار البدائل. وهذا يعني أن البحث يجب أن يجيب على سؤال يتعلق بنسبية كفاءة البدائل الممكنة.

(ت) يجب أن يكون هناك بيئة (أو أكثر) تتعلق بها الصعوبة.

 

وهكذا، فإن مشكلة البحث هي تلك التي تتطلب من الباحث معرفة أفضل حل لمشكلة معينة، أي معرفة أي مسار عمل يمكن أن يحقق الهدف على النحو الأمثل في سياق بيئة معينة. هناك العديد من العوامل التي قد تزيد من تعقيد المشكلة. على سبيل المثال، البيئة قد تتغير وتؤثر على كفاءة مسارات العمل أو قيم النتائج؛ كما عدد مسارات العمل البديلة قد يكون كثير جدا. قد يتأثر الأشخاص غير المشاركين في اتخاذ القرار به ويقوموا بالرد على ذلك بشكل ايجابي أو بالسلب، وعوامل أخرى مماثلة. ربما يجب التفكير في كل هذه العناصر (أو على الأقل المهمة منها) في سياق مشكلة البحث.

 

 

اختيار المشكلة

يجب أن يتم اختيار مشكلة البحث التي ستجرى عليها الدراسة بعناية. المهمة صعبة، على الرغم من أنها قد لا تبدو كذلك. يمكن أن طلب المساعدة من استشاري أو مرشد بحوث في هذا الصدد. ومع ذلك، يجب على كل باحث معرفة أن خلاصه من مشكلاته البحثية لا يمكن أقتراضه. وهناك يجب أن تنبع المشكلة من عقل الباحث مثلما يظهر النبات لوحده من بذوره. إذا احتاجت عيوننا لنظارات، فليس فاحص البصر وحده هو الذي يقرر رقم العدسة اللازمة. علينا أن نرى بأنفسنا ونمكنه من يصف لنا الرقم الصحيح من خلال التعاون معه. وبالتالي، غالبا ما يمكن لمشرف البحث مساعدتنا فقط في اختيار الموضوع. ومع ذلك، يمكن ملاحظة النقاط التالية من قبل الباحث في اختيار مشكلة البحث أو موضوع البحث:

 

(أ) لا ينبغي أن يتم اختيار الموضوع الذي تمت دراسته باستفاضة، لأنه سيكون من الصعب إضافة أي جديد في مثل هذه الحالة.

(ب) لا ينبغي أن يصبح الموضوع المثير للجدل من بين اختيارات ​​الباحث العادي.

(ج) يجب تجنب المشاكل الضيقة جدا أو الفضفاضة جدا.

(د) يجب أن يكون الموضوع المختار للبحث مألوف ومجدي بحيث تكون مواد البحوث ذات الصلة أو مصادر البحث في متناول اليد. حتى عندها يكون من الصعب جدا توفير أفكار محددة بشأن الكيفية التي ينبغي على الباحث الحصول بها على أفكار لبحثه. لهذا الغرض، يجب على الباحث الاتصال بخبير أو أستاذ في الجامعة لديه خبرة بالفعل في مجال البحث. ربما يتحتم عليه أيضا قراءة الدراسات المنشورة حديثا في الأدبيات المتوفرة حول الموضوع ويفكر في امكانية تطبيق التقنيات والأفكار التي تمت مناقشتها فيها لحل مشاكل أخرى. ويجوز له أن يناقش مع الآخرين ما يفكر به فيما يتعلق بالمشكلة. بهذه الطريقة سيبذل كل الجهود الممكنة لاختيار المشكلة.

(هـ) أهمية الموضوع، والمؤهلات وتدريب الباحث، والتكاليف، وعامل الوقت وبعض المعايير الأخرى التي يجب أيضا أخذها في الاعتبار عند اختيار المشكلة. وبعبارة أخرى، قبل أن يتم الاختيار النهائي للمشكلة، يجب على الباحث أن يسأل نفسه الأسئلة التالية:

 

  • ما إذا كان مستعد ومجهز جيدا من حيث خلفيته لتنفيذ البحث؟
  • ما إذا كانت هذه الدراسة تندرج ضمن الميزانية التي يستطيع تحملها؟
  • ما إذا كان يمكن الحصول على التعاون اللازم من أولئك الذين يجب أن تشارك في مجال البحث كمشاركين؟

إذا كانت الإجابة على كل هذه الأسئلة بالإيجاب، فيمكن للمرء أن يصبح متأكدا من الجانب العملي للدراسة المعنية.

(و) يجب أن يسبق اختيار المشكلة دراسة أولية. هذا قد لا يكون ضروريا عندما تتطلب المشكلة إجراء بحث مماثل لما قد تم القيام به فعلا. ولكن عندما يكون مجال البحث جديد نسبيا ولا تتوفر لديه مجموعة من التقنيات التي تم تطويرها، فإن إجراء دراسة جدوى وجيزة يصبح ضرورة ملحة.

إذا تم تحديد موضوع للبحث بشكل صحيح من خلال مراقبة النقاط المذكورة أعلاه، فلن يكون البحث متعب وممل، بل سيحببك في العمل. في الواقع، حب العمل أمر لا بد منه. يجب أن يكون الموضوع أو المشكلة المحددة محفز للباحث، ويجب أن يكون لديها مقام علوي في عقله حتى يتمكن من تحمل كل شئ لازم لإتمام الدراسة.

 

ضرورة تحديد المشكلة

نسمع في كثير من الأحيان أن المشكلة المحددة بوضوح هي مشكلة نصف محلولة. هذا يدل على بيان الحاجة إلى تحديد مشكلة البحث. يجب أن تكون المشكلة التي سيتم البحث فيها محددة ولا لبس فيها لأن ذلك من شأنه أن يساعد على تمييز البيانات الملائمة من تلك التي لا صلة لها بالموضوع. يمكّن التحديد السليم لمشكلة البحث الباحث من أن يكون على المسار الصحيح بينما عدم تحديد المشكلة قد يخلق العقبات في طريقه. أسئلة مثل: ما هي البيانات التي سيتم جمعها؟ ما هي خصائص البيانات المهمة التي يجب دراستها؟ ما هي العلاقات التي سيتم استكشافها؟ ما هي الأساليب التي سنستخدمها لهذا الغرض؟ وأسئلة أخرى مماثلة تتراكم في ذهن الباحث الذي يمكنه أن يخطط استراتيجيته ليتمكن من إيجاد الإجابات على جميع هذه الأسئلة ولكن مع ذلك سيكون قادرا على ذلك فقط عندما تكون مشكلة البحث محددة جيدا. وبالتالي، يعتبر تحديد مشكلة البحث بشكل صحيح شرط أساسي لأي دراسة وهي  خطوة ذات أهمية قصوى. في الواقع، صياغة المشكلة هي في كثير من الأحيان أكثر أهمية من حلها. فمن خلال التفاصيل عن المشكلة البحثية فقط نستطيع أن نعمل على تصميم البحث ونستمر بسلاسة في جميع الخطوات اللاحقة المتعلقة بالقيام بالبحث.

 

الأساليب المستخدمة في تحديد المشكلة

دعونا نبدأ مع السؤال التالي: ماذا يعني المرء عندما يقول إنه يريد تحديد مشكلة البحث؟ قد يكون الجواب أنه يريد تحديد المشكلة ضمن حدودها التي سيدرسها. وبعبارة أخرى، تحديد المشكلة ينطوي على مهمة وضع حدود لكي يتمكن الباحث دراسة المشكلة في إطارها وفق هدف محدد مسبقا. إن كيفية تحديد مشكلة البحث هو بلا شك مهمة شاقة، ومع ذلك، فهي مهمة يجب التعامل معها بذكاء لتجنب الحيرة أثناء عملية البحث. النهج المعتاد هو أن على الباحث طرح السؤال بنفسه (أو في حال أراد شخص آخر من الباحث القيام بالبحث، فسيكون على الشخص المعني أو المنظمة أو من له السلطة، تقديم السؤال للباحث) وإنشاء تقنيات وإجراءات لإلقاء الضوء على السؤال المطروح من أجل صياغة أو تحديد مشكلة البحث. ولكن مثل هذا النهج عموما لا يؤدي إلى نتائج محددة لأن صياغة السؤال بهذا الشكل عادة ما يكون واسع وبشكل عام ولذلك قد لا يكون في صيغة مناسبة للاختبار.

إن تحديد مشكلة البحث بشكل صحيح وبشكل واضح يعتبر جزء أساسي من الدراسة البحثية ويجب أن لا يتم بعجل في أي حال من الأحوال. ومع ذلك، غالبا ما يتم اغفال هذا الأمر حيث يكون سببًا في الكثير من المشاكل لاحقًا. وبالتالي، ينبغي تحديد مشكلة البحث بطريقة منهجية، وإعطاء الاهتمام الضروري لجميع النقاط المتعلقة. تتطلب التقنية لهذا الغرض الالتزام بالخطوات التالية بالتدريج، وعادة واحدة تلو الأخرى: (أ) بيان للمشكلة بشكل عام. (ب)

فهم طبيعة المشكلة. (ج) مسح الأدبيات المتوفرة (د) تطوير الأفكار من خلال المناقشات؛ و(هـ) إعادة صياغة مشكلة البحث في شكل مقترح عمل. وفيما يلي سنذكر وصفًا موجزًا لجميع هذه النقاط لكي يستفيد القارئ منها.

 

(أ) بيان المشكلة بوجه عام: ينبغي على الباحث أن يذكر أولا المشكلة بشكل عام واسع النطاق، واضعًا نصب عينيه بعض الأمور والاهتمامات العملية أو العلمية أو الفكرية. لهذا الغرض، يجب على الباحث أن ينغمس تماما في مادة الموضوع الذي يود أن يطرح المشكلة فيه. في حالة البحث الاجتماعي، يعتبر من المستحسن قيام الباحث ببعض الملاحظة الميدانية ولذلك ربما يكون على الباحث إجراء نوع من المسح الأولي الذي غالبا ما يسمى بالمسح التجريبي. ثم بعد ذلك يمكن للباحث تحديد المشكلة بنفسه أو أن يحصل على توجيهات من المشرف أو خبير في الموضوع لإنجاز هذه المهمة. في كثير من الأحيان، يقوم الخبير أو المشرف بتحديد المشكلة بشكل عام، ومن ثم يكون على الباحث تضييقها وصياغتها بمصطلحات عملية. في حالة وجود توجيه من سلطة تنظيمية ما، فسيتم عندها صياغة المشكلة وفقا لذلك. قد تحتوي المشكلة المصاغة بشكل عام وواسع على العديد من النقاط الغامضة التي يجب حلها من خلال التفكير الرصين وإعادة النظر في المشكلة. وفي نفس الوقت يجب وضع إمكانية وجود حل معين في الاعتبار ولا ينبغي أن يغيب هذا عن البال أثناء صياغة المشكلة.

 

(ب) فهم طبيعة المشكلة: الخطوة التالية في تحديد المشكلة هي فهم أصلها وطبيعتها بشكل واضح. أفضل طريقة لفهم المشكلة هي مناقشتها مع أولئك الذين أثاروها لأول مرة من أجل معرفة كيف بدأت المشكلة في الأصل وأية أهداف كانت في الحسبان. إذا كان الباحث هو الذي حدد المشكلة بنفسه، فيجب عليه أن ينظر مرة أخرى لجميع تلك النقاط التي جعلته يقدم على صياغة المشكلة بشكل عام. ولفهم طبيعة المشكلة المعنية بشكل جيد، يمكنه أن يدخل في نقاش مع أولئك الذين لديهم معرفة جيدة بالمشكلة المعنية أو مشاكل أخرى مشابهة. ينبغي على الباحث أيضا أن يضع في حسبانه البيئة التي ستُفهم من خلالها المشكلة وتُدرس فيها.

 

(ج) مسح الأدبيات المتوفرة والاطلاع عليها: يجب الاطلاع على جميع الأدبيات المتوفرة بشأن المشكلة بالضرورة ومسحها وفحصها قبل إعطاء تعريف لمشكلة البحث. وهذا يعني أن الباحث يجب أن يكون ملما وبشكل جيد بالنظريات ذات الصلة في هذا المجال، وكذلك التقارير والسجلات وجميع الكتابات الأخرى ذات العلاقة أيضا. كما يجب على الباحث تخصيص وقت كاف لاستعراض البحوث التي أجريت بالفعل على المشاكل ذات الصلة. ويتم ذلك لمعرفة ما هي البيانات وغيرها من المواد، إن وجدت، التي تتوفر للأغراض العملية. إن معرفة ما هي البيانات المتوفرة يساعد في كثير من الأحيان على تضييق المشكلة نفسها فضلا عن التقنيات التي يمكن استخدامها. وهذا من شأنه أيضا مساعدة الباحث في معرفة ما إذا كانت هناك بعض الثغرات في النظريات، أو ما إذا كانت النظريات القائمة التي تنطبق على المشكلة قيد الدراسة تتعارض مع بعضها البعض، أو ما إذا كانت النتائج التي توصلت إليها الدراسات المختلفة لا تتبع نمطا متسقا مع التوقعات النظرية وهلم جرا. كل هذا سيمكن الباحث من اتخاذ خطوات جديدة في هذا المجال لتعزيز المعرفة، كما يمكنه التقدم بدءا من الفرضيات القائمة. تعتبر الدراسات حول المشاكل ذات الصلة مفيدة في الإشارة إلى نوع الصعوبات التي قد تواجه الباحث في دراسته الحالية، وكذلك أوجه القصور التحليلية. في بعض الأحيان قد تشير مثل هذه الدراسات أيضا لخطوط مفيدة وحتى جديدة للتعامل مع المشكلة الحالية.

 

(د) تطوير الأفكار من خلال المناقشات: غالبا ما تنتج المناقشة بشأن مشكلة معينة معلومات مفيدة. ويمكن تطوير مختلف الأفكار الجديدة من خلال هذه العملية. ومن هنا، يجب على الباحث مناقشة مشكلته مع زملائه والآخرين الذين لديهم خبرة كافية في نفس المجال أو الذين يعملون على مشاكل مشابهة. وغالبا ما يعرف هذا باستطلاع الخبرة. عادة ما يكون الأشخاص الذين لديهم تجربة غنية في موقف لتنوير الباحث حول جوانب مختلفة من دراسته المقترحة، وعادة ما تكون نصائحهم وتعليقاتهم لا تقدر بثمن بالنسبة للباحث، لأنها تساعده على التركيز والاهتمام بجوانب محددة في هذا المجال. لا ينبغي أن تقتصر المناقشات مع هؤلاء الأشخاص على صياغة مشكلة معينة قيد النقاش، ولكن ينبغي أيضا أن تهتم بالمنهج العام للمشكلة، والتقنيات التي يمكن استخدامها، والحلول الممكنة، الخ.

 

(هـ) إعادة صياغة مشكلة البحث: وأخيرا، يجب على الباحث إعادة صياغة مشكلة البحث في صيغة مقترح عمل. وحالما يتم فهم طبيعة المشكلة بوضوح، وتم تعريف البيئة (التي سيتم ضمنها دراسة المشكلة) وأجريت المناقشات وتم مسح وفحص الأدبيات المتوفرة، فإن إعادة صياغة المشكلة في شكلها التحليلي أو العملي لن يكون مهمة صعبة. من خلال إعادة الصياغة، يعبر الباحث عن مشكلة البحث بعبارات محددة قدر الإمكان بحيث تصبح قابلة للتطبيق من الناحية العملية حتى تساعد أيضا في تطوير فرضيات العمل.

بالإضافة إلى ما ورد أعلاه، يجب أيضا ملاحظة النقاط التالية أثناء تحديد مشكلة البحث:

(أ) يجب تعريف المصطلحات الفنية والكلمات أو العبارات ذات المعاني الخاصة المستخدمة في بيان المشكلة، ويجب أن تفسر بشكل واضح.

(ب) ينبغي أن يتم ذكر الافتراضات الأساسية أو المسلمات (إن وجدت) المتعلقة بمشكلة البحث بشكل واضح.

(ج) يجب ذكر وبيان قيمة وأهمية البحث (معايير اختيار المشكلة) .

(د) يجب الأخذ في الاعتبار مدى ملائمة الفترة الزمنية ومصادر البيانات المتاحة للباحث عند تحديد المشكلة.

(هـ) يجب أن ذكر نطاق البحث أو حدوده التي ستدرس المشكلة ضمنها صراحة عند تحديد مشكلة البحث.

 

 

مثال

يمكن توضيح أسلوب تحديد المشكلة المذكور أعلاه وفهمه بشكل أفضل من خلال المثال التالي:

دعونا نفترض أن مشكلة البحث بشكل عام واسع النطاق هي على النحو التالي:

 

“لماذا الإنتاجية في اليابان أعلى بكثير مما هي عليه في ليبيا”؟

 

في هذا النموذج يحتوي السؤال على عدد من النقاط الغامضة مثل: ما نوع الإنتاجية المشار إليها؟ وما هي الصناعات التي تتعلق بها الانتاجية؟ وأي فترة من الزمن يجري الحديث فيها عن الإنتاجية؟ في ضوء كل هذه الالتباسات فإن البيان أو السؤال عام جدا وغير قابل للتحليل. قد تؤدي إعادة التفكير والمناقشات حول المشكلة إلى تضييق السؤال إلى:

 

“ما هي العوامل التي كانت مسؤولة عن إنتاجية عمل عالية للتصنيع في اليابان خلال الفترة من 1971-1980 مقارنة بالصناعات في ليبيا”؟

الصيغة الأخيرة للمشكلة هي بالتأكيد أحسن من سابقتها لأنه تم إزالة العديد من النقاط الغامضة بأقصى حد ممكن. المزيد من إعادة التفكير وإعادة الصياغة قد يضع المشكلة على أساس عملي أفضل كما هو مبين أدناه:

“إلى أي مدى اجتازت إنتاجية العمل في الفترة من عام 1971 إلى عام 1980 في اليابان نظيرتها في ليبيا بالنسبة لـ 15 صناعة مختارة؟ ما هي العوامل التي كانت مسؤولة عن الفوارق في الإنتاجية بين البلدين حسب الصناعات؟ ”

مع هذا النوع من الصياغة، يجب تضمين المصطلحات المختلفة مثل “إنتاجية العمل”، “مفسرات فروق ألإنتاجية” وغيرها بشكل واضح. يجب أن يرى الباحث أيضا ما إذا كانت البيانات اللازمة متوفرة. في حال كانت البيانات حول واحدة (أو أكثر) من الصناعات المختارة ليست متاحة في الفترة الزمنية المذكورة، فيجب عندها استبدال تلك الصناعة أو الصناعات بصناعة أو صناعات أخرى. كما يجب فحص مدى ملائمة الفترة الزمنية. وبالتالي، يجب على الباحث النظر في جميع العوامل ذات الصلة قبل تحديد مشكلة البحث نهائيا.

 

الخلاصة

يجوز لنا أن نخلص إلى القول بأن مهمة تحديد مشكلة البحث، في كثير من الأحيان، تتبع نمط متسلسل، حيث تصاغ المشكلة بشكل عام، ثم يتم حل الغموض من خلال عملية التفكير وإعادة النظر حتى نصل إلى صياغة أكثر تحديدا للمشكلة وواقعية من حيث البيانات والموارد المتاحة وأيضا ذات مغزى من الناحية التحليلية. كل هذا يؤدي إلى مشكلة بحث واضحة المعالم ليست ذات معنى فقط من الناحية العملية، ولكنها قادرة أيضا على تمهيد الطريق لتطوير فرضيات العمل ووسيلة لحل المشكلة نفسها.

 

 

أسئلة

  1. أوصف بالتفصيل تقنيات تحديد مشكلة البحث.
  2. ما هي مشكلة البحث؟ حدد القضايا الرئيسية التي يجب أن تحظى باهتمام الباحث عند صياغة مشكلة البحث، مع إعطاء أمثلة مناسبة لتوضيح شرحك.
  3. كيف يمكن تحديد مشكلة البحث؟ أذكر ثلاثة أمثلة لتوضيح إجابتك.
  4. ما هي ضرورة تحديد مشكلة البحث؟ اشرح ذلك.
  5. أكتب ملاحظات قصيرة عن:

(أ) مسح الخبرة.

(ب) المسح التجريبي.

(ج) مكونات مشكلة البحث.

(د) إعادة صياغة مشكلة البحث.

  1. “إن مهمة تحديد مشكلة البحث غالبا ما يتبع نمطا تسلسليًا”. اشرح ذلك.
  2. “معرفة ما هي البيانات المتاحة كثيرا ما يساعد على تضييق المشكلة نفسها فضلا عن التقنية التي يمكن استخدامها”. اشرح الفكرة الأساسية في هذا العبارة في سياق تحديد مشكلة البحث.
  3. اكتب مذكرة شاملة حول “مهمة تحديد مشكلة البحث”.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

واجهة برنامج Stata

البرامج الإحصائية المستخدمة في تحليل البيانات الكمية والنوعية

هناك العديد من البرامج الإحصائية المختلفة المصممة للاستخدام مع البيانات الكمية والنوعية. فيما يلي سنلقي …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.