الرئيسية / الترجمة / تحديات الترجمة من العربية

تحديات الترجمة من العربية

تحديات الترجمة من العربية إلى الإنجليزية واللغات أخرى

تعد اللغة العربية واحدة من أكثر اللغات المستخدمة في العالم، حيث يتحدث بها أكثر من 300 مليون ناطق أصلي في جميع أنحاء العالم[1]. وهذا ما يجعلها اللغة الخامسة الأكثر انتشارًا في العالم، مما يضعها خلف لغات أخرى مثل الإنجليزية والفرنسية والماندرين. كما أن العربية هي اللغة الأساسية لأثنين وعشرين  دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وعلى الرغم من أن اللغة العربية لغة شائعة إلى حد ما على نطاق عالمي، إلا أنها تأتي أيضًا بمجموعة من التحديات التي تجعلها واحدة من أصعب اللغات التي يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى. وباعتبارها لغة سامية، لديها اختلافات كبيرة مع اللغات التي يتحدث بها العالم الغربي، مما يعني أنها تتطلب مترجمًا عالي المهارة ليترجم بفعالية بين هذه اللغات والعربية.

نقدم هنا بعض التحديات الأكثر شيوعًا التي تصاحب الترجمة من العربية، ونناقش سبب كون المترجمين الخبراء جزءًا أساسيًا من اللغز عندما يتعلق الأمر بتوثيقها بطريقة صحيحة.

 

  1. اللهجات

يأتي أحد أكبر التحديات في الترجمة من العربية في شكل مجموعة واسعة من اللهجات الموجودة في اللغة. وبينما اللغة قد يتحدث الناس في أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة وأستراليا أشكالًا مختلفة قليلاً من اللغة الإنجليزية، إلا أنها أساسا لا تزال هي نفسها. فعلى الرغم من أنها تأتي من أجزاء مختلفة من العالم، فإن جميع الناطقين بها يفهمون بعضهم البعض بسهولة.

أما في اللغة العربية، فالقصة مختلفة تماما. إن أحد الجوانب الفريدة للعربية هو أن كل دولة من الدول التي تتحدث بها قد طوّرت، مع مرور الوقت، لغتها المستقلة تمامًا، التي استمدتها من الجذور العربية الكلاسيكية. ما يعنيه هذا هو أنه على الرغم من أن شخصين قد يتكلمان العربية، وكانا من دولتين مختلفتين، فمن المحتمل أن يواجهوا بعض الصعوبة في فهم بعضهم البعض.

هذا، بالطبع، يطرح مشاكل عندما يتعلق الأمر بالترجمة، لأنه على الرغم من أن الشخص قد يتقن اللغة العربية، فإن الفرص هي أنه لن يجيد أكثر من لهجة واحدة أو اثنتين، مما يجعل دور المترجم أكثر تخصصًا.

 

  1. اللغة المنطوقة

هناك مسألة أخرى يمكن طرحها عندما يتعلق الأمر بترجمة المواد إلى العربية، وتحديدا، فيما يريد العميل استخدامها له. يجب على المترجم دائمًا أن يتأكد من أنه يعرف سبب ترجمة المستندات، لأن اللغة العربية المكتوبة والمنطوقة شيئين مختلفين تمامًا.

إذا عرف المترجم أن العميل يتطلع إلى ترجمة شيء ما لاستخدامه في كتاب أو صحيفة أو مقال رسمي على الإنترنت، فحينئذٍ يمكن ترجمته إلى اللغة العربية الفصحى الحديثة، والتي تستخدمها جميع الدول تقنياً للصحف، والبرامج التلفزيونية الدينية وبعض أشكال الوسائط الأخرى وهي عموما منتشرة في جميع أنحاء العالم العربي.

ولكن عندما يتعلق الأمر باللغات المحكية، فالقصة مختلفة. فإذا كانت الترجمة ستستخدم للإعلانات والدراسات الاستقصائية، أو غيرها من أشكال الاتصال المنطوقة، فلن تكون العربية الفصحى مفيدة، ونحتاج إلى معرفة البلد الذي سيتم استخدام المواد فيه حتى نتمكن من الترجمة إلى اللغة العربية الخاصة بالدولة بدلا من اللغة الفصحى بشكل عام.

 

  1. بنية الجملة

عند ترجمة مستند ما، يريد العميل أن تكون وكأنها طبيعية، وتُقرأ كما لو أن من كتبها ناطق باللغة الأصلية. هذه واحدة من أكبر المشاكل التي يمكن أن تواجه الترجمة من العربية، حيث يختلف هيكل الجملة تماماً عن اللهجات الغربية.

ما يعنيه ذلك هو أنه على الرغم من أن المتحدث الأصلي للغة العربية قد يكون قادرا على ترجمة شيء ما بشكل جيد، وتبدو الوثيقة سليمة و يمكن قرائتها، إلا أنها لا تحتوي على النغمة الأصلية التي تجعلها تتدفق بشكل طبيعي بفضل بنية الجمل فيها.

على سبيل المثال، في حين أنه ، قد يقول شخص ما في اللغة الإنجليزية ” many years ago” (قبل عدة سنوات)، فإن متحدثًا باللغة العربية لم يتحدث إلى العديد من المتحدثين الأصليين باللغة الإنجليزية سيلتزم ببنية الجمل الخاصة به، ويقول since many years ago”” )منذ عدة سنوات مضت)، والتي قد تقرأ بشكل غريب في الإنجليزية.

هذا يدل على أهمية وجود مترجم لم يدرس اللغة الهدف فقط عند الترجمة من العربية، ولكن أيضا شخص لديه خبرة في التحدث باللغة، حتى يتمكن فهم الطريقة التي يتحدث بها الناس بالفعل، وليس مجرد الجوانب الفنية للغة فقط.

قد تكون اللغة العربية واحدة من أكثر اللغات التي يتم التحدث بها على نطاق واسع في العالم، ولكن صفاتها الفريدة تجعلها أيضًا واحدة من أكثر اللغات صعوبة في الترجمة منها وإليها.

على الرغم من كونها واحدة من أكثر اللغات التي يتم التحدث بها على وجه الأرض ، إلا أنه بالنسبة لمعظم الناس في العالم الغربي، فستظهر اللغة العربية كعالم بعيد عن ما يشاهدونه عادة. فبأبجدية تتكون من 28 حرفًا، وأحد عشرة مرادفا لكلمة ‘حب’ وبالأصوات المتميزة[2] التي لا توجد حتى في اللغات الأخرى، فإنها تعتبر أحد أصعب اللغات التي يمكن ترجمتها منها وإليها، حتى بالنسبة للمتحدثين الأصليين.

وبما أن المترجمون يحتاجون إلى التغلب على بعض العوائق التي تواجههم عند الترجمة من وإلى العربية، سنناقش فيما يلي بعض الجوانب الأكثر تحديًا التي تواجه المترجمين عند التعامل مع هذه اللغة الفريدة.

 

  1. بداية الكلمات بحروف كبيرة

إن كتابة الكلمات بالأحرف الكبيرة، سواء كان ذلك في بداية الجمل أو الأسماء الصحيحة يعتبر أمر مسلم به في اللغة الإنجليزية، وعبر أوروبا. لكن هذا ليس هو الحال عندما يتعلق الأمر باللغة العربية. فبينما تتيح لنا الأحرف الكبيرة في اللغة الإنجليزية معرفة الاسماء و العناوين أو بدايات الجمل، فإن المتحدثين والكتاب باللغة العربية يعتمدون على السياق لمعرفة ذلك.

يمثل هذا مشكلة خاصة عندما يتعلق الأمر بالترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى. فقد يفوت المتحدث باللغة العربية الأشياء التي يجب بدئها بأحرف كبيرة في اللغة الهدف، وهذا بدوره يمكن أن يغيّر معنى وثائقه تمامًا. على سبيل المثال ، إذا كنا نتحدث عن “West Bank” (الضفة الغربية)، فسنعرف أنها تشير إلى مكان محدد، وذلك بفضل حقيقة أن الكلمتين يبدئان بأحرف كبيرة. ومع ذلك، قد يكتبه أحد المتحدثين باللغة العربية “west bank”، مما يغير المعنى بالكامل ويؤدي إلى الارتباك.

 

  1. التنسيق

ربما يكون أسهل الفروق ملاحظة بين اللغة العربية ومعظم اللغات الهدف التي يستخدمها المترجمين، هو حقيقة أن العربية تُقرأ من اليمين إلى اليسار وليس من اليسار إلى اليمين. هذا يعني أنه لا يقتصر الأمر على ترجمة الأشياء عند الانتقال من اللغة العربية إلى اللغات الهدف الأوروبية، بل يجب أيضًا تغييرها بحيث تظل القصة صحيحة، وليس اللغة فقط.

هذا الأمر يتطلب مترجم متمرس، لأنه على الرغم من أن الأمور تحتاج إلى انعكاس لفهمها، إلا أنها ليست بسهولة قلب كل شيء. على سبيل المثال، على الرغم من ترجمة شيء ما إلى العربية، فإن بعض العملاء سيرغبون في الابقاء على أشياء معينة مكتوبة بتنسيق النص الإنجليزي، وهو أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. ولذلك في الحالات التي يستخدم فيها المترجم برنامج لتحويل كل شيء ببساطة إلى الاتجاه الآخر يمكن أن يضيف أخطاء، على الرغم من أنه يتم تصحيح بنية القطعة بشكل عام،.

يمكن للمترجم الخبير الذي يعرف مثل هذه التعقيدات أن يكون من الأصول التي لا تقدر بثمن، لأنه يعرف أين يمكننا القلب وأين يمكننا الاحتفاظ بالهيكل الأصلي بحيث يكون كل شيء منطقيًا عند القراءة في أي من اللغتين. الأمر ليس سهلاً مثل إدارة المفتاح، لأن اختيار الأجزاء الصحيحة أمر حيوي في هذا المسألة.

 

  1. التأنيث والتذكير

أحد أوجه الشبه الكبير بين اللغة العربية وبين العديد من اللغات الأوروبية، ولكن ليس الإنجليزية، هو أنها تستخدم التذكير والتأنيث عندما يتعلق الأمر بوصف الأشياء. في اللغة العربية ، مثلما هو الحال في لغات كالإسبانية والألمانية، لا يوجد أي شيء يشبه الضمير “it” على الإطلاق. ويجب أن يكون كل شيء أما مذكر أو مؤنثً عندما يتعلق الأمر بالحديث عنه، مما يعني أنه حتى الكرسي والطاولة يشار إليهما بكلمتين مختلفتين “هذا أو هو” أو “هذه أو هي” حسب السياق.

وهنا نواجه أحد أكثر المشاكل شيوعًا في الترجمة بشكل عام، حيث سيحتفظ المتحدثون غير الناطقين باللغة الإنجليزية بهذا المفهوم للتجنيس عندما يتعلق الأمر بترجمة شيء ما إلى الإنجليزية، مما يجعل القطع والتراجم المنطوقة تبدو غير طبيعية وغير أصلية.

هناك أيضًا مشكلة أخرى عند الترجمة إلى اللغة العربية، وهي تتعلق بالتأكد من أن كل شيء يغير صياغة المستندات صحيح. على سبيل المثال، إذا لم يكن المترجم يعرف جنس الشخص الذي يعمل في وظيفة معينة، فيجب استخدام كلا الجنسين، باستعمال الضمير “they” مثلا، التي نراها عادة في اللغة الإنجليزية. هذا قد يجعل الأمور أكثر تعقيدًا بالنسبة للمترجم، وقد يكون شيئًا لم يفكر فيه إذا لم يكن خبيرا باللغة.

وكما نرى، فإن الترجمة من وإلى العربية تعد واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها أي شخص يعمل في مجال الترجمة. ومع ذلك، فإن المترجمين العرب ذوو الخبرة الملمين بجميع التحديات المذكورة أعلاه  يعتبرون حقا مصدرًا لا يقدر بثمن لوضع الأشياء في مكانها الصحيح وضمان أن تقرأ الترجمات العربية بشكل تام سواء بلغة الأصل أو اللغات الهدف.

 

[1] http://www.arabicegypt.com/news/facts-about-the-arabic-language

[2] https://www.britishcouncil.org/voices-magazine/surprising-facts-about-arabic-language

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

الترجمة الأدبية وأهميتها

الترجمة الأدبية وأهميتها

مقدمة تهتم الترجمة الأدبية بترجمة الأعمال الأدبية (الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد، وغيرها). إذا كان …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.