امكانية ترجمة الشعر من عدمها

يناير 25, 2018 أ. فرج محمد صوان

مقدمة

إن ترجمة الشعر تعتبر من أبرز القضايا المرتبطة بالترجمة التي ناقشها الكثيرين، سواءا كانوا من شعراء، نقّاد، مترجمين، أو قرّاء. وهي مسألة يشوبها جدل كبير بين إمكانيتها أو استحالتها، حيث يميل القائلين باستحالتها إلى رفض ترجمة الشعر لقناعتهم بأنّ نقل الشعر من لغة إلى أخرى أشبه بالوهم، ويمثّل هذا الفريقَ النقّاد وعلماء اللغة وعامّة القرّاء. أما القلّة المعتقدين بإمكانيتها، فيقرّون بصعوبة ترجمة الشعر ولكنهم لا يرون استحالتها[1].

وعلى الرغم من هيمنة الرأي القائل باستحالة ترجمة الشعر، إلا أنها لم تنقطع وتطوّرت وتراكمت تجاربها في شتّى اللغات والآداب. وقد تفطن العرب منذ عشرينيّات القرن الماضي إلى ضرورة نقل الشعر الغربي إلى العربية لإثراء التجربة الشعرية العربية وتطويرها، حيث قاموا بنقل عيون الشعر الحديث لكبار شعراء الغرب أمثال “بوشكين” و”بودلير”، و”كيتس”، وغيرهم. وقد كان لهذه الترجمات أثرا إيجابيا على حركة الشعر العربي، حيث أسهمت في تغيير الذوق الشعري وبنية القصيدة ومفرداتها. ومع ذلك مازال كثير من النقّاد يدّعون استحالة ترجمة الشعر، ويهتمون (إذا كانوا يعرفون النص الأصلي) بتقصي مظاهر خيانة المترجم وتشويهه للقصيدة الأم، لأنهم يرون أن المترجم هو بالضرورة “خائن خوّان” فما بالك إذا كان المترجَم نصّا شعريّا[2].

ووفقا للجاحظ فإن هناك طريقة واحدة لنقل الشعر تتمثل في تحويله إلى نثر بإعادة صياغة معانيه صياغة نثريّة مرسلة لا نظم فيها ولا وزن ولا حسن ولا موضع تعجّب. وهذا الحلّ مستهجن عند الجاحظ لأن النثر في لغته الأصلية أجمل وأوقع أثرا منه في لغة مترجمة، كما أن المرء عندما يقرأ معاني الشعر مترجمة نثرا سيرى فيها تكرارا للمعاني الموجودة في النثر المكتوب بلغته، وذلك لأن الجاحظ يرى أن المعاني شائعة بين الأمم ولا يقوى العرب على منافسة العجم فيها[3].

ومن الطّريف أن أبرز المدارس والاتجاهات النقدية في القرن العشرين كالإنشائيّة واللسانيات والبنيوية تؤيد موقف الجاحظ من ترجمة الشعر، بل ومن عموم الترجمة الأدبية. فجاكوبسون، مثلا، يرى إن الشعر قائم على الإحالة الذاتية ومفهوم العدول، وأن ترجمة الشعر مستحيلة، لأن نقله سيمثّل تعسّفا على طبيعته الإنشائيّة (الإحالة الذاتيّة) وسيفقده أبرز سماته (العدول)، ولن يجد قارئ النصّ المترجم ما ينسيه النصّ الأصل. حيث يقول جاكوبسون إن” الشعر بحكم تعريفه لا يُستطاع أن يترجم وليس بممكن إلاّ نقله نقلا خلاّقا[4].

وذهبت اللسانيّات استنادا إلى مبدأ الفصل بين الدّال والمدلول، واعتبار العلاقة بينهما علاقة اعتباطية، إلى القول باستحالة الترجمة الأدبية عامة. ذلك أنّ ترجمة ملفوظ النصّ (الدّال) ليست بالضرورة ترجمة للمضمون (المدلول) لما بينهما من تباعد أوّلا، ولأن النص المترجم سينشئ علاقة جديدة في اللغة الهدف بين دال ومدلول جديدين. وبالتالي فالنص المترجم هو نص قائم بذاته، ولا علاقة له بالنص الأصل.

أما البنيوية فقد استبعدت امكانية ترجمة الشعر لأنها تعتبر كل ترجمة تمثل خلق لنص جديد، ولأن كل ترجمة تستلزم فتح النص على السياقات التاريخية والنفسية والاجتماعية والحضارية، وهو ما ترفضه البنيويّة رفضا مطلقا.

وقد تأثر محمد الهادي الطرابلسي[5] في مناقشته الجاحظ بآراء الإنشائيّين واللسانيين والبنيويين حيث وافق الجاحظ ليس على استحالة ترجمة الشعر فقط، وإنما عموم النص الأدبي، حيث يقول:

“قد نتوهمّ أنّنا وفقنا إلى ترجمة أدبيّة النصّ إذا ما اجتهدنا في إخراج نصّنا في اللغة المنقول إليها مخرجا أدبيّا. ولكنّ الحقيقة أنّنا نكون إذ ذاك قد ولّدنا نصّا جديدا غير النصّ الأوّل، ولدّناه عن طريق قراءتنا للنصّ الأصليّ، فسبيلنا في هذا البات هي سبيل القراءة لا الكتابة وسبيل التوليد لا سبيل المحاكاة.”

ويرى الطرابلسي أن هناك ثلاث طرق أمام المترجم الأدبي لا تؤدي أي منها إلى الترجمة، وهي الاقتباس أو الشرح والتفسير بتحليل الأساليب المخصوصة والإيحاءات المختلفة التي تصحبها، أو التبديل والتوليد بالبحث عن إيحاءات جديدة قريبة من الإيحاءات الأولى. وبسبب انسداد هذه الطرق مسدودا وعدم تلبيتها لرغبة المترجم، فقد استنتج الباحث استحالة عملية ترجمة النص الأدبي.

والخلاصة تكمن في أن المواقف الرافضة لترجمة الشعر تنطلق من التسليم بوجوب كون المترجم أمينا للنص الذي يترجمه، وأن الأمانة تستلزم مطابقة الترجمة للنص الأصلي في مبناه ومعناه، ولذلك يصعب على المرء انتاج مثل هذه الترجمة في الشعر. كما أن هذه المواقف تنطلق من تصور ثابت للنص الشعري، فهو عند الجاحظ وزن وقافية، ويعتبره الإنشائيّين استخدام مخصص للغة يختلف كليا عن توظيف النثر إياها، وهو عند البنيويّين فصل تام للقصيدة عن سياقها التلفظي ومراجعها الواقعية الحضارية[6].

وبما أن فهم الشعر يصعب أحيانا حتى على الناطق الأصلي للغة أو المتخصص فيها، فكيف سيتمكن المترجم من إعادة صياغته بلغة أخرى مع المحافظة على قيمه التعبيرية والشعرية التي تحتاج إلى خلق تعابير لغوية إبداعية تتضمن الملامح الثقافية للقصيدة؟ ولكي يتمكن المترجم من ذلك يجب عليه أن يترجم بنفحة اسلوبية وجدانية يغذّيها بمفرداته وتراكيبه الابداعية حتى ينتج لنا قصيدة هجينة بين الأصل وترجمته المحقونة بروح الشعر.

إن ترجمة الشعر ليست أمرا مستحيلا، وذلك لإمكانية نقل كل القيم التعبيرية والشعرية الموجودة في القصائد بنفس مضمونها الفكري. وبالطبع فإن ذلك قد يستلزم تغييرا في إيقاعها كما فعل العديد من المترجمين عند نقلهم آلاف الدواوين والقصائد إلى لغات مختلفة برغم صعوبة المهمة وتعقيدها الذي يتطلب إيجاد الصيغ الشعرية الملائمة للغة وللثقافة الهدف[7].

إن المترجم المبدع هو الذي يقوم باحتواء نص القصيدة ويتمثل خصائصها ومضامينها ثم يقوم بإعادة إنتاجها في نص إبداعي جديد باللغة الهدف يتماشى مع الثقافة الهدف ومجتمعها، ويكون لها نفس الأثر الأدبي الذي تتركه القصيدة الأصل. وهذا ما يؤكده د. حامد أبو أحمد أستاذ الأدب الأسباني بجامعة الأزهر على ضرورة الحفاظ على ثوابت النص وعدم تأويله، ومراعاة أبعاد القصيدة، والحفاظ على ماهيتها ووظيفتها الأساسية.

ويؤكد الناقد المترجم د. محمد عناني على ضرورة ترجمة الشعر شعراً، لأن النظم لا ينفصل عن معنى القصيدة، فإذا أراد المترجم أن يخرج بالمعنى كاملاً، فيجب أن يخرج الحس الموسيقي في القصيدة، أو بمعني آخر ترجمة الإيقاع، وإذا واجهت المترجم صعوبات نظراً لاختلاف النسق الموسيقي من لغة لأخرى، فيمكنه تفاديها من خلال المزج بين البحور في السياق نفسه.

ويشير عناني إلى اتجاه البعض نحو ترجمة الشعر نثراً، وهو ما أثر كثيرا على الشعر العربي، حيث اعتقد البعض أن الشعر الأجنبي المترجم ما هو إلا نثر، وأن نظم الشعر في قالب نثري أصبح موضة عصرية تتيح قدرا أكبر من الحرية والذاتية في التعبير، ونتيجة لذلك ظهرت قصائد النثر تقليدا لتلك الترجمات.

وهذا ما يؤكده الناقد ابراهيم فتحي حيث جادل بأن الترجمات العربية الحديثة للشعر الأجنبي قد غيّر الإحساس بماهية الشعر ودوره الحقيقي، وأدى إلى ظهور رؤى واتجاهات جديدة كقصيدة النثر التي تعتبر نتيجة طبيعية لهذا الشعر المترجم الذي كشف عن زيف اللغة البلاغية والالتزام الموسيقي الصارم. وقد أثر ذلك في لغة الشعر وصوره وإيحاءاته والحس الشعوري العام، حيث برزت اتجاهات جديدة في الكتابة أثرت على الشعراء العرب الذين حاولوا مجاراتها والكتابة على نمطها مما انتج قصيدة النثر كرد فعل طبيعي للشعر المترجم[8].

وينتقد فتحي ترجمة الشعر المنظوم في قوالب بأنه عودة إلى موجة عالم الإيقاع والموسيقي، التي تقلصت في إنتاج الشعراء الغربيين، ومن ثم فإنه لا ينبغي ترجمة أشعارهم كشعر. ويضيف بأن المتلقي العربي أصبح يتذوق الشعر المترجم في ثوبه النثري لشيوع هذه الظاهرة في قصيدة النثر العربية، وأن الاتجاه لترجمة الشعر منظوماً قد تكون واجبة أحيانا لكي يكون النص الشعري الموسيقي بارزا، لكن ذلك لا ينطبق على قصيدة النثر، لأن هدفها أن تعبر الترجمة عن أصلها، وأن لا تفتقد الموسيقى سواء كانت تلك الترجمة إلى الشعر أو إلى النثر. وبالطبع، فإنه ليس من المنطقي أن تترجم قصيدة نثرية إلى أخرى منظومة، ولكن تبقي حقيقة أن قصيدة النثر تعتبر ابناً شرعياً للشعر المترجم الذي يجب ألا يفقد حسه الجمالي الخاص الكامن في خصوصية اللغة[9].

يري الناقد والمترجم كمال ممدوح حمدي أنه من الصعب على المترجم توصيل الحس اللغوي للشاعر المبدع من خلال لغة وقنوات الاتصال الإنسانية العامة. ويؤكد حمدي على أهمية وعي المترجم بلغة النص الأدبي ولغته وظروفه، وامتلاكه لحس متميز بلغة الشعر وطبيعته، لأن أي نص يرتبط بسياق عصره، وأن أي تجربة إبداعية مرتهنة بظروفها التي قد تختلف عن الظروف التي يعيشها المترجم.

ويجادل المترجم والناقد المغربي د. فريد الزاهي بأنه لو افترضنا بوجود المترجم القادر على استيعاب نفسية الشاعر، وحالته النفسية، وملكته الإبداعية لحظة ميلاد القصيدة، فإن مفرداته اللغوية لن تسعفه لترجمة النص كما ابتغاه الشاعر، وخاصة في اللغة العربية، لأن الشاعر قد يكتب بيتا أو كلمة تحتمل عشرات المعاني، فمن أين سيأتي المترجم بمرادف في اللغة الهدف يحمل المغزى الذي قصده الشاعر في قصيدته؟

ويؤكد الزاهي إن الشعر هو اللون الفني الأكثر صعوبة في الترجمة، لأن المترجم يكون في موقف حرج بين نقص المترادفات بين اللغات، وبين المحاكاة الصارمة لإبداع الشاعر أو اللجوء إلى التأويل، حيث لن يسلم الأمر من التضارب، والاتهامات المتبادلة بين الشعراء والمترجمين.

وإذا كان من الصعب فعلا ترجمة الشعر وإذا كان لنخبة الأدباء والقراء العرب المتقنين للغات الأجنبية القدرة على قراءة النصوص الشعرية العالمية مباشرة دون تدخل من المترجم، فلماذا نترجم الشعر بدل الاستمتاع به كما هو في لغته الأصلية؟

إن ترجمة الشعر تُعد أمرا مطلوبا من مؤلف النص ومتلقيه على المستوى الفردي، وبين اللغات والحضارات على المستوى الجماعي. فمؤلف النص الأصلي يرى أن ترجمة شعره إلى لغات أخرى تساعده على النجاح الأدبي وضمان للانتشار والشهرة ووسيلة لتجديد شعره ووصوله إلى قراء جدد. أمّا متلقي النص لا لن يمنعه اتقنه لغة النص الأصلية وقدرته على الاستمتاع بالنص في لغته الأم من ترجمته إذا ما أُعجب بالنص وعايش الجو الوجداني الذي ألم بصاحبها أثناء تأليفه القصيدة. فحب ترجمة النصوص الإبداعية المهمة، والشوق إلى أخذ النص وكتابته من جديد في لغة المترجم، شيئين متأصّلين في ذات المترجم يجعلانه يسعى بلا كلل حتى يقوم بتحويل النص الذي أعجب به إلى لغته. فالترجمة كالإبداع، والاستمتاع بالنص الأصلي لا يكفي المترجم المبدع بل يزيده تعطشا لترجمته، فهو يجد في فعل الترجمة من الثراء المعنوي وتحقيق الذات ما يضاهي ما يجده في فعل الكتابة؟ وفي هذا السياق يجادل محمد ميهوب بأن هناك لذة في الترجمة “لا توجد في الكتابة، فهي تتيح لنا أن نحقّق ما حلمنا به أطفالا من رغبة في التنكّر والاختفاء عن أعين من يعرفوننا والحلم بالحلول في نفوس الآخرين وأجسادهم وأقوالهم. كما أنّ الترجمة تتيح إمكان أن نختلس أملاك الغير ولكن بطريقة شرعيّة وبمباركة من المالك الأصلي وتشجيع”[10].

كما إن المترجم الفرد ينخرط في سياق أدبي وحضاري أوسع يجمع لغته بغيرها من اللغات. ولأن الأدب يحتاج للاستمرار والتجديد حتى يرى نفسه في لغات أخرى، فهو مضطر لاستيعاب نصوص الآداب الأخرى وكتابتها بلغته ليتمكن من الاطلاع على خبرات الآخر والاحتكاك بها. ولولا الترجمة لكانت كل الآداب مرتهنة بحدودها الضيقة كالمنعزل في جزيرة نائية لا يصله فيها غير صداها المشوه. ومثلما لا يمكن لأي أن حضارة أن تستغني عن ترجمة النصوص في المجالات الاقتصادية والتقنية والطبية، فكذلك لا يمكن للأدب الاستمرار دون استيعابه لنصوص غيره وترجمتها. وبالنظر لما ترجمه العرب في القرن العشرين نلاحظ أنّ حركة الترجمة كانت تسير بالتزامن مع تطور حركة الشعر العربي. ففي بداية القرن سادت ترجمة الشعر الرومانسي العربي وظهرت بوادر اتجاه رومنسي عربي في أدب المهجر وبعض إسهامات مدرسة الديوان[11]. أما في الخمسينيّات فقد امتلأت مجلة “شعر” بترجمات لنصوص شعرية متمردة على الوزن وتؤسس لقصيدة جديدة تتناقض شعريتها مع كل الأنماط الشعرية السائدة. وقد صدرت هذه الترجمات بالتزامن مع نشر أعلام جماعة “شعر” كأدونيس وإنسي الحاج ويوسف الخال نصوصا تبشر بميلاد قصيدة النثر كمجال جديد لتطوير الشعر العربي. كما لعبت مجلات أخرى مثل مجلة مواقف الأدبية، والملحق الثقافي لجريدة النهار دور بارز في الترجمة[12]. وفي الستينيات والسبعينيّات تعاظم انجذاب المترجمين العرب إلى نقل الشعر السياسي الثوري في وقت طغى فيه على الشعر العربي صوت الالتزام والدعوة إلى تغيير الواقع[13].

ومما سبق، نستنتج أن ترجمة الشعر أصبحت واقعا يحقق من خلاله المبدع والمترجم والأدب والحضارة حاجات أساسية لا يمكن تحقيقها بالإبداع أو القراءة. ولكن ما نصيب هذه الترجمات من النجاح الفني وما هي الشروط اللازمة لإنجاز ترجمة الشعر؟

 

شروط ترجمة الشعر

يبين محمد ميهوب أنه لابد من توفر نوعين من الشروط اللازمة لإمكان ترجمة الشعر، شروط نظرية، وشروط إجرائية ويمكننا تلخيص الشروط النظرية في عناصر ثلاثة تتمثل في:

  • التخلي عن مفهوم الشعر التقليدي كنظم ووزن فقط، وتوسيع أفق التعامل مع الإيقاع، حتى يتمكن المترجم من إيجاد البنية الإيقاعية الموسيقية الملائمة للنص الأصلي.
  • إعادة النظر في التصنيف المزدوج للغة بين لغة نثرية وأخرى شعرية، والأخذ بعين الاعتبار عناصر سياق التلفظ كالعلاقة بين المرسل والمتلقي، وصلة النصّ بسياقه الثقافي والأخلاقي والحضاري. وذلك لأن حسن تحليل حركة النص في العالم يعتبر ضروري جدا للمترجم.
  • التحرّر من التصور السائد حول ثنائيّة خيانة وأمانة الترجمة، وتكوين مفهوم جديد لمسألة الاخلاص للنص الأصلي الذي يعتبر هدفا فنيّا ومعرفيّا وأخلاقيّا يتقيد به المترجم ويسعى لبلوغه. ولكن الأمانة في الترجمة لا تعني التطابق الحرفي مع النص. فعلاوة على التطابق أمر صعب المنال، فإنه سيخرج لنا نصوصا واهية وركيكة تتمثل في تنضيد لمقابلات لغوية معجمية لا علاقة لها بالشعر. وهذا يعتبر أكبر خيانة قد يقترفها المترجم تجاه مؤلف النص. فالأمانة في ترجمة الشعر تتمثل في بذل المترجم المبدع لقصارى جهده من أجل إخراج نص شعري يضاهي النص الأصلي في إبداعه وعبقريتة وقدرته في التعبير عن حالة الشاعر الوجدانيّة أثناء خلقه للنص أول مرة. وبذلك يضمن المترجم تأثير نصه الهدف في قارئه بنفس الدرجة التي أثر بها النص الأصلي على قارئه.

أما الشروط الإجرائية فهي كثيرة ولا حصر لها، لأنها مرتبطة بممارسة الترجمة التي تتطلب تعامل مفتوح حسب المستجدات. ولذلك فإن هذه الشروط تتعلق إلى حد بعيد بخبرة المترجم ودرايته بنقل النصوص. ولكن عموما يمكننا أن نلخص هذه الشروط فيما يلي :

  • التروي في إنجاز الترجمة وعدم الاستعجال أو الالتزام بآجال محددة. وهذا يعني أن دافع المترجم ينبغي أن يكون إبداعيا، وليس عقدا ماديا يتعهد فيه المترجم بالنقل مقابل عائد مالي. إنّ طول فترة الترجمة مهم جدا لأنه يساعد المترجم على معايشة النص والتمكن منه وإدراك كل سماته الفنية والاطلاع على مختلف الصلات التي تربطه بالسياقات المعرفية.
  • ضرورة تقسيم الترجمة إلى مرحلتين كبريين هما: مرحلة التعمق في النص التي تنطوي على تفكيك النص الأصلي وتحليله وفهمه، ومرحلة الابتعاد عن النص والتهيّؤ إلى خلق النص من جديد في اللغة الهدف.
  • الترجمة عملية شمولية مركبة، ويجب أن تجمع بين ترجمة المحتوى الشعري (المجاز)، والاهتمام بأسلوب النص وموسيقاه عبر استنباط بنية موسيقية تتناسب مع اللغة الهدف وتؤدي خصوصية الإيقاع في النص. ومن أمثلة ذلك ما قام به نيقولا فيّاض في ترجمته قصيدة “البحيرة” للامرتين، حيث سعى إلى نقل الإيقاع الحزين عند لامرتين، فحاكى البنية الموسيقية لنونيّة ابن زيدون[14].

أهكــذا أبـدا تمـضــي أمــانينـــا                         نطوي الحياة وليل الموت يطوينا

تجري بنا سفن الأعمار ماخرة                       بحـر الوجــود ولا نلقــي مراسينا

  • العناية الفائقة بنقل المحتوى الثقافي من مفاهيم وقيم بني عليها النص الأصلي وتجعله ينتمي إلى الثقافة والحضارة اللتين خُلق فيهما. وهنا تزداد صعوبة مهمة المترجم لأنه يتحتم عليه أن يكون مخلصا في نقل هذا المحتوى المعرفي الثقافي عبر إيجاد المكافئ له في اللغة الهدف. إن النجاح في القيام بكل هذا يضمن للمترجم نجاح ترجمته، والفشل في ذلك يسقط ترجمته إسقاطا.

 

وبين استحالة الترجمة وإمكانيتها، وبين ندرة الأمثلة وشروط ترجمة الشعر، يعرض الناقد المغربي حسن بحراوي في كتابه “مدارات المستحيل” (دراسات في ترجمة الشعر) أبعاد الجدل النقدي حول امكانية ترجمة الشعر وأخطارها، مستدلا بتجارب وشهادات أدباء غربيين مثل جاكوبسون، وآخرين عرب كالجاحظ.

ويتجاوز بحراوي الجدل حول استحالة تحقيق الترجمة “الأمينة” للشعر وحتمية ارتكاب جرم “الخيانة” في حق المؤلف الأصلي، ليبحث في الطرق العملية التي تؤدي إلى نجاح الترجمة، حيث يرى أنه ينبغي على مترجم الشعر أن يهتم بالدينامية الداخلية التي تنظم القصيدة، ويستذكر العناصر الصوتية والإيقاعية التي تكون خصوصية كل شعر. و يبين أن “مترجم الشعر مطالب بإنجاز مهام عسيرة من أهمها أن ينقل إلى الأذن المستقبلة ذلك السحر المرتبط بموسيقى الكلمات، والذي يعود في جزء كبير منه إلى تأثيرات الوزن والإيقاع والقوافي”.

ويقر الباحث بأن الترجمة تتبع أثر الأجنبي لإثراء الأدب الوطني، فهي تقود إلى استكشاف آفاق فسيحة لا يمكن الوصول إليها بدون وساطة من الأجنبي، ولكنه يرجع فيقول أنه:

 “لما كان نص الشاعر عبارة عن تجميع للكلمات، حيث يتعايش المعنى بكل ما يتضمنه من أحاسيس وصور، وحيث تتنفس المؤثرات النفسية، فإن هذا الكائن اللغوي هو الذي علينا نقله بكامل حمولته إلى لغة أخرى وتكييفه مع خصائصها، وعملية من هذا القبيل تحتمل خطر تضييع بعض ملامح النص الأصلي. ومن هنا كان يتعين على المترجم تقليص هذا التضييع المحتوم إلى حدوده الدنيا”.

 

ويشير الناقد إلى أن كل اللغات تعتبر أجنبية عن بعضها البعض، ليس فقط من حيث أشكالها الصوتية، ولكن، في أحيان كثيرة، من حيث الطاقة الإيحائية التي تتضمنها تلك الأشكال، وهو مهم جدا في الشعر.

 

والمترجم مطالب بإنجاز مهام صعبة جدا ومهمة كنقل ذلك سحر موسيقى الكلمات إلى الأذن المتلقية، والذي يرجع في معظمه إلى تأثيرات الوزن والإيقاع والقافية.

 

وكما يقول السير جون دنهام فإن “للشعر روحا غير ظاهرة تختفي أثناء سكبه من لغة إلى أخرى”[15]. وبنفس المعنى يرى الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي أن “ترجمة الشعر محاولة عقيمة تماما، مثل نقل زهرة بنفسج من تربة أنبتتها إلى زهرية”، بينما يفتح جاكوبسون نافذة للإمكانية ترجمة الشعر حين يقول إن “الترجمة الوحيدة الممكنة هي النقل الإبداعي الخلاق، أي إعادة كتابة القصيدة وإنتاجها من جديد”[16].

 

وفي مواجهة أطروحة استحالة ترجمة الشعر، يتبنى بحرواي إمكانية الترجمة الإبداعية للشعر، حيث يرى أن ترجمة النص الإبداعي تعتبر إبداعا موازيا ومستقلا، لأن الترجمة عملية تبادل عوض أن تكون مجرد عملية نقل.

ولذلك لا ينبغي علينا أن نعتقد باستحالة الترجمة، لأننا بذلك نسلك اتجاه مخيب ومثبط لعزيمة المترجمين، وهو غريب عن التاريخ الأدبي الذي لعبت فيه الترجمة دورا رياديا في تلاقح الخبرات الإبداعية في ربوع العالم، بمعانيها الجغرافية واللغوية. ولكن، في المقابل، لا بد من الإقرار بأن هناك فجوة في ترجمة الشعر دائما ما تؤرق المترجم الأمين.

هذه الفجوة ليست نفسها في جميع الحالات، بل تأخذ أشكالا وأحجاما مختلفة وفقا لطبيعة النص الشعري المترجم. ففي مقال حول الموضوع بمجلة “بيت الشعر” الإماراتية، يستدل الكاتب على ذلك بأن المترجم الذي ينقل مثلا قصائد الشاعر محمد الماغوط إلى لغة أجنبية لن يواجه نفس إشكاليات المترجم الذي يقوم بترجمة شعر محمود درويش، حيث أن عمق الفجوة هنا يكمن في الخصوصية الجمالية عند كل من الشاعرين. وإذا اعتبرنا أن كلمات الشعر لا تمثل إلا رموز للأشياء، فإن اللغة تتحول إلى معضلة حقيقية في الترجمة، لأن اللغة هنا ليست زادا من المواد بقدر ما هي أفق.

ومن المفارقة أن فرضية استحالة تحقيق الترجمة المثالية تفتح مجال التجريب على مصراعيه لتتكاثر المحاولات التي قد تتنوع وتتعدد حول النص الواحد، مما يؤدي إلى ضياع القارئ في متاهة البحث عن نص أقرب إلى الأصل. ويبقى أن الترجمة تخضع لنفس قوانين النص الإبداعي، حيث الزمن ينصف الجودة والدقة و”الأمانة” الأدبية التي تحرص على نشر نتاج الروح الشعرية.

 

 

الخلاصة

يقودنا النقاش والشروط المذكورة أعلاه إلى أن ترجمة الشعر تعتبر من الأعمال الإبداعية القائمة بذاتها، ولا علاقة لها باستنساخ النصّ ونقله من لغة إلى لغة أخرى، حيث أنها تمثل عملية خلق وابتكار وتوليد. ولهذا السبب نجد أن أقدر الناس على ترجمة الشعر هم المترجمون الشعراء المبدعون الذين يمتلكون أيضا معرفة لا متناهية بلغة الآخر وحضارته وقيمه، فضلا عن معرفتهم العميقة أيضا بلغتهم وثقافتهم ومواطن جمالها وحسنها.

ولكي تحقق الترجمة أهدافها، وتستوفي عناصر نجاحها، فإن على المترجم أن يكون متحكما باللغتين الأصل والهدف، وان يكون الشاعر المترجم للشعر قادراً على الاحساس بمناخ الشاعر المترجم له حتى يدرك اجواء مفرداته وصوره وتعبيراته، وما تندرج فيه من تراكيب لغوية جمالية.

 

 

المراجع العربية

الجاحظ، الحيوان، دار الجيل، بيروت، 1996،ج 1 ص-ص 74-75.

ترجمة الشعر: بين التأويل والمحاكاة الحرفية. ميدل إيست أونلاين، 26/9/ 2012.  وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018، من: http://www.middle-east-online.com/?id=139856

حسن بحراوي (2011). مدارات المستحيل: دراسات في ترجمة الشعر. الرباط.

عثمان حمزة (2009). في قضايا ترجمة الشعر وإشكالياتها. ملحق الخليج الثقافي. وثيق إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/62b937c8-f69d-46a3-8150-26209f30916f

لطيفة زيتونة: ترجمة الشعر، آفاق عربيّة ع 12 كانون الأوّل بيروت 1987، ص 72.

محمد عجينة: الترجمة الأدبيّة، رحاب المعرفة، السنة 4، عدد 21، ماي-جوان 2001، ص 92.

محمد الهادي الطرابلسي بحوث في النصّ الأدبيّ، الدار العربية للكتاب، تونس 1988، ص103.

محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

نزار الفراوي. ترجمة الشعر.. الممكن والمستحيل. شبكة الجزيرة. وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من موقع: http://www.aljazeera.net

هاشم عبود الموسوي (2013). ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة. وثيقة إلكترونية من:  http://www.alnoor.se/article.asp?id=196655 . تم الوصول إليها يوم 14/1/2018.

 

[1] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] الجاحظ، الحيوان، دار الجيل، بيروت، 1996،ج 1 ص-ص 74-75.

[4] ذكره محمد عجينة: الترجمة الأدبيّة، رحاب المعرفة، السنة 4، عدد 21، ماي-جوان 2001، ص 92.

 

[5] محمد الهادي الطرابلسي بحوث في النصّ الأدبيّ، الدار العربية للكتاب، تونس 1988، ص103.

[6] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

[7] هاشم عبود الموسوي (2013). ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة. وثيقة إلكترونية من:  http://www.alnoor.se/article.asp?id=196655 . تم الوصول إليها يوم 14/1/2018.

 

[8] ترجمة الشعر: بين التأويل والمحاكاة الحرفية. ميدل إيست أونلاين، 26/9/ 2012.  وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018، من: http://www.middle-east-online.com/?id=139856

[9] المرجع السابق نفسه.

[10] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

 

[11] المرجع السابق نفسه.

[12] عثمان حمزة (2009). في قضايا ترجمة الشعر وإشكالياتها. ملحق الخليج الثقافي. وثيق إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/62b937c8-f69d-46a3-8150-26209f30916f

 

[13] محمد آيت ميهوب، مرجع سبق ذكره.

[14] لطيفة زيتونة: ترجمة الشعر، آفاق عربيّة ع 12 كانون الأوّل بيروت 1987، ص 72.

[15] تم الاستشهاد به في: نزار الفراوي. ترجمة الشعر.. الممكن والمستحيل. شبكة الجزيرة. وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من موقع: http://www.aljazeera.net

[16] المرجع السابق نفسه.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.