الرئيسية / البحث العلمي / العوامل المؤثرة في تدريس اللغة الإنجليزية وإعداد موادها التعليمية في ليبيا

العوامل المؤثرة في تدريس اللغة الإنجليزية وإعداد موادها التعليمية في ليبيا

مقدمة

يتناول هذا الفصل آثار القيود المحلية على إعداد المواد في ليبيا. سيتم تقسيم الفصل إلى خمسة أجزاء. القسم (1) يصف وضع تعلم الإنجليزية في ليبيا في الماضي والحاضر. ويستعرض القسم (2) أسباب تدريس اللغة الإنجليزية في ليبيا ويناقشها بإيجاز. أما القسم (3) فيلقي نظرة عامة على الأدبيات المتعلقة بالموضوع. ويناقش القسم (4) العوامل والقيود المهمة التي يبدو أنها أثرت على تعليم وتعلم اللغة الإنجليزية في ليبيا وإعداد موادها. تتعلق هذه القيود بالسياسة والتاريخ والإعلام والإنترنت والمعتقدات … إلخ. أما القسم الأخير فيقدم ملخص بأهم النقاط التي أثيرت في هذا الفصل.

 لماذا تُدرس اللغة الإنجليزية في ليبيا؟

قد يتساءل المرء لماذا نتعلم اللغة الإنجليزية في بلد مثل ليبيا؟ ولكن، على الفور، يتذكر العقل حقيقة أن معظم التقدم العلمي والتقني وأغلب المصطلحات السياسية تأتي من دول ناطقة بالإنجليزية والذي بدوره يجعل الناس مجبرين على تعلم اللغة الإنجليزية حتى يمكنهم الاستفادة منها (Crystal, 1997: 80). وبالإضافة إلى التعرف على الثقافات المختلفة من خلال اللغة الإنجليزية، سيتاح للمتعلمين الليبيين فرصة المشاركة في التفاعل العالمي، لأنه كما يشير كريستال (Crystal, 1997: 87-89, 91, 93, 106, 109, and 117):

  1. الإنجليزية هي واحدة من اللغات الرسمية للأمم المتحدة.
  2. تُستخدم منظمة الدول المصدرة للنفط الانجليزية كلغة رسمية لها.
  3. تُستخدم اللغة الإنجليزية كلغة رسمية وحيدة … لمنظمة الشعوب الأفريقية.
  4. تستخدم رابطة النقل الجوي العربية اللغة الإنجليزية كأحد لغاتها الرسمية.
  5. الانطباع الطاغي بأنه كلما كانت هناك منظمة في العالم، فإن اللغة الإنجليزية هي اللغة المساعدة الرئيسية.
  6. اللغة الإنجليزية وسيلة هامة للصحافة لما يقارب من 400 عام.
  7. اللغة الإنجليزية هي اللغة التي تنشر بها معظم المنشورات ونتائج البحوث ، وخاصة المجلات الأكاديمية المعروفة.
  8. اللغة الإنجليزية هي لغة البحر الدولية منذ فترة طويلة.
  9. اعتماد أكثر من 180 دولة توصيات منظمة الطيران المدني الدولية حول المصطلحات الإنجليزية.
  10. معظم المعلومات على الإنترنت باللغة الإنجليزية.

كما أشار باحثون آخرون إلى أهمية اللغة الإنجليزية وتعلمها. يقول فيرغسون (Ferguson, 1981 كما استشهد به في Kachru, 1982: ix) أن “… اللغة الإنجليزية مهمة … كأهمية الاستخدام الحديث لأجهزة الحاسوب”. حدد كاشرو (Kachru, 1982: 3) سببًا معينًا يحفز تعلم اللغة الإنجليزية. وجادل بأن “اللغة الإنجليزية غالبا ما يتم تعلمها بسبب تراثها، وذلك نظرا للمكانة التي قد تمنحها للقارئ أو المتحدث ، وبسبب الأبواب التي تفتحها في التكنولوجيا والعلوم والتجارة والدبلوماسية”.

ومما سبق ذكره ، يمكن للمرء أن يستنتج أن تعلم اللغة الإنجليزية يعتبر أداة حيوية لاكتساب المعرفة لأن اللغة الإنجليزية كما يقول كريستال (Crystal, 1997:110) “هي الوسط لكم كبير من معرفة العالم ، خاصة في مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا”. وعلاوة على ذلك ، فقد أصبحت اللغة الإنجليزية لغة التفاعل العالمي بشكل متزايد. لذلك، كان التربويون الليبيون على حق في قرارهم المتعلق بدمج اللغة الإنجليزية في المناهج الدراسية الوطنية.

وضع تدريس اللغة الإنجليزية في ليبيا

خلال السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات كان تعلم اللغة الإنجليزية مكونًا إلزاميًا في المناهج الوطنية الليبية، ولكن في عام 1986 تم حظر تدريس اللغة الإنجليزية وتعلمها تمامًا. ويعزى ذلك إلى العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على النظام التعليمي في ذلك الوقت. أُمر المعلمون والطلاب والتلاميذ ، دون مبالاة بالأعراف الدينية، بإهمال تعلم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية رغم أن الإسلام يشجع تعلم اللغات. هذا ، بدوره ، جعل معلمي اللغة الإنجليزية عاطلين عن العمل أو أجبروا على تعليم مواضيع أخرى مثل التاريخ والجغرافيا. لم يكن الطلاب، في ذلك الوقت، على دراية بالمشكلة حتى انهوا دراستهم الثانوية وأصبحوا طلاباً جامعيين حيث كان الفشل في دراسة العديد من المواد باللغة الإنجليزية واضحاً.

وبعد فترة أدرك التربويون الليبيون الخطأ وعزموا على دمج اللغة الإنجليزية في المناهج الدراسية مرة أخرى. لقد قرروا أنه لا يجب تدريس اللغة الإنجليزية فقط ، بل يجب تعلم اللغات الأخرى حتى في المراحل المبكرة من العملية التعليمية. عندما تم الترحيب برجوع اللغة الإنجليزية إلى المدرسة مرة أخرى (في عام 1997)، أصبح المدرسون الذين كانوا يعلمون اللغة الإنجليزية في وقت ما غير قادرين على تدريسها. لقد احتوت الكتب المدرسية الجديدة الجوانب الثقافية للغة الإنجليزية ، مما تتطلب تطبيق منهجيات تدريس جديدة مثل النهج التواصلي. وقد خلق هذا عقبة في بيئة التعلم التعليمية، حيث نسي المعلمون اللغة الإنجليزية، ولكن يتحتم عليهم تعليمها. لم يتبق سوى عدد قليل من الذين لا يزالون قادرين على تعليم اللغات، لا سيما اللغة الإنجليزية. وللتعامل مع هذه المشكلة، تم تصميم برامج لتدريب معلمي اللغة الإنجليزية، لكن الثقافة التعليمية المحلية السائدة بين المعلمين والمتعلمين لم تؤد إلا إلى الفشل، لأنه في الماضي، اعتاد مدرسو اللغة الإنجليزية الليبيون على المنهجيات القديمة وعلى المواد المبنية على الثقافة الليبية فقط.

مراجعة الأدبيات

تم تعريف الثقافة بأنها ‘النمط المتكامل للسلوك البشري الذي يشمل الأفكار والاتصالات واللغات والممارسات والمعتقدات والقيم والعادات والمجاملات والطقوس وأساليب التفاعل والأدوار والعلاقات والسلوكيات المتوقعة لمجموعة قبلية أو عرقية أو دينية أو اجتماعية؛ والقدرة على نقل ما سبق إلى الأجيال المقبلة’ (Goode et al, 2000). وهذا يعني أن اللغة الإنجليزية ليست فقط عنصرًا في ثقافة الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، ولكنها أيضًا تعرضها وتنقلها (Peterson and Coltrane, 2003)؛ ‘لأنه لا يمكن نقل الثقافة إلا من خلال ترميز وتصنيف وتركيز الخبرات في صيغة لغوية معينة’ (Stern, 1983: 200). ولذلك ، فإن إدراج جوانب معينة فقط من ثقافة البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية ضمن المواد التي سيتم تدريسها لا يمكن أن يؤدي إلى الإتقان الفعال والكامل للغة. اللغة تعكس الثقافة، ومن ثم، فمن الأهمية بمكان دمجهما معًا في المواد التعليمية (Fairclough, 1992: 6). المعرفة اللغوية البحتة وحدها ليست كافية للتفاعل الثقافي (Peterson and Coltrane, 2003). وتجدر الإشارة إلى أن علماء تدريس اللغة قد أكدوا على أهمية تعلم اللغة في اكتساب المعرفة عن البلدان وشعوبها (Stern, 1993: 247). ومن الجدير بالذكر هنا أن التربويين والمصممين الليبيين في الماضي (قبل عام 1999) قد فصلوا اللغة الإنجليزية عن دائرة ثقافاتها الداخلية. وعلى النقيض من ذلك، يصر بيترسون وكولتران (Peterson and Coltrane, 2003) على أن يتضمن المنهج مواد أصلية لمساعدة المتعلمين على المشاركة في التجارب الثقافية الحقيقية. يمكن الحصول على هذه المواد من مصادر مثل الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والبرامج الإخبارية والمحاضرات … إلخ. 

 الحجج المقدمة حتى الآن هي لصالح فكرة أن اللغة الإنجليزية يجب أن تدرس من خلال المعايير والقيم الاجتماعية الثقافية للبلدان الناطقة بالإنجليزية (Peterson and Coltrane, 2003)، والذي سيؤدي حتما إلى خلق أفراد ثنائيي اللغة والثقافة (Alptekin and Alptekin, 1984). وفقًا لهذا الافتراض، يجب أن تشتمل المواد اللغوية على الأقل على المعلومات الأساسية حول القيم والمعايير الثقافية للثقافة لكي نعطي المتعلمين الفرصة لفهم ليس فقط الجانب اللغوي للغة الإنجليزية، ولكن أيضًا ليكونوا قادرين على التواصل بفعالية مع المجتمعات الناطقة بها.

يجادل الرأي المغاير الآخر بأنه يجب تحرير تدريس اللغة الإنجليزية من السياق الثقافي المرتبط بالجنسية، بهدف تطوير أفراد ثنائيي اللغة دون الحاجة بالضرورة إلى أن يصبحوا أشخاصًا ثنائي الثقافة (Alptekin and Alptekin, 1984). يرى مؤيدو هذا الرأي (Alptekin and Alptekin, 1984:14) أنه ‘يجب استخدام سياقات محلية ودولية مألوفة وذات صلة بحياة الطلاب (بدلاً من سياقات غير مألوفة وغير ذات صلة من العالم الناطق بالإنجليزية)’. وتجدر الإشارة إلى أن الجوانب الثقافية للعالم الناطق بالإنجليزية والتي تصاحب المعلومات العلمية والآلات الفنية يعتبرها بعض الباحثين خصائص غريبة وغير مقبولة للثقافة المستهدفة (Wilkins, 1975: 49). وفي الواقع، فإن تدفق المعلومات من الثقافات الأنجلو أمريكية جعل الدول المستقبلة تفرض قيودًا على النظام التعليمي للحفاظ على أسلوب عيشه (Rao, 1976). على سبيل المثال، في ليبيا يرى الساسة والمتعلمين في مواد تعلم اللغة الإنجليزية التي لم يتم ‘تثاقفها’ وتعديلها لتلائم احتياجات بلدهم وثقافتهم كتهديد للهوية الوطنية. 

 وبالنظر إلى حقيقة أن اللغة الإنجليزية اليوم يمكن استخدامها لنقل أي تراث ثقافي (على سبيل المثال ، العديد من الكتب والأفلام والمسلسلات … إلخ. التي تم إنتاجها بلغات أخرى قد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية)، سيكون عمليا أكثر لو اعتبرنا الإنجليزية كلغة ‘لا ترتبط دائما ارتباطا وثيقا بثقافة معينة’ (Alptekin, 1993: 140). علاوة على ذلك، يبدو أن وجهة النظر التي تشدد العلاقة بين تعلم اللغة وثقافتها تتجاهل آثار معرفة العالم التي اكتسبها المتعلم مسبقًا حول تعلم اللغات الأجنبية (Alptekin, 1993: 140). هنا يمكن للمرء أن يبرز معضلة التركيز على الأشكال اللغوية البحتة أو التركيز على الجوانب الثقافية المستخدمة في التفاعلات اليومية. إن كلا الطريقتين، إذا طبقت بدون تعديلات ناقدة، تبدو غير واقعية وغير عملية (Stern, 1983: 191).

أخيراً ، يمكن القول أنه بدلاً من التفكير في تعليم اللغة الإنجليزية من خلال ثقافة البلدان الناطقة باللغة الأصلية أو من خلال الثقافة الأصلية للمتعلمين، سيكون من الممكن ترقية معارف الطلاب من ثقافتهم إلى الثقافة الناشئة الجديدة الآن للثقافة الإنجليزية العالمية في مجالات معينة مثل العلوم والإنترنت، ووسائل الإعلام ، أو حتى من خلال التفاعل البشري في عصر العولمة. تجدر الإشارة هنا إلى أن خبراء التعليم ومناهج المناهج الليبيين (بعد عام 1999) تبنوا هذا الرأي وما يرتبط به من تعليم اللغة الإنجليزية مع الثقافة العالمية (أي استخدامها في التواصل الدولي، والأغراض العلمية، وإلى حد ما لاستكشاف ثقافات ‘الدائرة الداخلية’ الإنجليزية). .

إن فكرة دمج الأعراف والقيم الثقافية في مواد المناهج ليست جديدة على تعليم اللغات الأجنبية (Peterson and Coltrane, 2003). ومع ذلك، فإن الجدل حول هذا الموضوع يرتبط بنوع المحتوى الثقافي الذي سيتم تضمينه في المواد التعليمية. يعتمد المحتوى الذي يجب دمجه على الغرض من تدريس لغة أجنبية معينة. إذا كان الهدف هو تمكين المتعلمين من التواصل بفعالية في لغة ومجتمع آخر، فيجب اعتبار الجوانب الثقافية عنصرا أساسيا في المواد اللغوية (Peterson and Coltrane, 2003). إما إذا كان الهدف الرئيسي هو تمكين المتعلمين من التواصل على المستوى الدولي ولأغراض تعليمية واضحة، فإن مواد المنهج يجب أن تتضمن فقط تلك الجوانب التي يفترض أن العالم كله يتقاسمها.

سنناقش في القسم التالي بعض العوامل الأكثر أهمية والتي يعتقد أن لها تأثير على تدريس مواد اللغة الإنجليزية وإعدادها في ليبيا. وتشمل هذه، من بين أمور أخرى، العوامل السياسية والدينية، والعوامل التاريخية والمواقف.

القيود المفروضة على تعليم اللغة الإنجليزية وإعداد موادها في ليبيا

أولاً وقبل كل شيء، لدى ليبيا ثقافة إسلامية تشجع على تعلم اللغات. غالبًا ما يذكر في كتب السنة أن تعلم اللغات هو مسألة حماية للنفس من شر الآخرين، حيث بين النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه ‘من تعلم لغة قوم آمن شرهم ‘. هذا يستلزم فهم الثقافات الأخرى بالطبع. ومع ذلك ، فإن ما نراه في البلدان الإسلامية اليوم هو رفض لجوانب معينة من ثقافة البلدان الناطقة بالإنجليزية. على سبيل المثال، ذكر الكحول والكنائس والنوادي الليلية … الخ. يعتبر جريمة في الإسلام. ليبيا ليست استثناء هنا. فحتى هذه اللحظة لا يوجد ذكر لأي جانب من جوانب الثقافة الإنجليزية التي تتناقض مع المعتقدات الإسلامية في المواد التي تدرس في فصول اللغة الإنجليزية (في المدارس العامة).

 ثانياً ، كان لدى ليبيا أيديولوجية سياسية تزعم أنها تعطي السكان المحليين الحق في حكم أنفسهم. وقد أثرت هذه الحقيقة على تصميم المواد والمناهج الوطنية، حيث كان يجب أن تتطابق كتب اللغة الإنجليزية المستخدمة في البلاد مع تلك الأيديولوجية. على سبيل المثال ، يجد صناع القرار والتربويون الليبيون أن الفكر الثقافي الغربي مقيت بسبب الاختلاف في الدين والعوامل التاريخية والسياسية الأخرى. وقد اعتمدوا على سمات معينة من أيديولوجيتهم وطبقوها على النظام التعليمي للبلد. فهم لم يريدوا، على سبيل المثال، أن يتم تدريس مفاهيم الرأسمالية في المدارس في المراحل الأولى من عملية التعلم، خاصة في مجال تعلم اللغة الإنجليزية. هذا سلوك مضلل كما بين هوليداي وآخرون (Holliday et el, 2004: 14)، حيث ‘قد يعتقد المرء أن ‘أنت’ في كل من هذه الحالات تكون مخادعة أو مضللة، وبالتلاعب أو اختيار ما يحلو لهم من ثقافتهم بهذه الطريقة’. في الواقع، إن فرض جوانب معينة من الثقافة على مادة تعليمية سيؤثر بالتأكيد على عملية التعلم، لأن فهم مخرجات الثقافات المتضمنة في الموقف التعليمي يعتبر عنصر أساسي في التواصل بين الثقافات (Holliday et al, 2004: 19)، وهذا الفهم، بدوره، من المحتمل أن يعزز تعليم اللغة المعنية. يستلزم هذا الافتراض دراسة الثقافة المحلية والهدف، ولكن للأسف، لم يكن هذا هو الحال في ليبيا. لقد شدد التربويون الليبيون في الماضي على دور الثقافة الليبية في تدريس اللغة الإنجليزية وأهملوا الثقافة الهدف للبلاد الناطقة باللغة الإنجليزية بشكل كامل لأسباب سياسية خالصة (مثل الغارات الجوية على ليبيا في 1986 والعقوبات الاقتصادية قبل ذلك). كما كانت هناك وجهة نظر سياسية في الغرب تصور الحكومة الليبية على أنها ديكتاتورية، وأن البلاد كانت في حاجة للتحرير (Holliday et al, 2004: 33-34). كان هذا، بالطبع، نوعًا من ‘التثقيف’ الذي يجب تصحيحه سياسياً (Holliday et al, 2004: 33-34). يحق للتربويين الليبيين هنا أن يكونوا حذرين للغاية بشأن الثقافات المعنية، لا سيما مؤثراتها السياسية. وكما قال هوليدي وزملاؤه (2004: 41): ‘كن على علم بالتأثيرات الإعلامية والسياسية والمؤسسية في مجتمعنا، والتي تقودنا إلى رؤية أشخاص من خلفيات ثقافية أخرى بطريقة معينة’. 

 كما أثر الإعلام الليبي المملوك للحكومة على تعلم اللغة الإنجليزية أيضًا. دأبت وسائل الإعلام على إدامة وصف الغرب بالعدو، حتى وقت قريب فقط عندما حدث تغير في العلاقات السياسية بين ليبيا والغرب. وبما أن الغرب قد تم تصويره وتحريفه بشكل سلبي في وسائل الإعلام الليبية، فإنه ليس من المستغرب أن ينظر المتعلمون الليبيون للغة الإنجليزية إلى قيمها الثقافية ومعاييرها بشكل سلبي. لقد ساهمت وسائل الإعلام في جعل المتعلمين يكونون مواقف سلبية تجاه الثقافة الغربية وبالتالي تجاه لغاتها. وبالطبع يمكننا هنا وصف صانعي القرار والعاملين في وسائل الإعلام الليبيين بأنهم نشطاء كراهية الأجانب.

بعد التغيير في العلاقات الخارجية بين ليبيا وبريطانيا وأمريكا، سعى التربويون وصانعو السياسة إلى تضمين بعض مواد اللغة الإنجليزية تمثيلات معينة لما يمكن تسميته بالثقافة الإنجليزية العالمية لأغراض معينة (على سبيل المثال تطوير وعي المتعلمين بما يجري على الصعيد العالمي). وقد تم تعزيز وجهة النظر هذه من قبل هوليدي وآخرون (Holliday et al, 2004: 52) عندما أشاروا إلى أن ‘الطرق التي  يُشار بها إلى  الثقافة والمجتمعات المحلية، وطرق التحدث والكتابة عنها، غالباً ما تخدم مصالح معينة راسخة’. 

 وعلاوة على ذلك، فإن القنوات الفضائية التعليمية والإنترنت شجعت عمليا على تعلم اللغة الإنجليزية وقدمت المزيد من المواد الأصلية للمعلمين والمتعلمين على الرغم من أن اللغة المستخدمة في الإنترنت ليست قياسية (Good, 2006). لقد أكد كريستال (Crystal, 1997: 119) على هذه النقطة من خلال القول ‘أن هناك محتوى عالي الجودة على الويب باللغة الإنجليزية أكثر من اللغات الأخرى …’. ويدعم هذا الرأي أيضاً فان ديجيك (Van Dijik, 1998 استشهد به في Holliday et al, 2004: 123) الذي يقول إن ‘الخطاب الإعلامي هو المصدر الرئيسي لمعارف الناس ومواقفهم وأيديولوجياتهم …’.

 ومن العوامل الأخرى التي أثرت بشكل إيجابي على تعليم اللغة الإنجليزية في ليبيا انتشار المدارس الخاصة والصيفية (وخاصة بعد ثورة 17 فبراير) التي تركز بشكل خاص على تدريس اللغة الإنجليزية. لقد روجوا لتعلم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية، مما أدى بدوره إلى زيادة في مواقف الطلاب الإيجابية نحو تعلم اللغة الإنجليزية ومجتمعها.

خاتمة

يبدو أن النجاح في تعلم اللغة يعتمد على مدى دمج القيم والمعايير الثقافية للمجتمع اللغوي في المواد التعليمية (Alptekin, 2002:58). وبالتالي، يجب على التربويين التخلي عن الفكرة المسبقة عن ‘الآخر’ والتركيز على حقيقة أن اللغات تُستخدم في التواصل بين الثقافات وليس لأغراض تعليمية وعلمية خالصة.

لقد كانت المواد المستخدمة في الفصول الدراسية الليبية في الماضي تميل إلى زيادة سوء الفهم للثقافة الهدف (Rogers and Steinfatt, 1999)، حيث تعرض متعلمي اللغة الإنجليزية الليبيين لمعلومات ثقافية سطحية فقط، مثل الجغرافيا والغذاء والتاريخ، والتي ثبت أنها غير كافية لتمكين الطلاب من فهم كامل للغة والثقافة الهدف (Valette, 1986).

 في عام 1999 بدأ استخدام نوع جديد من المواد في الفصول الدراسية الليبية في اللغة الإنجليزية، حيث أدرك التربويون واللغويون الليبيون أن ‘المواد والأنشطة التعليمية يجب أن تتضمن سياقات محلية ودولية مألوفة وذات صلة بحياة متعلمي اللغة’ (Alptekin, 2002:63). لقد تضمنت المواد الجديدة بعض الجوانب الثقافية التي يعتقد أنها موجودة في العالم كله وكذلك القيم والمعايير الثقافية الليبية، حيث كان الهدف هو تطوير الكفاءة التواصلية الثقافية بين المتعلمين.

 وأخيرًا، على الرغم من أن المواد الجديدة لها الخصائص الأساسية التي تعد الطلاب لاستخدام اللغة الإنجليزية بشكل فعال، إلا أن معظم المعلمين ما زالوا يكافحون للتعامل مع هذه المواد لأن (أ) المعلمين اعتادوا على المواد والمنهجيات القديمة، و (ب) لأن المعلمين لا يمكنهم التواصل بشكل فعال باللغة الإنجليزية بسبب فترة الانقطاع عن تدريسها في الماضي. وللتغلب على هذه العقبة، ينبغي أن يقوم التربويون واللغويون الليبيون بتوفير برامج التدريب المستدام للمعلمين.

في النهاية، يبدو أن المواقف تجاه ثقافة معينة ومجتمعها تلعب دورا هاما جدا في تدريس اللغة وتعلمها. هذا واضح في الحالة الليبية، حيث كان لدى صانعي المواد الليبيين مواقف مختلفة في أوقات مختلفة تجاه البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية وثقافاتهم، وقد انعكس ذلك على المواد التي أنتجوها. 

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي و اللغة الإنجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). نشر ثمانية كتب والعديد من المقالات والبحوث. مهتم بالملف الليبي والعربي والاسلامي بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

شاهد أيضاً

النحو العام

يرجع المفهوم الحالي الأكثر شيوعًا للنحو العام أو القواعد الجامعة (Universal Grammar, UG) إلى عالم اللغة التوليدي نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) الذي من المفترض أن نظريته عن النحو العام تعتبر نظرية عن ملكة أو قدرة اللغة البشرية (human language faculty)، التي تمثل وحدة من العقل / الدماغ مسؤولة عن التصميم الأساسي للغة. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن تشومسكي يوظف مصطلح النحو العام للإشارة إلى نظام من المبادئ والمعلّمات التي تكمن وراء كل اللغات البشرية (للحصول على شرح مبسط انظر Chomsky, 1988 ).

إظهار شريط المشاركة
إخفاء شريط المشاركة