الرئيسية / الترجمة / الترجمة المتخصصة: التحديات والمخاطر

الترجمة المتخصصة: التحديات والمخاطر

ملخص

على الرغم من أنها أكثر أنواع الترجمة شيوعًا وتكرارًا في الوقت الحاضر، إلا أن الترجمة المتخصصة ، أي ترجمة النصوص التي يتم إنتاجها ضمن مجال متخصص من المعرفة أو النشاط، قد اعتبرت في الغالب من الدرجة الثانية في دراسات الترجمة. ونظرًا لاعتبارها أقل إبداعًا وسموا وبريقًا من نظيرتها التقليدية، أي الترجمة الأدبية، فقد ارتبطت الترجمة المتخصصة بسمات سلبية إلى حد ما، وتم وصفها بشكل مباشر أو غير مباشر على أنها عملية تلقائية ومقيدة ومرهقة في كثير من الأحيان. تناقش هذه المقالة بعض التحديات التي من المحتمل أن يواجهها المترجمون الذين يعملون في ترجمة النصوص المتخصصة، في محاولة لإظهار أن الترجمة المتخصصة تنطوي على أكثر مما تراه العين ويمكن أن تكون متطلبة للذين يقومون بها كالترجمة الأدبية.

 

1. المقدمة

لقد أكدت محادثة حديثة أجريتها مع أحد أفضل الطلاب في قسم الترجمة بالجامعة على وجهة نظر شائعة أكثر مما قد يظنه المرء بين المترجمين الطموحين. عندما سألته عن نوع الترجمة الذي يرغب في ممارسته عندا أنهاء دراسته، وأجاب على الفور دون أن يتردّد: “الترجمة الأدبية، بالطبع!” كان مصرا على أن المهنة المستقبلية كمترجمة تعمل مع نصوص متخصصة تعني فقط حياة بساعات لا تحصى تُقضى في أداء مهام باهتة بلا معنى، ولا تنطوي على الإبداع وتحقق القليل، إن وجد، من المكافآت الفكرية والمهنية. يبدو أن رأيه منتشر بشكل واسع بين المترجمين المتدربين. فبينما كنت طالباً بنفسي، كان معظم زملائي يحلمون بأن يصبحوا مترجمين أدبيين أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن معظم الطلاب الذين التقيهم في الوقت الحاضر، والذين يدرسون اللغات الأجنبية ويتصورون العمل كمترجمين في مرحلة ما من المستقبل، أبدوا نفس الرغبة. ومع ذلك، هناك احتمالات قليلة بأن قلة منهم فقط سيعملون بالفعل مع النصوص الأدبية في حياتهم المهنية. ومن هذه القلة، سيصبح عدد قليل منهم مترجمين أدبيين متفرغين ويترجمون الأدب فقط. وعلى العكس من ذلك، هناك احتمالات بأن معظم المترجمين المحتملين سيقضون حياتهم المهنية يعملون بشكل شبه حصري مع النصوص غير الأدبية. في الواقع ، يقدر كينجسكوت (Kingscott استشهد به في Byrne, 2014: 6) أن الترجمة العلمية والتقنية تمثل 90٪ من ناتج الترجمة المنتجة في جميع أنحاء العالم كل عام. على الرغم من أن هذا الرقم مبالغ فيه إلى حد ما (Byrne, 2014: 6)، فإن الأدلة التجريبية تشير إلى أن هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة، إذا كان يشير إلى الترجمة المتخصصة بشكل عام. وعلى الرغم من أن الأرقام الفعلية في هذا الصدد يصعب الحصول عليها، إن لم يكن من المستحيل، يبدو من الأسلم أن نفترض أن عدد النصوص غير الأدبية المنتجة كل عام يتجاوز إلى حد بعيد عدد النصوص الأدبية المنشورة في جميع أنحاء العالم. والأكثر من ذلك، فإن عدد المؤلفين الأدبيين الذين يترجمون إلى لغات أخرى هو بلا شك عدد أقل من عدد المؤسسات والأفراد الذين ينتجون العديد من الأنواع الأخرى من الوثائق المترجمة والمراد ترجمتها.

يتم تشجيع الرغبة في الترجمة الأدبية بين المتدربين من المترجمين، على الأقل جزئيا، من خلال مكانة المرتبة الثانية التي يبدو أنها قد تم تخصيصها للترجمة المتخصصة في تخصص دراسات الترجمة نفسها. من المعروف أن معظم التأملات المبكرة حول الترجمة ركزت أساسا على ترجمة الأعمال الأدبية (بما في ذلك الكتابات الدينية أو الفلسفية أو الخطابية)، مثل أفكار سيشرو وهوراس (Cicero and Horace) حول الترجمة، وجهات نظر مترجمين الإنجيل المختلفين (القديس جيروم ، جون ويكليف، ويليام تيندال، إلخ)، أفكار إيتيان دولت (Etienne Dolet) أو جورج تشابمان (George Chapman) حول ترجمة الأساتذة اليونانيين أو مقدمة جون درايدن (John Dryden) لرسائل أوفيد. وكما أظهر باسنيت (Bassnett ,1992, 39-75) في فصلها حول نظرية تاريخ الترجمة (History of translation theory)، استمر التركيز الحاد على الأدب في القرون التي تلت ذلك، مع استمرار الكتّاب والمترجمين الآخرين، على سبيل المثال، ألكسندر فريزر (Alexander Fraser Tytler)، أوغسط ويلهيلم (August Wilhelm Schlegel)، وفيرديريك شليرماخر (Friedrich Schleiermacher) وغيرههم، في نشر أفكارهم حول الترجمة في سياق أدبي. وقد تصرف التأمل في الترجمة، لفترة طويلة جدا، كما لو أن الترجمة غير الأدبية لم تكن موجودة مطلقا. وفي عام 1972، عندما بدأت دراسات الترجمة تتطور إلى فرع علمي للمعرفة، لاحظ هولمز (Holmes) أنه ‘كانت هناك جهود طويلة لإنتاج نظريات لترجمة النصوص الأدبية أو المقدسة، ولكن محاولات تطوير نظريات لترجمة النصوص العلمية كانت جديدة نسبيا’ (استشهد به في Olohan, 2009: 249).

إن عدم الاهتمام الحقيقي بالجوانب غير الأدبية للترجمة شجع على صعود وجهة نظر متحيزة وتقليدية للترجمة المتخصصة. ففي حين أن ترجمة الأدب كانت دائما مرتبطة بمستويات عالية من الإبداع وبعض الحريات المأخوذة من النص المصدر، تم تحديد مكانة الترجمة المتخصصة بشكل أدنى واعتبرت ‘أسهل’، و’مقيدة’ و ‘شبيهة بالآلة’ وحتى ‘مضجرة’. في أوائل القرن العشرين، في مقالته الشهيرة امتياز وبؤس الترجمة (The Misery and the Splendor of Translation)، يذكر أورتيجا غاسيت كتابات علمية ويزعم أنه بسبب مصطلحاتها فإن ‘هذه الكتب يسهل ترجمتها من لغة إلى أخرى. في الواقع، يتم كتابها في كل بلد بالكامل تقريبا بنفس اللغة’ (Ortega y Gasset, [1937]2004: 51). علاوة على ذلك، يربط الفيلسوف الإسباني بوضوح الإنتاج غير الأدبي (وبالتالي الترجمة غير الأدبية) بسمات سلبية أو غير إيجابية بطبيعتها، عندما يقول إنه أقام ‘طوباوية الترجمة على حقيقة أن مؤلف كتاب، ليس للرياضيات أو الفيزياء أو حتى علم الأحياء، هو كاتب بالمعنى الإيجابي للكلمة’ (المرجع السابق نفسه). لقد قام فيرث (JR Firth)، الذ يعتبر من أوائل اللغويين في القرن العشرين الذين أقروا بأهمية الترجمة، بالتمييز الواضح بين ‘الترجمة الإبداعية’، المستخدمة أساسا في الأدب، و ‘الترجمة الرسمية’، وهي نقل اللغة المستخدمة في الوثائق والمعاهدات فيما يسمى ‘اللغات الخاضعة للرقابة’ أو ‘المقيدة’ (استشهد به في Anderman & Rogers, 2008: 7). فحتى يوجين نيدا (Eugene Nida, 1964: 263-264)، التي تعتبر من المؤسسين للدراسات الحديثة في الترجمة، لم يتعاطف مع الترجمة غير الأدبية عندما عبر عن قناعته بأن ‘الآلات ستكون قادرة على تولي بعض مهام الترجمة الرتيبة منخفضة المستوى  لبعض أنواع المواد، مثل ترجمة الوثائق التقنية ذات الطبيعة المتخصصة للغاية، والتي تكون فيها المعاني المتعددة للكلمات عند الحد الأدنى، والجودة الأدبية غير مطلوبة’. على الرغم من أنها دافعت عن نهج شبيه الجشطالت للترجمة، زعم سنيل-هورنبي (Snell-Hornby, 1995: 4) أن ‘نظرة أدق على وضع النص المصدر ووظيفة الترجمة (…) تُظهر أن وضع نص المصدر الأدبي أعلى من معظم أنواع النصوص الأخرى’.

على الرغم من أن الأدبيات حول الترجمة المتخصصة نمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ويبدو أن الترجمة غير الأدبية قد خفضت بعض المسافة التي تفصلها عن منافستها التقليدية الأعلى، لا يزال بعض الباحثين يلاحظون الازدراء البسيط الذي يتم من خلاله التعامل مع الترجمة المتخصصة داخل التخصص. في واحدة من الكتب القليلة التي تتعامل على وجه التحديد مع الترجمة غير الأدبية، يلاحظ بيرن (Byrne, 2006: 1) أن الترجمة التقنية قد اعتبرت منذ زمن طويل البقعة القبيحة للترجمة، خاصة في الأوساط الأكاديمية. فهي ليست مثيرة أو جذابة بشكل خاص وتفتقر بالتأكيد إلى بريق وصفة الأنواع الأخرى من الترجمة، وغالبًا ما تم إنزال الترجمة التقنية إلى التقسيم السفلي لنشاط الترجمة ولم تعتبر أكثر من مجرد تمرين في المصطلحات والمعرفة المتخصصة.

كما يتناول بيرن بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الترجمة التقنية (نوع من الترجمة المتخصصة، من وجهة نظري)، حيث يقول أنه من المفترض أنها تتضمن القانون والاقتصاد والأعمال. أي أنها كلها تتعلق بالمصطلحات؛ وأن الأسلوب لا يهم في الترجمة التقنية؛ وأنها ليست خلاقة، ولكنها ببساطة عملية إعادة نقل؛ وأنك تحتاج إلى أن تكون خبيراً في مجال متخصص للغاية من أجل القيام بها، أو أنها كلها تتعلق بنقل المعلومات المتخصصة (Byrne, 2006: 2-7). بعض هذه المفاهيم الخاطئة ستتم مناقشتها أيضًا في هذه المقالة.

 

2. نطاق الترجمة المتخصصة

غالباً ما تؤخذ الترجمة التقنية لتشمل الترجمات التي تتم في مجالات متنوعة مثل القانون ، والأعمال التجارية ، والدين ، والسياسة ، إلخ. في الواقع، يتم التعامل مع الترجمة التقنية والترجمة المتخصصة أحيانا كمرادف في الأدبيات. يعرف كل من أكوادو وألفاريس ()الترجمة التقنية بأنها ‘تشير إلى عملية ترجمة تلك النصوص التي تنتمي إلى ما يسمى باللغات المتخصصة وعادة ما يتم تصنيفها إلى جانب أنواع أخرى مثل الترجمة القانونية والترجمة العلمية أو ترجمة النصوص الطبية’ (Aguado de Cea & Álvarez de Mon y Rego, 2004: 289). يبدو أن هذا التعريف، بالاضافة إلى أخذه مفهومي ‘تقني’ و’متخصص’ كمفهومين مترادفين، يعزز التشويش، لأنه على ما يبدو، يتضمن أن الترجمات القانونية والعلمية والطبية لا تتعامل مع اللغات المتخصصة وليست ‘تقنية’. و تشير كلمة ‘تقني’ في تعريف جودك (Gouadec, 2007: 30)، إلى أي حقل تقريبًا، حيث يبين أن الترجمة التقنية ‘تغطي (…) ترجمة أي مادة تنتمي إلى مجال معين من المعرفة، حقل تقني أو التقنية (مثل الهندسة الميكانيكية، والهيدروليكية، والهندسة الكهربائية، إدارة الأعمال، الخ.)، إذا كانت المواد تتطلب معرفة خاصة بالمجال المعني’.

ووفقا لرأي آخر، فإن الترجمة التقنية هي أحد فروع الترجمة المتخصصة. فكما يشرح هان (Hann, 2004: 205)، ‘لتجنب الارتباك فإن تعبير الترجمة المتخصصة مخصص للمفهوم الأعلى، والترجمة التقنية تشير إلى المفهوم الثانوي، وهو المجال المتعلق بالعلوم والهندسة’. وبدوره، يؤكد بيرن (Byrne, 2006: 3) أنه ‘بمجرد احتواء الحقل أو الموضوع على مصطلحات فريدة أو متخصصة لا تجعله تقنيا… الترجمة التقنية تتعامل مع النصوص التقنية، أو بشكل أكثر تحديدًا، تتعامل الترجمة التقنية مع النصوص التي تدور حول موضوعات تعتمد على المعرفة التطبيقية من العلوم الطبيعية’. تجدر الإشارة إلى أن كلمة ‘تقني’ لا تعني بالضبط نفس الشيء في آراء هذين المؤلفين. وعلاوة على ذلك، لا تزال طبيعة الترجمة المتخصصة ومداها بالضبط، يبقيان بدون تحديد في هذين التعريفين. إذن، ما هو نطاق الترجمة المتخصصة؟

تقليديا ، تم تعريف الترجمة المتخصصة بالاعتماد على الثنائي اللغة العامة مقابل اللغة المتخصصة أو اللغة للأغراض العامة في مقابل اللغة لأغراض خاصة. ووفقاً لهذا الرأي، الموجود ضمنا في جميع التعريفات المذكورة أعلاه، فإن الترجمة العامة تتعامل مع اللغة العامة، بينما الترجمة المتخصصة تعالج مجموعة واسعة من اللغات المتخصصة، على سبيل المثال، لغة علم الحاسوب، لغة القانون، لغة الطب، إلخ. التعريفات المستندة إلى اللغة العامة واللغة المتخصصة تعتبر إشكالية لسببين على الأقل. فمن ناحية، يكون مفهوم اللغة العامة كبيرًا وغامضًا جدًا بحيث لا يؤدي إلى تطبيقات مُرضية، مما يجعل من الصعب تعريف الترجمة ‘العامة’، حيث أن التعريف التالي، والذي، على عكس القواعد المقبولة عمومًا، يستخدم المصطلحات المنفية فقط، يثبت ذلك بوضوح ذلك، حيث يبين أن ‘الترجمة العامة تشير إلى ترجمة المستندات والمواد التي لا تنتمي إلى أي نوع محدد أو مجال معين، لا تنتمي إلى أي نوع معين، لا تستلزم عملية ترجمة معينة أو استخدام معدات تتجاوز الحاسوب العادي و معالج النصوص’ (Gouadec, 2007: 27). في الواقع ، من الصعوبة بمكان تحديد اللغة العامة أو الترجمة العامة عمليا، لأن ذلك يعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل. ومن ناحية أخرى، فإن التعاريف القائمة على اللغة العامة واللغة المتخصصة تجعل من الصعب تحديد ما الذي يشكل بالضبط لغة متخصصة، ومع تغيير ما يلزم تعديله عندما يأتي دور الترجمة المتخصصة، لأن التمييز لا يبدو أنه يغطي التعقيد والتنوع المحير للنصوص الفعلية. على سبيل المثال، هل ينبغي النظر إلى اللغة المستخدمة في مقالة صحفية (وترجمتها) حول منتج تقني جديد على أنها عامة (وسط النشر والقراء المقصودين) أم أنها لغة متخصصة (باستخدام مصطلحات معينة)؟ هل ينبغي أن تترجم مذكرة شركة (مرسل مختص) تعلن عن إجراء جديد للعمل (معلومات عامة) على أنها عامة أو متخصصة؟ هل ينبغي النظر إلى ترجمات الأفلام (موضوعات عامة) على أنها عامة أم متخصصة؟

ومع ذلك فقد تركت الأدبيات في السنوات الأخيرة جانبا تمييز اللغة لأغراض عامة واللغة لأغراض خاصة ويبدو أنها احتضنت وجهة نظر ثنائية حول الترجمة المتخصصة قائمة على النص والحقل. وفقا لهذه النظرة، هناك عددًا كبيرًا من أنواع الترجمة المتخصصة بعدد مجالات أو أنشطة المعرفة المتخصصة. يبدو أن هذا هو الرأي الذي طرحته موسوعة روتليدج لدراسات الترجمة (Routledge Encyclopaedia of Translation Studies)، حيث لا يوجد تعريف للترجمة المتخصصة في حد ذاتها، ولكن هناك العديد من المدخلات عن الترجمة التجارية، أي مصطلح ‘يقصد به تغطية ترجمة جميع النصوص المستخدمة في سياقات الأعمال، باستثناء النصوص الفنية والقانونية’ (Baker & Saldanha, 2009: 41)، والترجمة المؤسسية، أي ‘الترجمة في أو لمؤسسات محددة’ (المرجع السابق، ص 141) أو الترجمة التقنية والعلمية، أي ‘ترجمة النصوص من مجالات العلوم والتقنية’ (Olohan, 2009, 246)، الخ. تجدر الإشارة إلى أن أيا من هذه التعريفات لا يذكر اللغة المتخصصة كعامل محدد.

ووفقًا للمنظور المعتمد في هذه الورقة، فإن الترجمة المتخصصة تتعامل مع أي نص يتم إنتاجه ضمن مجال المعرفة أو النشاط المتخصص أو يشير إليه، بغض النظر عن قصده أو غرضه المقصود. ومن هنا، يمكن اعتبار جميع أنواع الترجمة المذكورة في الأسئلة أعلاه بأنها متخصصة، وذلك بسبب موضوعها (التقنية في مقال صحفي) ، منتجها (شركة ، منتج متخصص في حالة مذكرة الشركة) أو النشاط المتخصص الذي يتم في أو من خلاله إنتاجها (الأفلام السينمائية). وبخلاف ذلك، يمكن تعريف الترجمة المتخصصة على أنها الترجمة التي تتم في سياق متخصص، أي، سياق يتضمن منتجي نصوص أصل متخصصة، أو مواضيع متخصصة، أو نشاط متخصص.

 

3. التعامل مع المصطلحات – مهمة صعبة

بالعودة إلى القضية المطروحة، من المفارقات أن الجانب الأكثر وضوحًا في الترجمة المتخصصة، أي ما يتعلق بالمصطلحات المتخصصة، هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت على ما يبدو إلى هبوطها إلى وضع ‘الترجمة المنخفضة المستوى’. على سبيل المثال، إنها تقوم على المصطلحات مما يفسر سبب كون الترجمة العلمية مهمة أسهل من الترجمة الأدبية، حيث يبين أورتيجا غاسيت (Ortega y Gasset , [1937]2004: 50) أنه ‘إذا سألنا أنفسنا عن السبب في أن بعض الكتب العلمية أسهل في الترجمة، فسوف ندرك بسرعة أن المؤلف نفسه بدأ فيها بالترجمة من اللسان الأصلي حيث يعيش، يتحرك ولديه وجوده في لغة زائفة تتكون من المصطلحات التقنية، وكلمات مصطنعة لغوياً يجب أن يحددها هو نفسه في كتابه. وباختصار، فإنه يترجم نفسه من لغة إلى مصطلحات’.

إن إظهار أن المصطلحات بشكل عام ليست ‘كلمات اصطناعية لغوية’ أو أن المصطلحات ليست لغة زائفة مفصولة عن اللغة الفعلية ليست ضمن نطاق هذه الورقة. يكفي القول أن رأي أورتيجا جاسِت ليس فريدًا. ففي ورقة أحدث، يشدد غوميز غونزاليز-جوفر (Gómez González-Jover, 2004: 28) على أن ‘المصطلحات المتخصصة هي التي تفرض مشاكل أقل على المترجم، وعلاوة على ذلك، غالبا ما يتم توثيقها في قواميس متخصصة أو مسارد أو نصوص علمية وتقنية، ويمكن حتى توحيدها “(ترجمتنا ، 2004 ، 28). على الرغم من أن العديد من الباحثين يعتقدون أن ترجمة وحدات المصطلحات المتخصصة هي في الأساس عملية مباشرة وتلقائية تقريبًا، ولا تتطلب سوى مطابقة المصطلحات في النص الأصلي مع مكافئها المعجمي في اللغة الهدف، فإن أي مترجم لديه بعض الخبرة العملية في السياقات المتخصصة يعلم أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

في الواقع ، إن التعامل مع المصطلحات في الترجمة المتخصصة هو في الغالب مهمة صعبة وقد يتطلب الكثير من الجهد والإبداع من ناحية المترجم أكثر مما يتناسب مع العين. وبادئ ذي بدء، فإن الاعتقاد بأن قاموسًا متعدد اللغات أو قاعدة بيانات للمصطلحات هو كل ما تحتاجه للتعامل مع مصطلحات متخصصة أمر مشكوك فيه لسببين على الأقل:

أ) لا تغطي القواميس المتعددة اللغات وقواعد البيانات الاصطلاحية كل مجال ممكن من المعرفة والأنشطة. على الرغم من أن هذا قد لا يكون واضحًا على الفور في البلدان التي لها تقاليد لغوية واصطلاحية طويلة، حيث تكون كل من القواميس اللغوية أحادية اللغة والمتعددة اللغات وقواعد بيانات المصطلحات التقنية والقانونية والطبية والتجارية الخ، شائعة نسبيًا ويسهل العثور عليها، إلا أن هذه الحقيقة تشكل تحدي، وخصوصا في البلدان التي لا تُغطى فيها حتى هذه المجالات الراسخة جيدا (أو لا تتم تغطيها على الإطلاق) بأعمال المصطلحات المتعددة اللغات. لا تستفيد العديد من مجالات المعرفة المتطورة أو الأقل تطورا من عمل المصطلحات على الإطلاق، بغض النظر عن اللغة التي تظهر بها. ففي جميع هذه الحالات من الحقول غير الموثقة مصطلحياً، يحتاج المترجمون إلى الشروع في بحث صعب والعثور، من خلال أبحاثهم الخاصة ، على الترجمة التقليدية (إن وجدت) للمصطلحات الأصل في لغتهم الهدف.

ب) لا تتضمن القواميس وقواعد البيانات الاصطلاحية كل مصطلح ممكن. وكونها شاملة ودقيقة كما قد تكون (على الأقل في البلدان التي يتم إنشاؤها فيها، حيث يتم دعمها، وتحديثها باستمرار)، هناك الكثير مما يمكن أن تفعله القواميس وقواعد البيانات الاصطلاحية. وكونها محدودة، فإنها لا يمكن أن تدعي أنها تشمل جميع حالات اللغة المستخدمة أو كل ما يحدث في النصوص الفعلية. علاوة على ذلك، فهي بطبيعتها غير قادرة على مواكبة كل الابتكارات التي تتم في مجال معين من المعرفة. قد يواجه المترجمون المتخصصون في عملهم (وغالباً ما يفعلون) المصطلحات الجديدة، والإبداعات الجديدة في لغة المصدر، وقد يضطرون إلى محاولة العثور على أفضل حل لتقديمها في اللغة الهدف. وهذا هو المكان الذي يلعب فيه إبداعهم اللغوي دورًا أيضًا.

إلى جانب هذه المفاهيم الخاطئة عن القوى القديرة للقواميس متعددة اللغات وقواعد البيانات الاصطلاحية، هناك بعض اللبس يحيط بترجمة المصطلحات نفسها. فعلى الرغم من وجهة النظر الشائعة بأن مصطلح المصدر وترجمته يرتبطان عادة بعلاقة واحد لواحد، إلا أنه أحيانا لا توجد ترجمة واحدة فقط متاحة لمصطلح المصدر. على الرغم من أنه من المفترض نظريا أن تكون المصطلحات أحادية المعنى وتغطي فقط مفهومًا واحدًا في مجال معين، إلا أن العديد من المصطلحات من الناحية العملية تتسم بتعدد المعاني وقد تتطلب ترجمات مختلفة لكل معنى من معانيها. لإعطاء مثال على ذلك ، تسرد مصطلحات موسوعة ما هذا؟  لمصطلحات التكنولوجيا (The Whatis?com Encyclopaedia of Technology Terms) ما لا يقل عن أربعة معان مختلفة لكلمة ‘glitch’ (خلل أو مشكلة فنية ثانوية) في هذا المجال: 1) انقطاع طاقة مؤقت؛ 2) أي فقدان مؤقت للخدمة في الشبكة؛ 3) خلل لم يتم مواجهته كثيرًا؛ و 4) ضوضاء مؤقتة سريعة في ملف يبدو وكأنه فرقعة. والأكثر من ذلك، حتى في حالة عدم وجود توحيد للمصطلحات، قد تتغير أيضًا الترجمة المقبولة لمصطلح ما عبر الزمن لأسباب مختلفة، وهذه أيضًا ظاهرة لا يمكن دائمًا للقواميس التقاطها.

وعلاوة على ذلك، فإن النصوص المتخصصة ليست مجرد قوائم للمصطلحات المتخصصة. فيما يتعلق بالمصطلحات، غالباً ما تتضمن النصوص المتخصصة سلسلة من المرادفات، وإعادة الصياغة، وسياقات شبه التعريفية وشبكات معجمية ومصطلحية شاسعة. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا للطبيعة المتعددة الاختصاصات لمظاهر المعرفة الحالية، فإن النصوص التي تقتصر على مجال مصطلحي واحد تعتبر استثناء وليست القاعدة. على سبيل المثال، تحتوي معظم النصوص الطبية على مصطلحات من الإحصاء، أو علم الصيدلة، أو الفيزياء، ومعظم النصوص التي تتناول النظرية الموسيقية تعتمد على مصطلحات الرياضيات، في حين أن أدلة المستخدم الفنية تشمل المصطلحات القانونية والتجارية. يبدو من غير المجدي التأكيد على أن المترجم الذي يتعامل مع هذا النوع من النصوص يجب أن يأخذ بعين الاعتبار جميع هذه المتغيرات ويلم بها.

 

4. إيجاد نوع ومجموعة الكلمات الصحيحين

إن اختزال ترجمة النصوص التي تشير أو يتم إنتاجها ضمن مجال متخصص من المعرفة أو النشاط في ترجمة مصطلحاتها يعد تبسيطًا بدائيًا. قدر نيومارك (استشهد به في Byrne, 2006: 3) أن المصطلحات تمثل على الأكثر 5-10٪ من المحتوى الكلي للنصوص التقنية. وبالطبع، ينبغي أخذ هذا التقدير بحذر، لأن نسبة المصطلحات في النص تعتمد على العديد من العوامل. ومع ذلك، من منظور معجمي، تتكون معظم أنسجة النصوص المتخصصة من الكلمات التي تنتمي إلى المفردات اليومية أو الكلمات التي يمكن اعتبارها شبه متخصصة (أي أنها شائعة الاستخدام في العديد من المجالات).

في حين أن إظهار أن المصطلحات ليست سوى جزء صغير نسبيًا من المفردات المستخدمة في النصوص المتخصصة، فإن هناك أيضًا جانب آخر مليء بالتحديات في الترجمة المتخصصة، ألا وهو التعامل مع التعابير الاصطلاحية والنوع. فإلى جانب العثور على المصطلحات الصحيحة، يحتاج المترجمون الذين يعملون مع نصوص متخصصة إلى التعرف على أنواع مختلفة من التعابير الاصطلاحية الموجودة في النص الأصلي، وفهم معانيها وتأثيراتها البؤرية المقصودة، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ترجمتها. على الرغم من أن العبارات المحددة تحمل وزنًا أخف فيما يتعلق بالمحتوى المعلوماتي، إلا أن ترجمتها يمكن أن تعرقل قابلية القراءة الشاملة وتقوّض الوظائف التواصلية المقصودة للنص الهدف.

بالنسبة إلى ملكوك (Mel’čuk, 1998: 24-30)، فإن العبارة المحددة أو التعبير الاصطلاحي هو ببساطة عبارة ليست حرة؛ وهذا يعني أنه عند بنائها إما أن اختيار العناصر المكونة لها أو الجمع بينهما، أو كليهما، لا يتم بحرية، بل يقتصر على عدد محدود من الخيارات (Mel’čuk, 1998: 24-30). على الرغم من أنها غير مستغلة نسبياً في دراسات الترجمة، إلا أن مجال علم العبارات يبدو ذا أهمية قصوى في الترجمة المتخصصة. من أجل تبسيط التواصل، لكل مجال من مجالات المعرفة عبارات محددة ومجموعات كلمات مميزة. على سبيل المثال، ‘تصفح الإنترنت/ الويب/ الملفات / البيانات’، ‘قراءة/ كتابة قرص/ بيانات’، ‘أدوات التحرير’، ‘معالجة الصور’ ، ‘الاستخدام/ الوصول غير المصرح به’ تعتبر من التعابير ومجموعات الكلمات الشائعة جدا في مجال تقنية المعلومات.

عند التعامل مع عبارات النصوص المتخصصة، فإن اختيار الكلمات المناسبة لتتماشى مع كل مصطلح في الترجمة يعتبر أمر أساسي، ليس فقط من أجل الحفاظ على النوع والأسلوب الخاص بالحقل، ولكن أيضا للحفاظ على ودعم الوظيفة التواصلية التي يفترض أن يحققها النص المترجم في سياق الاستقبال الهدف. أخبرني طبيب ليبي ذات مرة أنه كان منزعجا جداً من نص طبي مترجم قرأه. فمن بين أشياء أخرى، شعر المترجم الليبي بأن الأفعال الإنجليزية مثل ‘to die’ أو  ‘to flat line’  كانت قاسية جدا، ولذلك قرر أن يخفف من وقعها في الترجمة. ونتيجة لذلك، نجد في النسخة العربية من المقالة الإنجليزية، أن المرضى “توفوا” أو “قضوا نحبهم” أو “فارقوا الحياة”. وكما أوضح الطبيب، فإن التأثير غير المرغوب فيه لهذه المترافقات كان له تأثير سلبي على استقباله للمقال.

وبصرف النظر عن المترافقات الخاصة بالمجال، فقد تشمل النصوص المتخصصة العديد من الأنواع الأخرى من العبارات الاصطلاحية النصية والمرجعية. ففي بعض الأحيان، نجد أن العبارات الاصطلاحية النصية، العبارات الخاصة وغير الخاصة بالمجال، يرافقها في النصوص المتخصصة ما أطلق عليه جرانجر وباكووت (Granger and Paquot, 2008) اسم العبارات الاصطلاحية التواصلية (communicative phrasemes). فتبعاً للغرض الكلي الذي يتبعه نص متخصص، قد يتخذ هذا الأخير شكل صيغ أفعال الكلام (تستخدم أساساً في الإعلان أو في النصوص التي تخاطب القراء بشكل مباشر)، وصيغ المواقف (على سبيل المثال، ‘أعتقد/ نعتقد أن …’ ، ‘أرى/ نرى أن …’ المستخدمة بشكل رئيسي في النصوص العلمية الجدلية)، و الأشياء الاعتيادية (التي تستخدم في بعض الأحيان في السياقات التعليمية)، والأمثال (أو إعادة الصياغة الذكية)، والشعارات (إعلانات، اتصالات الشركات، إلخ).

إن الطريقة التي يتم بها التعامل مع جميع أنواع التعابير المذكورة حتى الآن في الترجمة لها أهمية كبيرة، جنبا إلى جنب مع المصطلحات، لأنها تشارك في بناء النوع الخاص بالمجال والنوع الاتصالي العام (أو الأسلوب)،. لكل من النص المصدر والنص الهدف. وكما لاحظ بيرن (Byrne, 2006: 5)، ‘في كثير من الحالات، لا يتم الاعتراف مطلقا بأهمية أو حتى وجود أسلوب في النصوص التقنية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاعتقاد بأنه نظرًا لأن اللغة التقنية وظيفية، فيجب أن تكون ‘واضحة’ ومجردة من أي شكل من أشكال الأسلوب أو الهوية اللغوية’. الأمثلة القليلة التي نوقشت حتى الآن هي مؤشر على أن حيادية الأسلوب أو الافتقار للإبداع اللغوي في النصوص المتخصصة ليس عالميا.

 

5. مواكبة أعراف النوع والوظائف التواصلية

الشيء الآخر الحاسم بالاضافة إلى النوع، والمصطلحات ، والتعابير الاصطلاحية، هو حقيقة أن الترجمة المتخصصة تتعامل عادة مع النصوص، أي كيانات خطاب كاملة، والتي لا تُكتب عشوائيا، فقط من أجل الكتابة. فهي نتاج مؤلف أو مؤلفين ينتمون إلى مجتمع خطاب معين، ويهدفون إلى خدمة غرض معين، لأن ‘الأفراد إما ينتجون نصوص، أو ينتجون ترجمات نصوص، وفقًا لمعايير مجتمع الخطاب و الوظائف التي يعتزم النص تقديمها في مجتمع الخطاب هذا’ (Bex, 2001:  66).

إن ‘تقليد’ النص والأهداف التواصلية التي يتبعها تتبلور في مفاهيم النوع وأعرافه. وكما توضح بهاتيا (Bhatia, 2004: 20)، فإن مفهوم النوع ‘يوسع التحليل إلى ما هو أبعد من المنتج النصي ليدمج السياق في معنى أوسع حتى يلم ليس فقط بالطريقة التي يتم بها بناء النص، ولكن أيضًا بالطريقة التي يتم بها تفسيره واستخدامه واستغلاله في سياقات مؤسسية محددة أو سياقات مهنية ضيقة لتحقيق أهداف صارمة محددة “(2004 ، 20).

الخطاب المتخصص هو عالم تزدهر فيه الأنواع، حيث أن كل مجال من مجالات المعرفة أو النشاط طور (أو، في بعض الأحيان، استعار) طرقه التقليدية الخاصة لرزم المحتوى المعلوماتي. يشمل المجال القانوني، على سبيل المثال، مجموعة واسعة جدًا من الأنواع النصية، مثل الأحكام، مذكرات وأوامر الاستدعاء، الأوامر القضائية، القوانين، الوصايا، التوكيلات، أو الأنواع المختلفة للعقود. كما أن ملخصات الخروج، تقارير الحالة، أو رسائل الاستشارة تعتبر أمثلة لبعض الأنواع المعروفة في المجال الطبي، في حين أن البيانات المصرفية، والبيانات المالية، وتقارير الدفاتر العامة، أو ملفات الجرد الختامية تعتبر أنواع شائعة في مجال الأعمال والمحاسبة. وبالطبع، فإن العديد من الأنواع تتقاطع مع العديد من المجالات. وكمثال في هذا الصدد هو المقال العلمي، الذي قد يظهر كطريقة تقليدية لتنظيم المعلومات في أي مجال من مجالات المعرفة، على الرغم من أن الأعراف النصية قد تكون مختلفة قليلاً في كل حالة.

أحد التحديات التي يتعين على المترجمين المتخصصين مواجهتها هو تعلم كيفية التعامل مع جميع الأنواع المختلفة التي قد يجدونها في عملهم. من جهة، يجب أن يكونوا على دراية ‘بالثقافة’ والأغراض التي أدت إلى استخدام أعراف النوع الخاصة بلغة المصدر، ومن ناحية أخرى، تقرير كيف ينبغي التعامل مع هذه الأعراف في الثقافة الهدف، بالاتفاق مع التوقعات المحتملة للمستفيدين الهدف (الذين يحتاجون أيضا إلى تصورهم). وكما أكد نيوبرت وشريف (Neubert and Shreve, 1992: 117)، فإن ‘الانطباع بأن الترجمة تبدو خاطئة يأتي من انتهاكات لتوقعات القراء النصية، حيث أن القارئ يضع في اعتباره مجموعة من التوقعات الضمنية حول ما يجب أن يكون عليه النص’. قد يتطلب مواكبة أعراف النوع قرارات جذرية أحيانا، مثل الحذف أو الإضافة أو إعادة تنظيم المعلومات في النص الهدف. فمثلا نجد أن الترجمات العربية للمقالات حول تقنية المعلومات والاتصالات باللغة الإنجليزية أطول من مصادرها  وربما قد تحتاج إلى عدد أكبر من التقسيمات داخل النص، مثل العناوين الفرعية أو الفقرات. وهذا يبين أنه على المترجمين العرب أن يبذلوا جهداً لتكييف النصوص الهدف مع الاعراف العامة للثقافة الهدف، والذي يتطلب تكثيف أخبار تقنية المعلومات والاتصالات في العالم العربي. قد تكون هناك حاجة إلى جهد أكبر للتكيف في الترجمات المتقاطعة، التي يختلف فيها نوع المصدر ونوع الهدف (على سبيل المثال، ترجمة بيان صحفي مصدر كمقال إخباري في الثقافة الهدف).

فيما يتعلق بوظائف التواصل، وعلى الرغم من الافتراض التقليدي، يبدو أن ممارسة الترجمة تشير إلى أن النصوص المتخصصة التي تخدم غرضًا إعلاميًا بحتًا ليست متكررة، ولا حتى في المجالات التقنية. وباستثناء الأوصاف التقنية (مثل وصف الأجزاء التي تشكل آلة معينة أو عملها)، والتي يمكن النظر إليها على أنها إعلامية فقط ، فإن النصوص الأكثر تخصصًا تهدف إلى القيام بالعديد من المهام التواصلية. ولذك، على الرغم من أن هدفها الأساسي قد يتمثل في نقل المعلومات، إلا أن معظم النصوص المتخصصة تهدف أيضًا إلى الإقناع (على سبيل المثال من خلال الجدل، في المقالات العلمية، وفي إعلانات المنتجات)، أو للإرشاد والتوجيه (مثل أدلة المستخدم، أو الأحكام القانونية)، أو حتى للتعبير عن وجهات النظر ‘الشخصية’ (على سبيل المثال في المقالات العلمية، في تقارير الشركات)، إلخ. وإذا ما نظرنا إلى النصوص في التخصصات المختلفة ، فسنجد أنها تستخدم مجموعة واسعة من الوسائل اللغوية والخطابية من أجل تحقيق كل هذه الوظائف في النصوص المصدر، وقد يشكل بعضها تحديًا كبيرًا للمترجمين.

 

6. التحديات والمسؤوليات والمخاطر

وكما أظهرت هذه النظرة العامة الموجزة، من مستوى المصطلحات، إلى العبارات، والنوع وأعرافه، والوظائف التواصلية ، يجب على المترجمين الذين يعملون مع النصوص المتخصصة أن يتعاملوا مع العديد من التحديات التي لا تتطلب معرفة لغوية إضافية فقط في المجال المعني، ولكن أيضا مهارات حل المشاكل والإبداع اللغوي. ومن العديد من النواحي، في المجتمع القائم على المعرفة، حيث تنتشر المعلومات بسرعة مذهلة، فإن الحدود التي تفصل بين التخصصات قد تلاشت، وتتقدم التطورات العلمية والتقنية على نطاق لم يسبق له مثيل من قبل، وهو الأمر الذي جعل الترجمة المتخصصة متطلبة مثلها مثل الترجمة الأدبية على الأقل. وعلى أية حال، فهي بالتأكيد ليست ‘أسهل’ أو ‘مقيدة’ أو ‘شبيهة بالآلة’ أو ‘رتيبة’، كما تقول بعض الآراء التقليدية. تتشابه الترجمة المتخصصة والترجمة الأدبية في العديد من النواحي. وفي الواقع، إذا أخذنا بمفهوم التخصص إلى أقصى حدوده، يمكننا اعتبار الفن الأدبي نشاط متخصص، والذي تمارسه فقط مجموعة صغيرة من الخبراء، ويمكننا أيضًا اعتبار الترجمة الأدبية نوعًا من الترجمة المتخصصة. ومع ذلك، وعلى الرغم من التشابه الواضح بينهما، فإن محاولة جعل هاتين الحرفتين تتنافس  والجهد المبذول لتسميتهما على أساس الأحكام القيمية يعتبر أمر مفيد مثل صب الماء في الغربال.

ويتحمل المترجمون المتخصصون مسؤولية مشتركة تجاه كل من النص المصدر ومنتجه (منتجيه) والنص الهدف ومتلقيه المستقبليين. قد تكون مكانة النص الأدبي المصدر أعلى من معظم أنواع النصوص الأخرى، كما ادعى سنيل-هورنبي، ولكن هذا لا يعني أن النصوص المتخصصة المصدر غير مؤلّفة أو أن أولئك الذين يطلبون الترجمات المتخصصة يتوقعون عملا أقل من الجيد، أي أنهم حتما يرغبون في ترجمة تمكن من الحفاظ على دقة المحتوى المعلوماتي الذي ينقله النص المصدر بينما تنجح في تحقيق التأثيرات التواصلية المقصودة في السياق الهدف.

في موازنتها المستمرة بين الدقة والاتقان في ترجمة المصطلحات والمحتوى المعلوماتي وسعة الحيلة في تقديم العديد من الظواهر اللغوية والعملية الأخرى الموجودة في النصوص المصدر، فإن الترجمة المتخصصة ليست نشاطًا خاليًا من المخاطر. ليس من قبيل الصدفة، حسب بعض الآراء، أن مفهوم الانحراف في الترجمة (للنص الهدف بالنسبة للنص الأصلي) مقبول فقط عندما يتحدث المرء عن الوثائق ‘العلمية’ حيث ‘يتم وضع الحقائق وعرضها بمصطلحات موضوعية غير مؤهلة لقارئ النص المصدر والنص الهدف على حد سواء، ولكن يختلف الوضع مع النصوص الأدبية’ (Bassnett, 1992: 79). ففي مجالات المعرفة حيث تكون الدقة شرطًا أساسيًا، قد يكون لسوء ترجمة المصطلحات نتائج كارثية، وبعواقب تتعدى كثيرا الأخطاء في أسلوب الكاتب الأدبي. وعلاوة على ذلك، فإن سوء معاملة التعابير الاصطلاحية وخيارات النوع غير الملائمة قد يقوض تماما الطريقة التي يتم بها فهم المعلومات الواردة في النصوص المتخصصة وتلقيها والأثر التواصلي المقصود الذي من المفترض أن تحدثه الترجمة في السياق الهدف.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه، خاصة عندما تكون اللغة الهدف أقل شهرة وتوحيدا من حيث المصطلحات، فإن المترجمين المتخصصين، تماماً مثل الصحفيين أو المؤلفين، هم مبدعون للغة أيضاً. وكما أكد مونتغمري (Montgomery, 2000: 18)، فقد ‘أدت الترجمة (…) مرارًا وتكرارًا إلى إنشاء مفردات جديدة بلغات كانت في السابق غريبة على المعرفة ذات الصلة’. عندما تكون النصوص المصدر ذات تأثير كبير أو تستفيد من التداول الواسع، فإن بعض الاختيارات التي تتم في ترجمتها ستميل إلى التمسك بالعقل الجماعي والاعتماد عليها كقاعدة، وبالتالي تصبح ترجمة ‘عرفية’ للمصطلحات الجديدة أو العبارات الاصطلاحية الجديدة الخاصة بالمجال. وبالتالي، يتم عادة إدخال الاقتراض الرسمي أو الدلالي إلى اللغة، مما يثري مفرداتها ويساعدها على مواكبة تطورات العلوم والتقنية. من هذا المنظور، يتحمل المترجمون المتخصصون مسؤوليات تجاه اللغة الهدف أيضًا ويجب أن يكونوا حذرين من خطر إدخال ترجمات فضفاضة وأسلوب سيء في السياق الهدف. “يجب أن يكون المترجم أكثر من مجرد جهاز ينقر على كلمة مقابل كلمة، وعبارة مقابل عبارة، بل يجب أن يشارك بنشاط في اختيار اللغة، ويرقص على الحدود بين التقليد والابتكار’ (Montgomery, 2000: 34).

 

المراجع

Aguado de Cea G., Álvarez de Mon y Rego I., Cultural Aspects in the Translation of Texts in the Domain of Information Technologies. In Rogers, A. and Rogers, M. (eds.), Proceedings of the 14th European Symposium on Language for Special Purposes – 2003, Khurshid, University of Surrey, Surrey, 289-295, 2004.

Anderman G., Rogers M., The Linguist and the Translator. In Gunilla Anderman G. and Rogers M. (eds.), Incorporating Corpora: The Linguist and the Translator, Multilingual Matters, Clevedon, 5-17, 2008.

Baker M., Saldanha G. (eds.), Routledge Encyclopaedia of Translations Studies (2nd edition). Routledge, USA, Canada, 2009.

Bassnett S., Translation Studies. Routledge, London, 1992.

Bex T., Variety of Written English. Texts in Society: Societies in Text. Taylor & Francis e-Library, Routledge, London, 2001.

Bhatia V., Worlds of Written Discourse. A Genre-Based View. Continuum, London, 2004.

Byrne J., Scientific and Technical Translation Explained: a Nuts and Bolts Guide for Beginners (2nd Edition). Routledge, London, New York, 2014.

Byrne J., Technical Translation. Usability Strategies for Translating Technical Documentation. Springer, Dordrecht, 2006.

Gómez González-Jover A., Léxico especializado y traducción. In Alcaraz-Varó E., Martinez J.M. and Yus Ramos F. (eds.) Las lenguas profesionales y académicas, Editorial Ariel, Barcelona, 27-40, 2007.

Gouadec D., Translation as a Profession. John Benjamins, Amsterdam, 2007.

Granger S., Paquot M., Disentangling the Phraseological Web. In Granger S. and Meunier F. (eds.), Phraseology: an interdisciplinary perspective, John Benjamins, Amsterdam, 2008.

Hann M., A Basis for Scientific and Engineering Translation. German–English–German. John Benjamins, Amsterdam, 2004.

Mel’čuk I., Collocations and Lexical Functions. In A. P. Cowie (ed.), Phraseology. Theory, Analysis, and Applications, Clarendon Press, Oxford, 1998.

Montgomery S.L., Science in Translation. Movements of Knowledge through Cultures and Time. Univ. of Chicago Press, Chicago, 2000.

Neubert A., Shreve G.M., Translation as Text. The Kent State Univ. Press, Kent, 1992.

Nida E.A., Toward a Science of Translating. E. J. Brill, Leiden, 1964.

Olohan M., Scientific and Technical Translation. In Baker M. and Saldahna G. (eds.), The Routledge Encyclopaedia of Translation Studies, 2nd Edition, Routledge, USA, Canada, 246-149, 2009.

Ortega y Gasset J., The Misery and Splendour of Translation. In Venuti L. (ed.), The Translation Studies Reader, Elizabeth Gambler Miller (Trans.), Taylor & Francis e-Library, Routledge, London, 49-64, [1937]2004.

Snell-Hornby M., Translation Studies: An Integrated Approach (2nd Edition). John Benjamins, Amsterdam, 1995.

* * * The Whatis?com Encyclopaedia of Technology Terms. Que Publishing, Indianapolis, 2002.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

دوافع تعلم اللغة الثانية

دوافع تعلم اللغة الثانية

دوافع تعلم اللغة الثانية: لمحة تاريخية وملاءمتها لمدارس الثانوية العامة في الجفارة، ليبيا إن للدوافع …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.