بناء المفاهيم

أبريل 13, 2018 أ. فرج محمد صوان

من أين تأتي الموضوعات البحثية؟

إذن كيف يتوصل الباحثين إلى أفكار مشاريعهم البحثية؟ على الارجح أن احد المصادر الشائعة للأفكار البحثية هي الخبرة في المشاكل العملية في مجال الباحث. يتشارك العديد من الباحثين مباشرة في تنفيذ البرامج الاجتماعية والصحية أو الخدمية ويصلون إلى أفكار بناءًا على ما يرونه يحدث من حولهم. لا يشارك الآخرين بشكل مباشر في السياقات الخدمية، ولكنهم يعملون مع (أو يقومون بمسح) الناس من أجل معرفة ما يجب فهمه بشكل أفضل. ربما تكون العديد من الأفكار في بادئ الأمر سخيفة أو أسوأ من ذلك بالنسبة للغرباء. على الرغم من أنها قد تبدو سخيفة في البداية، إلا أن الكثير من هذه المشاكل العملية التي تنشأ في الممارسة العملية يمكن أن تؤدي إلى جهود بحثية واسعة.

هناك مصدر آخر للأفكار البحثية وهو الأدبيات المتوفرة في تخصص الباحث العلمي. بالتأكيد، يحصل العديد من الباحثين على أفكار لأبحاثهم من خلال قراءة الأدبيات والتفكير في سبل لتوسيع أو تحسين البحوث السابقة. النوع الآخر من الأدبيات الذي يعمل كمصدر للأفكار البحثية الجيدة هو طلبات تقديم العروض التي يتم نشرها من قبل وكالات حكومية وبعض الشركات. تصف طلبات العروض بعض المشاكل التي تريد وكالة ما من الباحثين معالجتها (هي تقريبا تسليم فكرة للباحث!). عادة، ما تصف طلبات العروض مشكلة تتطلب المعالجة، والسياق الذي تعمل فيها، والنهج الذي يودون منك أن تنتهجه في البحث لمعالجة تلك المشكلة، والمبلغ الذي سيكونون على استعداد لدفعه ثمن هذه البحوث. من الواضح أنه لا يوجد شيء مثل احتمال تمويل البحوث لكي تجعل الباحثين يركزون على موضوع بحث معين.

ودعونا لا ننسى حقيقة أن العديد من الباحثين يفكرون ببساطة في موضوع أبحاثهم بأنفسهم. بالطبع، لا أحد يعيش في فراغ، لذلك فإننا نتوقع أن تأتي الأفكار من نفس الباحث الذي يتأثر بخلفيته الخاصة، وثقافته، وتعليمه، وخبراته.

 

تخطيط المفاهيم

طور علماء الاجتماع عددا من الطرق والعمليات التي قد تكون مفيدة في مساعدة الباحث على صياغة مشروعه البحثي. تشمل هذه الطرق: الإثارة الذهنية، الكتابة العقلية، تقنيات المجموعة الاسمية، ومجموعات التركيز، وتخطيط التقارب، تقنيات دلفي، نظرية الوجه، وتحليل النص النوعي. سنقوم فيما يلي بتوضيح طريقة تخطيط المفاهيم التي تعتبر مفيدة جدًا لأنها تساعد على صياغة المشكلات البحثية.

يعتبر تخطيط المفاهيم طريقة عامة يمكن استخدامها لمساعدة أي فرد أو جماعة لوصف أفكارهم حول بعض الموضوعات في شكل مصور. هناك عدة أنواع مختلفة من الطرق التي تسمى  حاليا بأسماء مثل “تخطيط المفاهيم”، “الخرائط الذهنية” أو “شبكة المفاهيم”. كلها متشابهة لأنها تنتج صورة عن أفكار شخص ما. ولكن نوع تخطيط المفاهيم الذي سنقوم بوصفه هنا يختلف عنها في عدة أشياء مهمة. أولا، هي في المقام الأول عملية لمجموعة ولذلك فهي مناسبة خصوصا في الحالات التي تعمل فيها فرق أو مجموعات أصحاب المصلحة معا. تعمل الأساليب الأخرى في المقام الأول مع الأفراد. ثانيا، إنها تستخدم نهج منظم وسهل جدا. هناك خطوات محددة يتبعها ميسّر مدرب لمساعدة المجموعة على اعداد الأفكار وفهمها بشكل أكثر وضوحا. ثالثا، يتكون جوهر تخطيط المفاهيم من عدة طرق إحصائية لتحليل المتغيرات المتعددة لتحليل المدخلات من جميع الأفراد وإنتاج منتج المجموعة الكلي. والرابع، هو أن هذه الطريقة تتطلب استخدام برامج الكمبيوتر المتخصصة التي يمكنها معالجة بيانات من هذا النوع من العمليات وإنجاز إجراءات التحليل والتخطيط الصحيحة.

على الرغم من أن تخطيط المفاهيم  يعتبر طريقة عامة، فهي مفيدة بشكل خاص لمساعدة الباحثين الاجتماعيين وفرق البحث لتطوير وتفصيل الأفكار للأبحاث. وهي ذات قيمة خاصة عندما يريد الباحثون إشراك أصحاب المصلحة المعنيين في عملية خلق المشروع البحثي. على الرغم من استخدام  تخطيط المفاهيم لأغراض عديدة (التخطيط الاستراتيجي، وتطوير المنتجات، وتحليل السوق، واتخاذ القرارات، وتطوير القياس)، إلا أننا سنركز هنا على إمكاناتها لمساعدة الباحثين في صياغة مشاريعهم البحثية.

فما هو تخطيط المفاهيم؟ أساسا، يعتبر تخطيط المفاهيم عملية منظمة تركز على موضوع أو مركب قيد الاهتمام، ويتضمن مدخلات من مشارك أو أكثر، وينتج عنه وجهة نظر تصويرية قابلة للتفسير (خريطة المفهوم) عن أفكارهم ومفاهيمهم وكيفية ترابطها مع بعضها. يساعد تخطيط المفاهيم الناس على التفكير بشكل فعال أكثر كمجموعة دون أن يفقدوا فرديتهم. تساعد هذه الطريقة المجموعات في إدارة أفكارهم المعقدة دون التقليل منها أو فقدان التفاصيل.

بناء المفاهيم

وتنطوي عملية تخطيط المفاهيم على ستة خطوات يمكن أن تحدث في يوم واحد أو يمكن أن توزع على مدى أسابيع أو أشهر وفقًا للحالة. الخطوة الأولى هي خطوة التجهيز حيث تتضمن ثلاثة أشياء يجب القيام بها. يقوم ميسِّر عملية التخطيط بالعمل مع المبادر (أي كل من يطلب العملية في البداية) لتحديد هوية من سيكون المشاركين. يمكن لعملية تخطيط المفاهيم أن تتكون من مئات أو حتى آلاف من أصحاب المصلحة المشاركين، ولكن عادة ما تكون مجموعة صغيرة نسبيا تتراوح بين 10 أو 20 من أصحاب المصلحة المعنيين. ثانيا، يعمل المبادر مع الجهات المعنية لتطوير نقطة تركيز للمشروع. على سبيل المثال، ربما قد تقرر المجموعة التركيز على تحديد برنامج أو علاج، أو ربما يختاروا خريطة لجميع النتائج التي يتوقعوا أن يروها كنتيجة. أخيرا، تقرر المجموعة جدول زمني مناسب للتخطيط.

أما في خطوة توليد الأفكار، فتقوم الجهات المعنية بتطوير مجموعة كبيرة من الجمل التي تعالج نقطة التركيز. على سبيل المثال، قد يقومون بصياغة جمل تصف جميع الأنشطة المحددة التي سوف تشكل برنامج اجتماعي معين، أو ربما يكتبون جمل تصف نتائج محددة قد تحدث كنتيجة للمشاركة في برنامج ما. يمكن استخدام مجموعة واسعة من الأساليب لتحقيق ذلك بما في ذلك طريقة إثارة التفكير، الكتابة العقلية، تقنيات المجموعة الاسمية، ومجموعات التركيز، وتحليل النص النوعي، وهلم جرا.  يمكن للمجموعة توليد ما يصل إلى 200 جملة في مشروع تخطيط مفهوم ما.

يقوم المشاركين في خطوة البناء أو الهيكلة بأمرين. أولا، يقوم كل مشارك بفرز الجمل إلى أكوام من الجمل المتشابهة. في معظم الأحيان يفعلون ذلك عن طريق فرز مجموعة من البطاقات على كل منها جملة واحدة. ولكن يمكن أيضا القيام بذلك مباشرة على جهاز الكمبيوتر عن طريق سحب الجمل إلى أكوام يقومون بإنشائها. ويمكن أن يكون لديهم أقل عدد ممكن من الأكوام أو حسبما يريدون. يقوم كل مشارك بتسمية كل كومة بتسمية وصفية قصيرة.  ثانيًا، يقوم كل مشارك بإعطاء درجات لكل الجمل وفقًا لمقياس معين. عادة ما يتم تصحيح الجمل على مقياس من 1 إلى 5 حسب أهميتها النسبية، حيث تعني درجة 1 أن الجملة غير مهمة نسبيا مقارنة مع البقية، و 3 تعني أنها مهمة بشكل معتدل، أما 5 فتعني أنها مهمة جدًا.

ويتم في خطوة التمثيل التحليل الذي يتضمن عملية أخذ مدخلات الفرز والتصنيف وتمثيلها في شكل خريطة. هناك نوعان من التحليلات الإحصائية الرئيسية التي يتم استخدامها. يأخذ التحليل الأول وهو التحجيم متعددة الأبعاد الجمل المصنفة من جميع المشاركين ويطور الخريطة الأساسية حيث تمثل كل جملة منها نقطة على الخريطة وتكون الجمل التي تم تكديسها معا من قبل أناس أكثر قريبة من بعضها البعض على الخريطة. أما التحليل الثاني وهو التحليل العنقودي فيأخذ الناتج من التحجيم متعدد الأبعاد (خريطة النقاط) ويقوم بتقسيم الخريطة إلى مجموعات من الجمل أو الأفكار إلى مجموعات (عناقيد). إذا كانت الجمل تصف أنشطة لبرنامج ما، فإن العناقيد (المجموعات) ستظهر كيف يمكن تجميعها إلى مجموعات منطقية من الأنشطة. إذا كانت الجمل نتائج محددة، فيمكن النظر إلى المجموعات كمركبات أو مفاهيم للنتيجة.

في الخطوة الخامسة (خطوة الترجمة أو التفسير) فيعمل الشخص الميسّر مع مجموعة أصحاب المصالح لمساعدتهم على تطوير الأسماء الوصفية وتفسيراتهم الخاصة لمختلف الخرائط. وأخيرا، يتم استخدام الخرائط للمساعدة في معالجة نقطة التركيز الأصلية. إذا كان المقصود برنامج، فيمكن استخدام الخرائط كإطار بصري لتفعيل ذلك البرنامج. أما إذا كانت نتيجة، فيمكن استخدامها كأساس لتطوير المقاييس وعرض النتائج.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

الوسوم:,