الرئيسية / البحث العلمي / الطريقة العلمية

الطريقة العلمية

مقدمة

الطريقة العلمية (أو المنهج العلمي)، كما عرفها مختلف العلماء والفلاسفة، ينكون من تركيبة محكمة وخطوات محددة وصارمة ينبغي اتباعها. في الواقع، باستثناء عدد قليل من العلوم الفيزيائية المحددة بدقة، فإن معظم التخصصات العلمية يجب أن تتكيف وتتبع هذه القواعد، وخاصة العلوم الغير قادرة على التنبؤ بالكائنات الطبيعية والبشر.

ليس من المهم دائما معرفة الطريقة العلمية بدقة وحرفيا، ولكن يجب أن يفهم أي عالم قواعدها ومبادئها الأساسية جيدا. لأنه إذا كان المرء سيتبع هذه القواعد ويتكيف معها، فسيتحتاج إلى فهم القواعد أولا.

ويستند العلم أساسا  على الملاحظة والقياس، كما أن الغالبية العظمى من البحوث تنطوي على نوع من التجريب العملي.

وهذا يمكن أن يكون أي شيء، من قياس التحول في المجرات البعيدة إلى توزيع الاستبيانات على عناصر العينة. قد يبدو هذا  واضحا، ولكن هذا التمييز يعود إلى زمن فلاسفة اليونان القدماء. وباختصار، يعتقد أفلاطون أنه يمكن تعليل جميع المعارف، أما أرسطو فيعتقد أن المعرفة تعتمد على الملاحظة التجريبية والقياس.

وبمعنى أدق، فإن علماء الفيزياء العظماء، مثل اينشتاين وستيفن هوكينغ، ليسو علماء، لأنهم يبنون النظريات الواسعة والنماذج الرياضية التي توصف الكون وطبيعة الوقت بدون قياس أي شيء. في الحقيقة، هم رياضيون، ولديهم مكانتهم الخاصة، ويجب الاشارة إليهم بشكل صحيح كمنظرين. ومع ذلك، لا يزال الناس يشيرون إليهم كعلماء ويتطرقون إلى المنهج العلمي لأن أي نظرية من نظرياتهم يمكن نسفها بواسطة دليل واحد من البراهين التجريبية.

 

الطريقة العلمية والبيانات

تستخدم الطريقة العلمية نوع من القياس لتحليل النتائج، حيث يتم إدخال هذه النتائج في النظريات التي نعرفها عن العالم. هناك نوعان من الطرق الرئيسية للحصول على البيانات، وهما القياس والملاحظة. ويشار إلى هذان النوعان عموما بالقياسات الكمية والنوعية.

ترتبط القياسات الكمية عموما بما يعرف العلوم “المادية”، مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك. ويمكن الحصول على هذه القياسات من خلال التجريب أو عن طريق الملاحظة. وكقاعدة عامة، فإن الوحدة الكمية لديها وحدة قياس معترف بها علميا أو وحدة مشتقة، وتندرج النسب والأرقام تحت هذه الفئة.

وتستند القياسات النوعية إلى الملاحظة وهي عموما تتطلب نوع من التلاعب العددي أو التحجيم. وكمثال على ذلك، فإن عالم الاجتماع الذي يجري مقابلات مع مدمني المخدرات في سلسلة من دراسات الحالة، ويقوم بتوثيق ما يرى، هو لا ينجز شيئًا علميًا حقًا، على الرغم من أن أبحاثه لا تزال مفيدة. ومع ذلك، إذا قام بنوع من التلاعب، مثل وضع مقياس لتقييم كثافة الردود على أسئلة محددة، فهو عندئذ يقوم بتوليد نتائج نوعية.

وعموما فالقياسات النوعية هي مقاييس اعتباطية مصممة لقياس ردود وتراكيب مجردة. يعتبر قياس القلق، والتفضيلات والألم والعدوان أمثلة على المفاهيم التي يتم قياسها نوعيا. وبالنسبة لمجموعة صغيرة من التجارب الراسخة، فغالبا ما ينظر إلى نتائجها بأنها كمية، مثل اختبارات الذكاء والعاطفة.

كلا النوعين من البيانات هما في غاية الأهمية لفهم العالم من حولنا، ومعظم العلماء يستخدم كلا النوعين من البيانات. فقد يقوم الباحث الطبي بتصميم التجارب لاختبار فعالية الدواء، وذلك باستخدام دواء آخر (ربما يكون وهمي) للمقارنة. ومع ذلك، فقد يقوم بإجراء بعض دراسات الحالة المتعمقة على عدد قليل من المشاركين، أو دراسة تجريبية، ليضمن أن تجربته خالية من المشاكل.

إن العلم يتطلب الرؤية والقدرة على مراقبة الآثار المترتبة على النتائج. ويعتبر جمع البيانات جزء من العملية، ولكنها تحتاج إلى التحليل والتفسير أيضًا.  ومع ذلك، فإن جزءا من رؤية العلم تكمن في ربط النتائج بالعالم الحقيقي مرة أخرى. فحتى العلوم النقية التي تدرس لذاتها وليس لتطبيقها عمليا، لديها رؤية ولها أهداف أوسع. ومن المعروف أن عملية ربط النتائج بالعالم الحقيقي تعرف بالاستقراء، أو الاستدلال الاستقرائي، وهو طريقة لربط النتائج بالكون من حولنا.

على سبيل المثال، كان فيجنر (Wegener) أول عالم اقترح فكرة الانجراف القاري. لاحظ أن نفس الحفريات موجودة على جانبي المحيط الأطلسي، في الصخور القديمة، وتلك التي على الرفوف القارية لأفريقيا وأمريكا الجنوبية وبدت متناسبة معا.

واستنبط انها كانت يوما ما مرتبطة معا، بدلا من ارتباطها عن طريق جسور الأرض، حيث واجه سخرية لاذعة لتحديه للنموذج القائم. ولكن مع مرور الوقت، أظهرت الأدلة المتراكمة أنه كان على حق، وفي الواقع، تبين أنه صاحب رؤية حقيقية.

 

التجارب العلمية واختبار التنبؤات

تسمح عملية الاستقراء والتعميم للعلماء ببناء توقعات حول فكرتهم عن كيفية تصرف الأشياء، وتصميم التجارب لاختبار ذلك.

هذه التجارب لا تعني دائما إنشاء صفوف أنابيب الاختبار في المختبر أو تصميم المسوح. ولكنها يمكن أن تعني أيضا أخذ القياسات ومراقبة العالم الطبيعي.

لقد أثارت أفكار فيجنر عندما أساء فهمها كثير من العلماء، اهتمام عدد قليل منهم، حيث بدأوا في الخروج والبحث عن الأدلة الأخرى التي تثبت أن القارات قد انتقلت حول الأرض. ومن فكرة فيجنر الأولية حول القارات العائمة عبر قاع المحيط، فهم العلماء الآن عملية الصفائح التكتونية بواسطة عملية التنبؤ والقياس.

لا تزال العمليات الدقيقة التي تؤدي لخلق قشرة جديدة واندساس آخريات غير مفهومة تماما، ولكن بعد ما يقارب من 100 سنة على فكرة فيجنر، لا يزال العلماء مستمرين في البناء على عمله الأولي.

 

الطريقة العلمية منتظمة ومنهجية

يعتبر العلماء محافظين جدا في كيفية التعامل مع النتائج وهم بطبيعة الحال متشككين جدا. فهم يحتاجون لأكثر من تجربة واحدة لتغيير الطريقة التي يفكرون بها، ولكن مهما كانت العناوين ملفتة، يجب إعادة اختبار أي نتائج وتكرارها حتى يتم الوصول لبناء جسم ثابت من الأدلة. تضمن هذه العملية عدم خطأ الباحثين أو تلاعبهم بالأدلة عن قصد.

في حالة فيجنر، لم تقبل أفكاره إلا بعد وفاته، حيث أصبح كمية الأدلة الداعمة والمتوفرة عن الانجراف القاري دامغة.

تسمى هذه العملية لتغيير النظريات الحالية بالنقلة النوعية، وهي جزء لا يتجزأ من الطريقة العلمية. معظم الأبحاث الرائدة، مثل نسبية اينشتاين أو علم الوراثة لمندل، تسبب تحولات عملاقة في الفكر العلمي السائد.

لقد تطورت الطريقة العلمية (أو المنهج العلمي) على مدى قرون عديدة، للتأكد وضمان وصول العلماء إلى اكتشافات ذات مغزى قائمة على المنطق والعقل وليس العاطفة. وتتفاوت هذه العملية الدقيقة بين التخصصات العلمية، لكنها جميعا تتبع المبدأ أعلاه وهو الملاحظة – التنبؤ – الاختبار – التعميم. ويمكن تمثيل هذا في الشكل التالي:

الطريقة العلمية

 

خطوات الطريقة العلمية

الطريقة العلمية هي عملية تجريبية مستخدمة لاستكشاف الملاحظات والاجابة على الاسئلة. يستخدم العلماء الطريقة العلمية للبحث عن العلاقات السببية والمؤثرة في الطبيعة. وبعيارة أخرى، يقوم العلماء بتصميم التجارب بحيث يسبب التغيير في عنصر معين تغييرا في شيئًا آخر في بطريقة يمكن التنبؤ بها.

تساعد الطريقة العلمية الباحث على التركيز على سؤاله البحثي، وصياغة الفرضيات الخاصة به، وتصميم وتنفيذ وتقييم تجاربه. ويمكن أن هذه العملية كما هو موضح في الشكل التالي:

الطريقة العملية 1

 

  1. طرح الأسئلة: تبدأ الطريقة العلمية بطرح الأسئلة حول شئ يلاحظه الباحث. ربما تكون الأسئلة متعلقة بكيفية عمل شئ ما، أو زمن حدوثه، أو الأسباب التي أدت إليه أو الأماكن التي يحدث فيها وغير ذلك من الأسئلة المشابهة. ولكي تتمكن الطريقة العلمية من الاجابة على الأسئلة، يجب أن تكون حول شئ يمكن قياسه ويحبذ أن يتم ذلك في شكل أرقام.
  2. إجراء مراجعة للأدبيات: فبدلا من البدء من الصفر عند وضع خطة للإجابة على الأسئلة، فيمكن أن يختصر العالم ذلك باستخدام المكتبات والانترنت لمساعدته في إيجاد أفضل الطرق للقيام بالأشياء والمسائل وعدم الوقوع في نفس الأخطاء السابقة.
  3. صياغة الفرضيات: الفرضية هي تخمين علمي حول كيفية عمل الأشياء.
[إذا ………………..(قمت بعمل هذا الشيء)، فعندها………………..(فسيحدث هذا الشيء). ]

يجب أن تتم صياغة الفرضية بطريقة يمكن قياسها بسهولة، وبالطبع فإن الفرضية يجب أن تصاغ بشكل يسمح للباحث بالإجابة على أسئلته الأصلية بسهولة.

  1. اختبار الفرضيات عن طريق التجربة: تقوم تجربة الباحث باختبار ما إذا كانت الفرضيات صحيحة أم لا. من المهم أن تكون التجربة اختبار محايد، وذلك من خلال التأكد من تغيير عامل واحد فقط في كل مرة والحفاظ على كل الظروف كما هي.

يجب على الباحث إعادة التجربة أكثر من مرة حتى يتأكد من أن نتائجه الأولى ليست مجرد مصادفة.

  1. تحليل البيانات واستنباط الاستنتاجات: حالما يتم الانتهاء من التجربة، يقوم الباحث بجمع البيانات وتحليلها ليرى ما إذا كانت تدعم فرضيته أو تدحضها.

غالبا ما يجد العلماء أن فرضياتهم قد تم دحضها، وفي مثل هذه الحالات سوف يقومون بصياغة فرضيات جديدة تقوم على المعلومات التي استقوها من تجاربهم. سيؤدي هذا إلى بدء عملية الطريقة العلمية كلها مرة أخرى ولكن بأساليب جديدة.

  1. ايصال النتائج: لإكمال مشروعه البحثي يحتاج لإيصال وعرض نتائجه للآخرين في تقريره النهائي. يقوم العلماء المحترفين بنفس الشئ بالضبط وذلك بنشر تقاريرهم البحثية في الدوريات العلمية أو بعرض نتائجهم على ملصقات حائطية في المؤتمرات والاجتماعات العلمية. يهتم المحكمين في المعارض والاجتماعات العلمية بنتائج الأبحاث سواءا كانت تدعم أو تدحض فرضية الباحث الأصلية.

على الرغم من أننا عرضنا الطريقة العلمية كسلسلة من الخطوات، يجب الأخذ في الاعتبار أن المعلومات أو الأفكار الجديدة قد تجعل العالم يعيد هذه الخطوات عند أي نقطة من العملية. إن أي عملية تشبه الطريقة العملية وتتضمن الدعم والإعادة تسمى عملية (iterative).

ينبغي على الباحث أثناء عملية القيام بمشروعه البحثي أن يحتفظ بمذكرة يسجل فيها الأفكار والمعلومات المهمة.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

البحث على الانترنت

كيفية القيام بالبحث على الإنترنت

البحث على الإنترنت يتوجه العديد من الطلاب إلى الإنترنت للقيام بالبحث من أجل إنجاز مهامهم …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.