الرئيسية / الترجمة / الترجمة من العربية وإليها

الترجمة من العربية وإليها

وفقا لتقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية العربية (2002-2009) فإن بناء مجتمع المعرفة يعتبر من أهم التحديات التي تواجه العالم العربي. وبما أن الترجمة تعتبر أداة للتواصل والتنمية، فإن التشجيع على القراءة والوعي بضرورة الترجمة سيساهمان في اجتياز هذا التحدي، ويؤسس لأهم أركان البيئة المثالية لانطلاق حركة الترجمة، وخاصة إذا ما توفرت أدواتها والدعم المؤسساتي والإرادة السياسية.

لقد اعتمدت العربية كلغة من لغات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام  1968 وفي مجلس الأمن عام 1981، ومع ذلك لازال معهد سمر لعلم اللغة (Summer Institute of Linguistics) يعتبرها لغة غير مهمة لأنها غير موجودة ضمن 20 أهم لغة في العالم، وتحتل المرتبة 22 في تصنيف يضم 30 لغة تحت اسم ”العربية الجزائرية“ بعدد ناطقين لا يتجاوز 22 مليون و 300 ألف نسمة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبرت اللهجات الإقليمية المتفرّعة عن العربية لغات مستقلة بذاتها. كما تم حصر اللغة العربية في دائرة الأدبيات، وتجميدها، وتهجينها، وربطها بالدين فقط، مما أدى إلى تدني مستواها في الأنظمة التعليمية.

ومما زاد الطين بلة هو الادّعاء بعدم قدرتها على تقديم العلوم، وتجميدها وتهجينها وحتى تقديسها[1]، حيث هُمّشت داخليا وخارجيا[2]، مما زاد من بروز اللغات العاميّة واللهجات المحلية التي يبلغ عددها حوالي 43 لهجة.

وإذا كان الهدف من محو الأمية هو التطور وتوفير البيئة الاقتصادية والثقافية الملائمة، فإنّ مفهوم الأميّة قد اتّسع بانفجار الثورة المعلوماتية، ليعتبر أن الجاهل ليس فقط من لا يجيد الكتابة والقراءة بلغته الأم، ولكن أيضا من لا يجيد ثلاث لغات على الأقل بما في ذلك لغة التكنولوجيات والمعلوماتية.

ولكن المشكلة تكمن في سياسة التعليم العالي في العالم العربي التي تعتمد في معظمها على اللغتين الإنجليزية والفرنسية في تدريس مناهجها. وهذا من شأنه بالطبع أن يؤدي إلى ضعف حركة الترجمة التي “تنشط عندما يكون التدريس بالعربية، لأنّ تعريب التعليم، ولا سيّما الجامعي منه، يحرّض على الترجمة لأنّها أداته في تأمين الكتاب مترجماً إلى اللغة العربية للطّلاب والمدرّسين معاً، وهي تضعف عندما يكون التّدريس باللغة الأجنبية لاكتفاء الطالب والمدرّس بالكتب والمراجع الصادرة باللغة الأجنبية التي يجري التدريس بها”[3].

ومن ثمّ بات تعريب التعليم العالي ضرورة تربوية ملحّة لأنّ استيعاب الطالب للمادة التعليمية يبلغ مداه إذا كان فهمه للغة التي يدرس بها تاماً وكان معلّمه متقنا لها وبليغا فيهاً. ففي دراسة أجريت حديثا تبين “أنّ نسبة استيعاب الطّلاب للمادة العلمية المسموعة هي 60 في المائة حين كانت اللغة المستعملة هي الإنجليزية، في حين بلغت 76 في المائة في حالة استعمال اللغة العربية. وكذلك أجريت مثل هذه الدّراسة في كلّية العلوم في جامعة الكويت، وتبيّن أنّ 83 في المائة من عيّنة أعضاء هيئة التّدريس و84 في المائة من عيّنة الطّلاب يواجهون صعوبات حقيقية في تدريس المادّة بالإنجليزية وفي استيعاب الطّلاب لها“ (الكيلاني، زيد إبراهيم، 2007).

ووفقا للدراسة نفسها، فقد بينت الامتحانات في الجامعة الأردنية أن نسبة الرسوب بين طلبة السنة الأولى الذين درسوا كتاب علم الأحياء انخفضت من 26 في المائة إلى 4 في المائة، وذلك عند استبدال الكتاب الإنجليزي بترجمته العربية.

وفي الواقع فأن هناك أسباب منطقية أخرى أدت إلى تدهور حركة الترجمة في العالم العربي. تتمثل هذه الأسباب في[4]:

  • عدم إدراج الترجمة في السياسات اللغوية العربية.
  • عدم استخدام اللغة العربية في الجامعات العربية، وخاصة في التخصصات العلمية والتقنية.
  • عزوف النخب العربية عن الخوض في مشروع قومي لدعم الترجمة والمساهمة فيها.
  • عدم التنسيق والتواصل بين المؤسسات والمختصين لتوصيف وتقنين الدراسات والبحوث.
  • إهمال البحث في مجال تقنيات الترجمة وحوسبة اللغة والترجمة الآلية.
  • غياب الإحصائيات الدقيقة من حيث الكمية والنوعية
  • الاقتصار على ترجمة الآداب والإنسانيات
  • انعدام الاحترافية في ممارسة المهنة
  • ضعف التنسيق بين دور ومؤسسات الترجمة والنشر العربية
  • ضحالة الترجمة العلمية

كما أن هناك مشاكل أخرى تتعلق بالوسائل التقنية والموارد البشرية الكفيلة بتطوير استعمال تكنولوجيا المعلومات لأغراض الترجمة، ومشاكل تتعلق بتكوين المترجم وتأهيله للدخول في الاحترافية، بالإضافة إلى التراكم الطردي للمواد المطلوب ترجمتها.

ولأن الترجمة من العربية وإليها مشروع حضاري واستراتيجي يمس كل الشرائح الاجتماعية والفكرية، فلابد من تحديد الأولويات من منطلق التحديات المرتقبة ومشروع المجتمع المأمول، مع تحديث اللغة، والاستغلال الأمثل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (تطوير تقنيات الترجمة الآلية).

ولكي نواكب مجتمع المعرفة، فلابد لنا من تحويل الهدف الأساسي للترجمة من التعرف على الآخر إلى نقل جاد للعلوم والتقنية، مع الاختيار الحكيم لبعض الآداب والرؤى السياسية والفلسفية.

كما يجب على المترجمين التفكير في حوسبة الترجمة، وفي مستقبله في عصر العولمة، وهل هم  مهددين بالانقراض أم أنهم سيصبحون مجرد تقنيين مختصين؟ أما واضعي السياسات اللغوية فعليهم تسريع وتيرة العمل لتتماشى مع الكم الهائل من المنشورات التي تحتاج إلى ترجمة، بالاضافة إلى إعدادا برامج تدريب المترجمين وتوجيههم نحو التخصصات الدقيقة في مختلف مجالات المعرفة[5].

وبالنسبة للترجمة كتخصص، فينبغي تغيير النظرة إليها على أنّها ترف أدبي خاص بالضالعين في فنون اللسان، وإدراج نقدها كتخصص دراسي، والعمل على تطوير نظام متكامل لدعم المترجم العربي من ناحية التأهيل والإنتاج، مع التركيز على استعمال تقنية المعلومات والاتصالات في الترجمة إنتاجاً وتكوينا، حنى نتمكن من تكوين مترجم قادر على تحسين منتوج التقنية بحيث يطغى مفهوم الكمية لتصبح النوعية نتيجة طبيعية له، ونتغلب على العجز في توفير المحتوى العربي.

 

الخلاصة

إن النهوض بحركة الترجمة في العالم العربي يتطلب الإرادة السياسية في دعم التعليم العالي باللغة العربية وتطويرها، والنظر إلى واقع الترجمة من منظور مجتمع معرفة عربي واسع. وهذا طبعا يتطلب تكوين الخبرات وتوفير التمويل اللازم.

 

 

المراجع

النجّار، ماجد، الترجمة: أصلها التاريخي وتطوّرها في الوطن العربي، بحوث ندوة الترجمة في خدمة الحضارة، جمعية المترجمين الأردنيين، عمّان 2002، ص 53.

بيوض، إنعام. الترجمة من العربية وإليها: رهانا التنمية والتواصل. المعهد العالي العربي للترجمة. الأمانة العامة،

جامعة الدول العربية.

عبد الحي، محمّد، اللغة العربية بين الخطر الخارجي والتهميش الداخلي، مركز الجزيرة للدراسات.

الكيلاني، زيد إبراهيم، الندوة الأولى للغة العربية وهوية الأمة في مؤسسات التعليم العالي في الأردن، 2007.

نصر، مادلين، صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية, مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 1995.

 

«Arab Human Development Report 2002/ 2003/2004/2005/2009” UNDP Arab Fund Economic and social development .

 

[1] نصر، مادلين، صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية, مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 1995.

[2] عبد الحي، محمّد، اللغة العربية بين الخطر الخارجي والتهميش الداخلي، مركز الجزيرة للدراسات.

[3] النجّار، ماجد، الترجمة: أصلها التاريخي وتطوّرها في الوطن العربي، بحوث ندوة الترجمة في خدمة الحضارة، جمعية المترجمين الأردنيين، عمّان 2002، ص 53.

 

[4] بيوض، إنعام. الترجمة من العربية وإليها: رهانا التنمية والتواصل. المعهد العالي العربي للترجمة. الأمانة العامة، جامعة الدول العربية.

 

[5] المرجع السابق نفسه.

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

شاهد أيضاً

أهمية الترجمة

أهمية الترجمة

مقدمة إن أهمية الترجمة في حياتنا اليومية متعددة الأبعاد على نطاق واسع. فالترجمة لا تمهد …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.