اللغة

نظرًا لأن لدينا كلمة ‘لغة’، فإننا نفترض أنه يجب أن يكون هناك كيان مطابق تدل عليه هذه الكلمة. ومع ذلك ، فإن اللغوي سوسير (Saussure, 1969 [1916]: 19) يبين أن “اللغة ليست كيانًا”. لقد تبين أن تعريف شيء مثل “اللغة العربية” مهمة صعبة. يكمن جزء من المشكلة في أن اللغة لديها العديد من الجوانب المختلفة، حيث يمكننا أن ننظر إليها كحقيقة اجتماعية ، كحالة نفسية ، كمجموعة من التراكيب ، أو كمجموعة من المخرجات.

اللغة حقيقة اجتماعية ، ونوع من العقد الاجتماعي. فهي لا توجد في الفرد ، ولكن في المجتمع. إنها كنز مدفون بممارسة الكلام من قبل أناس ينتمون إلى نفس المجتمع ، وهي نظام نحوي له وجود افتراضي في كل دماغ ، أو في أدمغة مجموعة من الأفراد، لأنها، أي اللغة، ليست كاملة في أي فرد ، ولكنها موجودة فقط في المجموعة (Saussure, 1969 [1916]: 30).

ويمكن أيضا أن يُنظر إلى اللغة على أنها حقيقة عقلية. إنها موجودة في رؤوس الأشخاص الذين يتحدثون بها ، ونفترض وجودها بسبب قدرة الناس على تعلم اللغات بشكل عام وممارستهم في التعامل مع لغة معينة على الأقل. “إن القواعد النحوية كيان عقلي ، يتم تمثيله في عقل / دماغ الفرد ويميز القدرات اللغوية لهذا الفرد” (Lightfoot, 2000: 231). لاحظ أن لايتفوت هنا يتحدث عن القواعد وليس اللغة ، لكن أحد التعريفات المحتملة للغة هو بالضبط أنها نظام نحوي يسمح للمتحدثين بإنتاج الكلمات والتعبيرات المناسبة. “القواعد النحوية” لها العديد من المعاني مثلها مثل “اللغة”.

بهذا المعنى ، قد نرى اللغة كمجموعة من الخيارات ، ومجموعة من التناقضات. يمكننا القول “ذهب فرج إلى العمل” ، ولكن لا يمكننا أن نقول “العمل فرج إلى ذهب”، كجملة ذات مغزى في اللغة العربية. هناك نظام للترتيب الذي يجب أن تكون عليه الكلمات لكي يكون لها معنى. نختار ، في اللغة الإنجليزية ، ما إذا كنا سنقول ‘towel’ (منشفة) أو ‘cowl’ (طائر)، ولكننا لا نستطيع أن نختار ، باللغة الإنجليزية ، أن ندخل صوتا ساكنا في المنتصف بين /t/ في كلمة ‘towel’ و/k/  في كلمة ‘cowl’ ليعني شيئًا يشكل جزءًا من ‘towel’ وجزءا من ‘cowl’ (أو ، ليعني أي شيء آخر). هناك نظام للأصوات التي نستخدمها في اللغة الإنجليزية. لذلك يمكن النظر إلى اللغة على أنها نظام من الأنظمة. عادة ما يُنسب هذا الرأي إلى ميليت (Meillet, 1903: 407) الذي بين أن “كل لغة تشكل نظامًا يتداخل فيه كل شيء”. غير أن هناك من سبقه في بيان نفس النقطة بمصطلحات مشابهة ، مثل جابلينتز الذي أوضح أن “كل لغة تعتبر نظام تترابط أجزائه وتتفاعل بشكل عضوي” (von der Gabelentz, 1901: 481 ، كما استشهد به Matthews, 2001: 6).

وهناك طريقة بديلة أخرى للنظر في اللغة تتمثل في تجاهل الطريقة التي يبني بها المتكلمين التعبيرات ، والنظر بدلاً من ذلك في مخرجاتهم ، أو مجموعة حقيقية من الألفاظ ، أو (في شكل أكثر مثالية) مجموعة من الجمل. يمكن تعريف اللغة على أنها مجموعة من الجمل:

إن مجموع التعبيرات التي يمكن إنتاجها في مجتمع خطاب هو لغة مجتمع الخطاب هذا ((Bloomfield, 1957 [1926]: 26)). اللغة هي مجموعة (محدودة أو لانهائية) من الجمل، كل منها محدودة الطول ومبنية من مجموعة محدودة من العناصر. (Chomsky 1957: 13)

مسألة ما إذا كان ينبغي لنا أن نتعامل مع الألفاظ (الأشياء التي يتم إنتاجها ، سواء في خطاب خطي أو من قبل المتحدثين) أو الجمل تثير تمييزًا محتملاً آخر. يقدم تشومسكي (Chomsky, 1986) فكرة التمييز بين اللغة الخارجية واللغة الداخلية. يتحدث سميث (Smith, 1994) بالفعل عن هذا التمييز على أنه “معتاد” ، والذي قد يكون مبالغة في تقدير الحالة ، لكنه يميز التمييز بوضوح شديد عندما يقول أن:

اللغة الخارجية (Externalised-language) هي التعبير “الخارجي” للـقواعد اللغوية الممثلة “داخليًا” (أي عقليًا أو Internalised-languages) للعديد من الأفراد. اللغات الخارجية هي المجال المناسب للجمل أو البيانات الاجتماعية والسياسية والرياضية أو المنطقية. اللغات الداخلية ​​هي المجال المناسب للبيانات حول المعرفة الفردية. إن هذا المجال الأضيق ظاهريًا يستحق التفكير فيه من حقيقة أن البشر ، كأنواع ، يبدو أنهم متطابقين بشكل أساسي في قدراتهم اللغوية. . . . كل طفل يجلب نفس الجهاز الفكري (المعروف باسم “القواعد العالمية” أو ‘universal grammar’) ليتحمل مهمة اكتساب لغته الأولى (Smith, 1994: 646).

إذن الألفاظ هي لغة خارجية ، في حين أن الجمل قد تنتمي إلى اللغة الداخلية ، وهي نظام مفترض في عقلنا أقل عرضة للخطأ. لكن “الجهاز الفكري” الذي يسمح للأطفال ببناء لغة مثل العربية لأنفسهم هو أيضًا ، كما هو مقترح ، لغة بمعنى مختلف. فأحيانًا أيضًا تُعرف القدرة اللغوية، وهي الميزة التي تميز البشر عن الحيوانات الأخرى ، بـ “اللغة”.

هناك الكثير من التعقيدات هنا لدرجة أننا قد نقول أنه سيكون من الأفضل للغويين التخلي عن محاولة حتى وصف لغات معينة ، ناهيك عن “اللغة” بمعناها المجرد. ماذا سيصفون؟ هل سيصوف البنية الاجتماعية التي تكتمل فقط في المجموعة ، أو البنية العقلية التي يجب أن يفترض أن يحملها المتحدثين بتلك اللغة في رؤوسهم ، أو مجموعة الأنظمة التي من المفترض أن تسمح للمتحدثين بإنشاء تعبيرات جديدة لأنفسهم أو الكلمات والتعبيرات المنتجة بالفعل؟ لقد تم تجربة كل هذه الأشياء. ولكن لاحظ أن هناك تناقضات منطقية بين هذه الأشياء المحتملة للوصف. إذا كانت اللغة كحقيقة اجتماعية موجودة فقط في المجموعة ، لا يتحدث أي فرد “اللغة”؛ فيجب أن يكون لدى أي شخص معرفة جزئية فقط باللغة. هذا ليس من الصعب إثباته: افتح أي قاموس كبير باللغة الإنجليزية بشكل عشوائي ، واقرأ الكلمات الرئيسية الخمسين الأولى التي تصل إليها. لم تكن تعرف كل هذه الكلمات قبل أن تبدأ في القراءة (ربما لن تفعل ذلك بعد الانتهاء) ، ولكن شخص ما (أو ، على الأرجح ، مجموعة من الأفراد) يعرفها ويستخدمها أو لن تكون في القاموس. لذلك لا يمكن لوصف ما في رأس أي شخص أن يوفر وصفًا كاملاً للغة بمعنى أن اللغة الإنجليزية هي لغة. يفضل العديد من اللغويين استخدام مصطلح اللغة الفردية (IDIOLECT) للإشارة للغة الخاصة بالفرد. لذلك أنت لا تتحدث الإنجليزية ، أنت تتحدث لغتك الخاصة (your idiolect). يبدو ذلك سهلاً إلى أن نتساءل عما تتكون منه “الإنجليزية”. من المفترض أنه يتكون من مجموع جميع لغات الناس الفردية الذين نتفق على أنهم يتحدثون الإنجليزية. لكن بعض هؤلاء الناس لديهم أفكار متضاربة حول ما هو جزء من لغتهم. لنأخذ مثالاً بسيطًا ، هناك ملايين الأشخاص يتحدثون عما يمكن أن نسميه “الإنجليزية” ، والذين يعتبرون أن صيغة الفعل الماضي للفعل ‘dive’ هي ‘dove’. بالنسبة لهؤلاء المتكلمين ، تبدو الصيغة ‘dived’ وكأنها كلام أطفال ، كما تبدو الصيغة ‘writed’ بدلاً من ‘wrote’. هناك أيضا الملايين من المتكلمين الذين يعتبرون الصيغة ‘dived’  هي الفعل الماضي الوحيد للفعل ‘dive’، وتبدو الصيغة ‘dove’ كنوع من المزاح الذي نقوم به عندما نقول أن الماضي من الفعل ‘think’ هو ‘thank’ أو ‘thunk’. المثال مبتذل، لكنه يعني أنه يجب علينا أن نسمح بالكثير من الإجابات المختلفة لماهية اللغة الإنجليزية ، حتى تلك غير المتوافقة مع بعضها البعض. لذلك يجب أن يكون صحيحًا أنه لا يوجد خط واضح حيث تتوقف اللغة الإنجليزية ويبدأ شيء آخر (وليس من الواضح في كثير من الأحيان ما هو هذا الشيء الآخر). اللغة “الإنجليزية” غير محددة بشكل جيد (ونفس الشيء ينطبق على أي لغة أخرى يتم ذكر اسمها بهذه الطريقة).

كما أن اللغة بمعنى “القدرة اللغوية” ليست محددة بشكل جيد. لقد ذهب الكثير من العمل في محاولة فهم القواعد العالمية (أو Universal Grammar كما يطلق عليها عادة) وفق مناهج تشومسكي للغة، ونحن لا نفهم حتى الآن كيف يجب أن تبدو أو كيف يجب أن تعمل. هناك حتى خلاف حول ما إذا كانت مجموعة وظائف لغوية محددة، أو ما إذا كانت مجموعة عامة من القدرات المعرفية التي تسمح للبشر أن يكونوا مستخدمين للغة.

إذا لم يكن من السهل تعريف لغة أو اللغة (القدرة اللغوية)، يجب أن نسأل ما الذي يتعامل معه اللغويون. يجب على اللغويين تعريف اللغة لأغراضهم الخاصة. ليس لديهم تعريف خارجي للغة أو للغة معينة يكفي بشكل واضح لاحتياجاتهم. هذا ليس بالضرورة أمرا سيئا ، لكنه يعني أن الحذر مطلوب.

المراجع

Bloomfield, Leonard (1957 [1926]). A set of postulates for the science of language. Language 2: 153–64. Reprinted in Martin Joos (ed.), Readings in Linguistics. Chicago and London: University of Chicago Press, 26–31.

Chomsky, Noam (1957). Syntactic Structures. The Hague and Paris: Mouton.

Chomsky, Noam (1986). Knowledge of Language. New York: Praeger.

Chomsky, Noam (2000). New Horizons in the Study of Language and Mind. Cambridge: Cambridge University Press.

Gabelentz, Georg von der (1901 [1891]). Die Sprachwissenschaft. 2nd edn. Leipzig: Tauchnitz.

Lightfoot, David (2000). The spandrels of the linguistic genotype. In Chris Knight, Michael Studdert-Kennedy & James R. Hurford (eds), The Evolutionary Emergence of Language. Cambridge: Cambridge University Press, 231–47.

Matthews, Peter (2001). A Short History of Structural Linguistics. Cambridge: Cambridge University Press.

Meillet, Antoine (1903). Introduction à l’étude comparative des langues indo-européennes. Paris: Hachette.

Saussure, Ferdinand de (1969 [1916]). Cours de linguistique générale. Paris: Payot.

Smith, N[eil] V. (1994). Competence and performance. In R. E. Asher (ed.), Encyclopedia of Language and Linguistics. Oxford: Pergamon, Vol. 2, 645–8.