الرئيسية / ترجمة / الترجمة في زمن كورونا

الترجمة في زمن كورونا

خلال هذه الأزمة العالمية غير المسبوقة، تسلط جائحة كورونا (COVID-19) الضوء ، كما لم يحدث من قبل ، على كيفية ارتباطنا جميعًا ببعضنا البعض. إن معظم العالم في حالة حظر بينما تتخذ بعض البلدان خطوات خجولة نحو إعادة فتح أبوابها. ومن المفارقة، أن البلاء الذي يجمعنا يجبرنا أيضًا على الابتعاد عن بعضنا البعض. لم يعد يتم التعبير عن التضامن كمجموعة، بل عبر العزلة. وفي هذا السياق، يعتبر التواصل أمرًا بالغ الأهمية؛ فلكي نكسب المعركة ، يجب أن تصل المعلومات ذات الصلة بسرعة إلى ملايين الأشخاص الذين يعيشون في عزلة، حتى يتمكنوا من الامتثال لأحدث تدابير الصحة والنظافة. وبعبارة أخرى، نحن نعتمد على أحدث المعلومات الواقعية لمساعدتنا في نهاية المطاف على احتواء الوباء. وهذا العمل، الذي يعتبر حقا سباقًا مع الزمن، يجب أن يتم بكل اللغات وعلى جميع الجبهات.

دعوة عامة للتسلح بالترجمة في زمن كورونا

إن مجتمعنا ينتج في ظل الظروف العادية مجموعة كبيرة فعلًا من الوثائق. أما في هذا الواقع الجديد، فإننا نشهد انفجارًا فعليًا للأخبار والبيانات الصحفية والسياسات والتوجيهات وعروض المنتجات والخدمات والقيود، حيث يتم إنشاء كميات هائلة من المواد المكتوبة.

لم يكن الربيع قد اختال ضحكًا عندما سحب الوباء البساط من تحتنا، حيث انتقل الفيروس التاجي من الأخبار الرئيسية إلى احتكار وسائل الاعلام  كلها في غضون أيام قليلة. وفي رمشة عين، شهدت صناديق بريدنا الوارد هجمة من رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بكورونا تحتوي على تذكيرات مستمرة من أرباب العمل حول التدابير التي يتم اتخاذها، وتأجيلات الاجتماعات، وإلغاء الرحلات، ومنع الخروج من البيوت. فأغلقت متاجرنا المفضلة، وتجمّد المجتمع لأكثر من شهرين. لقد أصبح عالمنا أصغر، ولا ندري إلى متى.

وبعيدًا عن الخطوط الأمامية، فإن المتخصصين في مجال اللغة هم في سباق متتابع لاستلام  وإعادة صياغة وتدقيق أو ترجمة المستندات والوثائق التي تحتوي على معلومات مهمة، وغالبًا ما يكون ذلك بسرعة لم يشهد لها مثيل.

الترجمة في زمن كورونا : خدمة أساسية

لطالما كان الوصول إلى المعلومات مهمًا دائمًا، أما الآن فهو حيوي. لقد لعبت خدمات الترجمة دورًا أساسيًا في التواصل الفعال، وبانتشار جائحة كورونا زادت الحاجة للترجمة عشرة أضعاف. فالشركات عليها إبقاء العملاء والموظفين والموردين والشركاء التجاريين على علم بالتدابير التي اتخذتها، بالإضافة إلى إرشاداتها للعمل عن بعد وآداب النظافة والجداول الزمنية الجديدة وإجراءات التسليم والتوصيل. يتم نشر كل هذه المعلومات الحاسمة عبر البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية للشركات.

وكمترجمين، تمر ملايين الكلمات عبر شاشاتنا. فمنذ تفشي الوباء، تطلق كل إحاطة صحفية حكومية موجة جديدة من الطلبات لمحترفي اللغات. وكعلماء لغة تطبيقيين يتعين علينا العمل معًا لنكون مستعدين ليلًا ونهارًا لتلبية هذا الطلب المتزايد يومًا بعد يوم. فالمعلومات يجب أن تعمم في وقت واحد بلغات متعددة، مما يجعل من الترجمة خدمة أساسية. وهذا هو الحال خاصة عندما تأتي الوثائق من المنظمات التي تقدم أيضًا خدمات أساسية للناس الضعفاء والأكثر عرضة للوباء.

إن المترجمين الخبراء منخرطون بشكل كامل، ويعاونون لتتبع المشاريع العاجلة واحدًا تلو الأخر، ولا يمكنهم المساومة على الجودة. ولذلك، يجب أن يكون خبراء اللغة سريعين ومستعدين ذهنيًا لإيجاد الكلمات الصحيحة بالضبط، بغض النظر عن المواعيد النهائية الضيقة.

مفردات ولغة الوباء

إن التاريخ يُكتب أمام أعيننا في هذه الأوقات العصيبة. وبصفتهم ناقلين للمعلومات، يجب على المتخصصين في اللغة اختيار كلماتهم بعناية من أجل إيصال المعلومات إلى جمهور واسع جدًا وتقريب الأشخاص على الرغم من المسافة التي تفصل بينهم.

دفعت هذه القرارات اللغوية المدروسة منظمة الصحة العالمية إلى تبني كلمات أو تراكيب معينة عند التحدث عن جائحة كورونا، وهي الخيارات التي تتدفق بعد ذلك إلى وسائل الإعلام، ونصوصنا، وفي نهاية المطاف إلى عامة الناس. وكمثال، لفهم طبيعة هذه الأزمة بشكل كامل، يجب التمييز بين مرض معدٍ ومرض ملوث، وبين معدل إماتة الحالات ومعدل إماتة العدوى. كما أن استخدام كلمات مثل العزلة والحجر الصحي والإغلاق والطوارئ الصحية يحتاج أيضًا إلى التحسين بمرور الوقت. كما إن مصطلح الابتعاد الاجتماعي قد سبب صداعًا حقيقيًا، واعتبر أنه أبعد ما يكون عن التواصل الاجتماعي. وبالنسبة لنا، بعد العديد من المناقشات، فقد اخترنا اتباع نهج كل حالة على حدة. ففي بعض الأحيان، علينا خلق التباعد الاجتماعي والحفاظ عليه، وفي أحيان أخرى، علينا اتباع إرشادات التباعد الجسدي. إن الأمر كله يتعلق بالسياق، ولنواجه الأمر، فلا شيء عن هذا الوباء واضح، حيث أن التغييرات تحدث يوميًا. وفي غضون ذلك، تتغير المفردات أيضًا.

الحاجة للترجمة من المنزل أثناء كورونا

نظرًا لأننا مضطرون إلى التنقل في منطقة مجهولة، فقد اضطررنا جميعًا إلى تغيير أساليب عملنا وعاداتنا وروتيننا إلى حد ما. ولحسن الحظ، فإن جميع خبراء اللغات تقريبًا جاهزين بالفعل للعمل عن بُعد نظرًا لطبيعة مهنتهم. وفي الأغلب، كانت هناك حاجة إلى بعض التعديلات الصغيرة فقط حتى يستمر العمل في ظل هذه الظروف. لقد سمحت لنا هذه القدرة على التكيف بسهولة مع الوضع وأن نكون أقل تأثراً إلى حد ما بهذه الأزمة ممن هم في مجالات الأعمال الأخرى. فطالبي الترجمة يمكنهم الاستمرار في التواصل مع المترجمين عبر الإنترنت، حيث تظل سرية العملاء وأمن البيانات هما الشغل الشاغل لنا، حيث أنه من خلال بنية تحتية قوية لتكنولوجيا المعلومات يمكننا العمل ومواصلة أنشطتنا دون انقطاع مع تلبية الطلب المتزايد.

البقاء بصحة جيدة، وعلى اتصال وفي العمل رغم كورونا

بالنسبة للكثيرين منا ، نشهد تأثير هذه الأزمة بثلاث طرق. أولاً ، نحتاج إلى تلبية الطلب المتزايد بشكل كبير على الخدمات اللغوية. يجب على كل منا أيضًا أن يتعامل مع ظروفنا الشخصية حول العمل من المنزل، والتسوق لشراء البقالة أو الأدوية، ورعاية الأطفال أو الآباء المسنين أو الأشخاص الضعفاء الآخرين في حياتنا. وأخيرًا، يجب علينا الامتثال للتدابير القائمة والعناية بصحتنا البدنية والعقلية حتى نتمكن من مواصلة العمل وتلبية احتياجات العملاء.

وفي الوقت الذي تم فيه تسريح آلاف العمال من جميع القطاعات ، فإن المحظوظون منّا بما فيه الكفاية لمواصلة العمل عليهم واجب مدني لمواصلة تقديم الخدمات الأساسية التي تدعم اقتصادنا إلى أقصى حد ممكن. فنحن لا نعرف حقا ما يخبئه لنا الغد، حيث يمكن أن نضيع في التخمين الخامل، ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو طالما أنه توجد معلومات للمشاركة وتقديمها بلغة أخرى، فإننا سنكون في الموعد.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي و اللغة الإنجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). نشر ثمانية كتب والعديد من المقالات والبحوث. مهتم بالملف الليبي والعربي والاسلامي بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

شاهد أيضاً

5 إجراءات يمكن للمترجمين اتخاذها للحماية من أزمة كورونا

بالنسبة للتحديات التي قد تكون عليها الظروف، فإن أي أزمة لها القدرة أيضًا على استجلاب …

إظهار شريط المشاركة
إخفاء شريط المشاركة