الرئيسية / الترجمة / الهدف من الترجمة الجيدة وخيارات المترجم

الهدف من الترجمة الجيدة وخيارات المترجم

إن لدى قراء الخيال الأدبي توقعات عالية. فهم يطالبون بأن يكون الكتاب غنيا وكثيفا ومتعدد الأبعاد، وقادرا على نسج السحر وتغيير شيء ما، مهما كان صغيرا، حول الطريقة التي يدركون بها أنفسهم. كما أنهم يريدون أيضا أن تتم تسليتهم، ​​ولكن بمستوى ذكاءهم. ويجب أن يكون للمؤلف الذي بإمكانه خلق مثل هذا الخيال بصيرة، ومتقننا للغة، وحس إيقاعي مقنع، وتعابير لغوية وفروق دقيقة، والقدرة على تحويل الإلهام إلى عمل فني مذهل وسامي.

وعندما تتم ترجمة الأعمال الأدبية، فإن وظيفة المترجم هي إعادة خلق هذا العمل الفني بشكل حساس وسلس بطريقة تنطبق على الأصل، فضلا عن كونه ساحرا، وشعري ومتسم بالتبصر. يجب التقاط التناسق والجمال واللون والنكهة. ويجب أن يكون العمل الناتج أيضا مفهوما من جمهوره الجديد، وأن يكون منطقيا على كل مستوى. كما يجب أن يكون للترجمة نفس فضائل الأصل، وأن تثير نفس الاستجابة في قرائها. وبالإضافة لذلك، يجب أن تعكس الاختلافات الثقافية، وترسم أوجه التشابه التي تجعلها مقبولة. ويجب أن تحقق توازنا دقيقا بين الحرفية والإيحاء، والقصة ولحنها. ويبغي أن تقرأ من قبل القراء في لغتها الجديدة بنفس الحماس والفهم كما كانت في لغتها الأولى.

وهكذا فإن دور المترجم متعدد الأوجه، حيث يجب عليه أن يسمع موسيقى الأصلي، واعادة تقديمها لجمهور جديد. فالترجمة الجيدة تغني، وتعرض إيقاع لا يعكس فقط أصل النص الأصلي ولكن أيضا يدق على طبل جديد. إن المترجم يعتبر قارئ وكاتب. فالترجمة هي بلا شك قراءة المرء الشخصية للنص المصدر، وحتما فهي منعكسة عبر ذاتية المترجم. ولا يوجد مترجمين، مثلما لا يوجد قارئين، هما نفسهما. فللكلمات صدى ودلالات مختلفة لكل شخص، وعندما يعمل المترجم، يستخرج التعبيرات والتفسيرات والمفردات والرؤى من مجموعة من منظومات اللاوعي للغة والخبرة.

تنطوي الترجمة الأدبية على اتخاذ خيارات لا نهاية لها، ووزن ما إذا كان ينبغي اعطاء الأولوية للمعنى على حساب الموسيقى، والإيقاع على حساب قواعد النحو، والروح بدلا من حروف النص، من أجل إعطاء الترجمة صوتها المميز ، في حين نقل طبقات الأصل الكثيرة بطريقة تحافظ على نوايا المؤلف.

ثم إن الترجمة مفارقة، حيث يتمثل أحد أهداف المترجم في إنتاج نص هدف له نفس معنى النص الأصلي. ولكن من الواضح أنه من المستحيل أن تعني الكلمات أو الجمل في لغة وثقافة ما نفس الشيء كتلك التي في لغة وثقافة  أخرى. إذا كانت المترادفات الظاهرية في أحد اللغات (مثل أسد وضرغام وليث، أو أنثى وسيدة وامرأة) ليست في الواقع نفس الشيء على الإطلاق، فبكم أقل من ذلك يمكن لكلمتين في لغتين مختلفتين أن تكون أي شيء يشبه الشيء نفسه؟ من الناحية النظرية، ينبغي أن تكون الترجمة مستحيلة. ومع ذلك، في العالم الحقيقي، تحدث الترجمة في كل وقت. وفي الواقع، فإن أحد المهام الرئيسية لعلماء اللغة هو تمكين حدوث الترجمات.

العالم مليء بالترجمات، وإذا لم يكن كذلك، فسيكون التواصل بين سكان دول العالم المختلفة مستحيل تقريبا. سنوضح فيما يلي أن المترجم يسعى دائما لإيجاد طريقة يجعل بها النص الهدف كالأصلي. قد يكون التماثل دلالي، ويوفر على الأقل تشابه في تطابق المعنى بين الاثنين. وقد يكون اصطلاحيا، كالعثور على تعبير عامي، أو غريب، أو مضحك، كذلك المُستَخدَم في النص الأصلي. ويمكن أن يحمل نفس نوع الشبه مع النصوص أو العادات أو الأشياء الثقافية الأخرى في اللغة الهدف كما يفعل النص الأصلي في لغته الأصلية. وقد يكون مشابه من حيث الأصوات أو الإيقاع. ومن غير المرجح أن يكون النص الهدف هو نفسه كالأصلي بكل هذه الطرق في وقت واحد، ولكن المترجم هو من يوازن بينهم كلهم باستمرار.

ولكن في الوقت نفسه، قد يختار المترجم أحيانا تجنب التماثل والتأكيد على اختلاف النص المُترجم، لكي يذكِّر القراء بأنهم يقرأون شيئا قد كتب أصلا بلغة أجنبية. وقد يُتوقع من القارئ أن يعمل بجد لتفسير الترجمة، وربما يجعله يلجأ في ذلك لمحاكاة تجربة قراءة شيء في لغة أجنبية حتى يستنبط ما يعنيه.

يتم انتاج النص الهدف على أساس فهم المترجم لنص آخر، والذي عادة ما يكون موجودا بالفعل أثناء قيام المترجم بالترجمة. وغالبا ما يكون غرض الترجمة نقل بعض ما ينقله هذا النص الموجود بالفعل، وهو ما سيؤثر بالتالي تأثيرا كبيرا على الترجمة ويكون واضحا فيها (للأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى النصين). وبعبارة أخرى، هناك عادة توقع بوجود تشابه دلالي قوي بين النص وترجمته. ومع ذلك، فإن التوقع القياسي فيما يتعلق باللغات المعنية يكون عكس ذلك، أي أنه لن يكون هناك دليل على لغة النص المصدر في الترجمة. ويوصف مثل هذا الدليل باستخدام المصطلحات الازدرائية، والأصدقاء الكاذبون (false friends)[1]، والتريجمات (translationese)[2]. ولكن، بقدر ما تساهم الشكليات اللغوية في المعنى، يجب مع ذلك أخذها في الاعتبار ومعالجتها ضمن الترجمة.

وفيما يتعلق بمعالجة العوامل الثقافية والسياقية في الترجمة، فإن المترجمين يتخذون خيارات استراتيجية بين إما تضمين علامات ثقافية وسياقية من الأصل، أو التكيف مع معايير الثقافة حيث يُوظف النص الهدف. وقد نوقش هذا النوع من الخيارات طوال تاريخ نظرية الترجمة، ولا سيما من حيث تمييز شلييرماشر (Schleiermacher, 1838) المشهور بين أخذ القارئ إلى النص أو النص إلى القارئ، وفي الآونة الأخيرة على هيئة تمييز فينوتي (Venuti, 1995) بين التغريب والتدجين. وما إذا كانت جميع مظاهر التمييز هي في الواقع مظاهر لنفس التمييز بالضبط، فلن يحتجزنا ذلك هنا.

ومن الواضح أن أي قارئ (مؤهل) سيشكل فهم للنص الذي يقرأه؛ ولكن بينما يبقي القراء عادة ما يفهمون لأنفسهم ما لم يطلب منهم الكشف عنه، فإن المترجمين بالكاد يمكنهم عرض جوانب فهمهم في ترجماتهم. وهذا يبدو أكثر وضوحا في حالات نصوص المصدر الغامضة.

إن فهم المترجم للغرض من ترجمته وقرائها يؤثر كثيرا على الدرجة التي يقرر بها المترجم الامتثال لتوقع التشابه الدلالي بين النص المصدر والهدف. ولذلك، عند انتاج ترجمة، نجد أن المترجم يقوم بما يلي:

  1. خلق التشابه الدلالي من التباين اللغوي.
  2. اختيار صيغ اعتيادية موحدة في اللغة الهدف تكون أقرب ما يمكن إلى شكليات النص المصدر.
  3. تحديد كيفية التعامل مع التباين الثقافي والسياقي.
  4. النظر في الغرض من الترجمة وجمهورها.

وكل ذلك يتم على خلفية فهم المترجم للنص المصدر، حيث يقدم له ذلك أنواع عديدة من الخيارات وفرص الإبداع.

 

المراجع

Schleiermacher, Friedrich Daniel Ernst 1838 ‘On the different methods of translating’ (‘Ueber die verschiedenen Methoden des Uebersezens’). Lecture 3 of Abhandlungen gelesen in der Königlichen Akademie der Wissenschaften, pp. 207–245 in Volume 2 (1838) of Zur Philosophie (9 volumes) Berlin: G. Reimer. English translation in Douglas Robinson 1997 Western Translation Theory: From Herodotus to Nietzsche. Manchester: St. Jerome, pp. 225–238.

Venuti, Lawrence 1995 The Translator’s Invisibility London and New York: Routledge.

[1] مصطلحات في لغتين (أو أكثر) تشبه بعضها في الشكل ولكن ليس في الدلالة.

[2] مصطلح يُستخدم لوصف مقطع من ترجمة تكون فيها تراكيب لغة النص المصدر واضحة، وغير عادية أو ملائمة لأعراف وقواعد لغة النص الهدف.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

دوافع الترجمة

يناقش هذا المقال المتواضع بعض دوافع الترجمة وأسباب الحاجة إليها بالنسبة للباحثين في مجال المعرفة …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.