الترجمة السمعية البصرية

يناير 10, 2018 أ. فرج محمد صوان

وضع دراسات الترجمة السمعية البصرية

في السنوات العشرين الماضية أصبحت الترجمة السمعية البصرية (audiovisual translation) في حد ذاتها شكل معترف به للترجمة وأيضا كمجال أكاديمي للبحوث. وهي تتعلق أساسا بنقل الكلام المتعدد الأشكال والوسائط المتعددة (الحوار، والمونولوج، والتعليقات، وما إلى ذلك) إلى لغة أو ثقافة أخرى. وبينما نحتاج من سنتين إلى أربع سنوات لإنتاج فيلم (من كتابة السيناريو والبحث عن الدعم المالي إلى الإطلاق والبث)، فغالبا ما يتم إعطاء بضعة أيام فقط لتوفير الترجمة. وبالتالي، فإنه ليس من المستغرب أن ينظر معظم الناس الترجمة السمعية البصرية كمشكلة، أو خسارة، بدلا من كونها حلا خلاقا لمشاكل التوزيع الدولي.

 

القصة قصيرة والمجال يتوسع

أصبحت الترجمة السمعية البصرية أكثر شهرة وأكثر نقاشا في دراسات الترجمة منذ الذكرى المئوية للسينما (1995)، والتي تزامنت أيضا مع ازدهار ما يسمى التقنية الجديدة. ومع ذلك، فقد كانت الترجمة دائما تحديا في تاريخ السينما، في مواجهة أسطورة عالمية الأفلام، التي دافع عنها رينوار (J. Renoir)، وفورد (Ford)، وإيسنستين (S. Eisenstein)، وكلير (R. Clair)، وفيدور (K. Vidor)، ومورنو (Murnau)، وشابلن (Chaplin)، الخ. حتى الأفلام الصامتة لم تكن صامتة، حيث كانت هناك أصوات (موسيقى البيانو، المؤثرات الصوتية، الراوي وراء الستار الذي يروي قصة، ترجمة العناوين المتخللة، الخ). ثم جاءت اللإلام الناطقة، بين عامي 1926 و 1931. ولأن السينما كان ينظر إليها منذ البداية باعتبارها فن وعمل تجاري، سرعان ما أثيرت مسألة اللغات. فكيف يمكن للمرء تصديرها، وأين، إذا كانت الجماهير لا تفهم الفرنسية، الإنجليزية، الخ (Vasey, 1997)؟

في بين عامي 1928 و 1930 اعتمدت جميع الصناعات السينمائية الموسيقى التصويرية، وبالتالي حدثت تغييرات في تنفيذ السيناريو، وفي طريقة الاخراج والتصوير. ولتلبية المطالب الجديدة، قام مخرجو الأفلام بإصدار نسخ ثانية يؤدي فيها الممثلون أدوارهم بلغتهم الخاصة، تتضمن أحيانا صور مختلفة من أجل استهداف جمهور معين بشكل أفضل (Barnier, 2004). وهذا يسبق التحري النهائي الحالي، الذي يتكيف مع مشاهدين محددين. في البداية تم تصوير النسخ المختلفة في نفس البيئة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم استيراد الممثلين المحليين من فرنسا وألمانيا وغيرها. ومع تراكم النسخ أحادية اللغة، وخاصة بين عامي 1929 و 1932، تم إخفاء الاختلافات اللغوية والترجمة، ولكن بسبب تكاليف الكثير من النسخ المختلفة المتشابهة، تم الاستعانة بمصادر خارجية للتصوير. وقامت هوليوود ببناء استوديوهات في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإنجلترا، وغيرها. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين ظهرت الدبلجة. ومنذ ذلك الحين، لم يم التعامل مع التحدي اللغوي من قبل شركات الإنتاج وإنما من قبل شركات التوزيع والبلدان المستوردة (Higson and Maltby, 1999).

كما تم تطوير حل آخر في ثلاثينيات القرن العشرين تمثّل في الطبعة الجديدة، وهو نوع من التخصيص بتغيير اللغة و إلى حد ما الحبكة أيضا، بكل قيمها وافتراضاتها، والشخصيات والسياق الثقافي. وإذا كان معظم الطبعات الجديدة في الفترة من 1930 إلى 1950 أفلام أمريكية معاد انتاج سياقها في أوروبا ولأوروبا، فإنه منذ ثمانينيات القرن الماضي تم عكس هذه الخطوة، حيث ثم إعادة انتاج الأفلام الأوروبية الناجحة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الأفلام متعددة اللغات (التي نفذت بعدة لغات) ليست جديدة تماما في تاريخ السينما (J.L. Godard, 2010)، حيث تمكنت السينما مرارا وتكرارا من تمثيل التنوع اللغوي، والاتصالات اللغوية والصراعات، والهوية اللغوية، وأيضا تمثيل المترجم التحريري والشفوي كشخصيات، في معارضة مباشرة لصورة هوليوود السلبية التي لن تخلق سوى عالم أحادي اللغة (Cronin, 2008). تعدد النسخ اللغوية أحادية اللغة وتعدد اللغات في الأفلام هما استراتيجيتان مختلفتان لمواجهة “مشاكل” اللغة في السينما.

في وقت مبكر جدا من سنة 1934، أصبحت ترجمة الأفلام والدبلجة متعارضين، برغم وجود حجج مختلفة. ليس من الواضح دائما لماذا تم اختيار أحدهما في أحد الحالات وتم تفضيل الآخر في حالات آخر. وقد تم تحديد الاختيار بين النموذجين بعوامل اقتصادية وإيديولوجية وبراغماتية مختلفة، ولكن ليس بالضرورة بشكل سريع ودائم. فعلى سبيل المثال، يفسر التنافس الطويل والصعب بين فرنسا وهوليوود التردد بين الشكلين اللذين حدثا في فرنسا لأكثر من عقدين (Danan, 1994). تتمثل أحد السمات المتعلقة بمشهد الترجمة السمعية البصرية في أن معظم ما يسمى “بلدان الترجمة السينمائية” لديها ما يسمى لغة أقل استخداما، في حين أن معظم “دول الدبلجة” لديها لغة “دولية” (الإنجليزية والفرنسية، الخ) وجمهور أكبر. ومع ذلك، فإن التقنية الرقمية اليوم تجعل هذا التعارض غير واضح.

وتعكس المصطلحات المستخدمة لمناقشة الترجمة السمعية البصرية الوضع المتغير جزئيا، وخاصة مع مساهمة التقنية، وجزئيا التوسع والتخصص المتزايد في ممارسة الترجمة السمعية البصرية والبحوث. وقد وضعت المنشورات الأولية حول الترجمة السمعية البصرية ، من منتصف خمسينيات القرن العشرين إلى الثمانينات تحت مسمى ترجمة الأفلام. وقد فشل هذا المصطلح في تغطية التلفزيون ثم الفيديو، وأنواع البرامج الأخرى غير الأفلام الطويلة (مثل البرامج الحوارية والأفلام الوثائقية). وفي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أصبح النقل اللغوي شائعا، ولكن بتركيزه على اللغة تجاهل تعقيد النصوص السمعية والبصرية (استخدام الإشارات السمعية والبصرية واللفظية). وقد أدى إدخال مصطلح الترجمة السمعية البصرية منذ حوالي 20 عاما إلى إبراز البعد المتعدد الجوانب لجميع البرامج الإذاعية (التلفزيون والسينما والإذاعة والعرض المرئي الرقمي). وهو اليوم المصطلح الأكثر شيوعا في هذا المجال. يجب أن يقال هنا أنه أحيانا يتم في هذه المهنة، تفضيل التحويل (versioning) كمصطلح عام يشمل الترجمة السينمائية، والدبلجة، الخ. كما يستخدم مصطلح “ترجمة الشاشة” (screen translation) أيضا في الدوائر الأكاديمية، وهو يغطي جميع المنتجات الموزعة عبر الشاشة (التلفزيون والسينما أو شاشة الحاسوب )، وهو لا يشمل الترجمة للمسرح، ولكنه يشمل التوطين أو التعريب (localization) الذي لا يعتبر شكل من أشكال الترجمة السمعية البصرية. كما استخدمت الترجمة لوسائط الإعلام في بعض الأحيان لكل من الاعلام السمعي البصري والمطبوع. أما بالنسبة للترجمة متعددة الوسائط (multimedia translation)، فهي تشير صراحة إلى العديد من وسائل الإعلام والقنوات المستخدمة حاليا في الاتصالات العالمية والمحلية لأغراض مختلفة (المعلومات، والترفيه، والتعليم، والإعلان، وما إلى ذلك). ومن الواضح أن قائمة المصطلحات ليست مغلقة بسبب التطورات في التقنية، وحيوية مجال البحث وتنوع الممارسات (انظر “تأثير التقنية”، أدناه). في الواقع، هذا التنوع في المصطلحات يعكس الصعوبة في تحديد نطاق الترجمة السمعية البصرية.

 

 

كائن بحثي معقد

يتكون المنتج أو الأداء السمعي البصري من عدد من أنظمة الرموز الإشارية التي تعمل في وقت واحد لإنتاج المعنى. ويفهم المشاهدين والمترجمين سلسلة الرموز المشفرة التي يربطها المخرج (التأطير والتصوير) والمحرر (التنقيح) بطريقة معينة. يتم تنظيم هذه الرموز بطريقة بحيث يكون معنى الفيلم، الشريط الوثائقي أو السلسلة أكثر من مجرد إضافة معاني كل عنصر أو كل رمز سيميائي. وتستخدم جميع الوسائل اللفظية وغير اللفظية لتحقيق الاتساق والقصد والمعلوماتية والتداخل النصي والملاءمة وقواعد الحوار (تجنب الغموض، والتنظيم، والإعلام بقدر الضرورة، وما إلى ذلك). ويمكن تطبيق نماذج دلالية مختلفة ونماذج مختلفة من التفاعل على الصور المتحركة، من تلك المقترحة في علم اللغة النصي، وفي البراغماتية، إلى تلك المقترحة في تحليل الخطاب وعلم الدلالة السيميائي (Mason, 1989 & 2001; Hatim and Mason, 1997; Perego, 2003).

أحد التحديات الرئيسية للبحث في الترجمة السمعية البصرية هو تحديد أنواع العلاقات بين الإشارات اللفظية وغير اللفظية. يجري العديد من العلماء في الترجمة السمعية البصرية تحليلاتهم كما لو كانت الإشارات المختلفة تعمل على طول خطوط متوازية، بشكل مستقل تقريبا. فهم يدعون أولا أن الفيلم هو كيان متعدد الاشارات، ثم يحللون البيانات اللغوية بشكل منفصل، متناسين تعقيد وديناميكية عملية المعنى. وقد تفسر عوامل مختلفة هذا الموقف، الذي يعكس السبب في عدم اعتبار ترجمة الأفلام ودبلجتها في بعض الأحيان ترجمة، حيث أنه كان هناك شعور بأن الترجمة “يجب” أو “ينبغي” أن تتعامل حصريا مع الكلمات! الوضع آخذ في التغير، ولكن لا تزال هناك مشاكل منهجية قوية فيما يتعلق بكيفية معالجة تعدد الإشارات، ويعتبر النهج المتعدد الوسائط (Taylor, 2003) أحد الحلول الممكنة.

إذن، كيف يمكن للمرء أن يعرف مصطلح السمعي البصري؟ وبعبارة أخرى، ما هي الطريقة لتحديد موضوع دراسة الترجمة السمعية البصرية؟ هناك على الأقل اثنين من المقترحات الرئيسية: اللفظي وغير اللفظي والسمعي البصري (Zabalbeascoa, 2008). إن أهمية وكمية بعض العلامات دائما نسبية. يمكن أن تفوق أهمية الصوت الأشكال السيميائية البصرية في تسلسلات معينة؛ ويمكن لمدونة الفيلم أن تفوق علامات اللغة في تسلسلات أخرى. ويمكن تصنيف أنواع الأفلام وأنواع الترجمة السمعية البصرية وفقا لهذا المخطط المرن (Chaume, 2004). يلخص الجدول (1)[1] أربعة عشر من الرموز السيميائية المختلفة التي تنشط بدرجات مختلفة في إنتاج المعنى. كيف يمكننا وصف التواصل السمعي البصري ووظائف اللغة في هذا النوع من الاتصالات؟ الإجابات على هذه الأسئلة لها تأثير على ما سيتم ترجمته وعلى استراتيجيات الترجمة. على سبيل المثال، في ترجمة الأفلام، حيث يحتاج المرء إلى تكثيف واختيار المواد اللغوية، هل يمكن للمرء أن يترجم أو يغفل عبارات المخاطبة، وكلمات الشتيمة والمواد الثقافية، وما إلى ذلك؟ كل هذا يتوقف على وظيفتها في وقت معين، في مشهد محدد، وعلاقتها بالعلامات السيميائية الأخرى. و لا يمكن أن يكون الجواب هو ضرورة حذف عبارات المخاطبة دائما!

لرم,ز السيميائية في انتاج المعنى: الترجمة السمغية البصرية

 

يتحدث الشخصيات في الاتصال السمعي البصري مع بعضهم البعض، بوجود مشاركين جانبيين في الاستماع وقادرين على التدخل في أي لحظة. وهؤلاء الناس يضافون (من المارة)، على مسافة معينة (في شارع، مقهى، مكتب)؛ ويكون لهم تأثير على الشخصيات المتحدثة: حجم أصواتهم، توقفهم، نظراتهم، لفتاتهم، وما إلى ذلك. وفي بعض الأحيان هناك أشخاص مخفيون، مثل استخدام الضحك المعلب في الكوميديا. ثم أن لدينا جميع المشاهدين (المتنصتين). في الواقع، تتحدث الشخصيات والمتفرجون بشكل غير مباشر إلى المشاهدين الذين لا يستطيعون التفاعل ولكنهم المخاطبين الأوائل النهائيين على حد سواء (Bell, 1984). يعمل كل من مؤلف السيناريو، والمنتج، ومخرج الفيلم، والممثلين والمحرر مع جمهور هدف معين في الاعتبار. ومع ذلك، هناك نوع معين من المشاهدين لا تتم مخاطبته بالضرورة في هذه المرحلة، ألا وهو الأجنبي الذي يحتاج إلى ترجمة. يتعارض عالمين في الأفلام: الذي ينشئه الخيال و الواقعي. لا ينخدع معظم المشاهدين بالوهم والتمثيل الذي يقدمه فن صناعة الأفلام، ولكنهم لا يريدون أن يكون هذا الوهم محطما بسبب التحرير الفج، والدبلجة الفقيرة أو الترجمة الغير ملائمة، وهذه الأخيرة تكون بسبب كون الترجمات بالكاد تكون مفهومة ، أو أنها تتطلب الكثير من الجهد المعرفي أو أنها صعبة القراءة.

ويمكن أن تكون العلاقة بين الصوت والصور والمحتوى اللفظي:

  • إطنابيه (أحد العلامات تكرر أو تؤكد أخرى).
  • تكاملية (الموسيقى تعلن عن توتر معين).
  • مستقلة (التركيز على منفضة سجائر لا علاقة له على الفور بالكلام الحالي).
  • تناقض (يمكن للفتة معينة أن تعارض ما يقال).
  • مسافة (من أجل أن روح الدعابة أو لخلق علامة على التواطؤ).
  • نقدية (إجبار المتفرج على اتخاذ موقف).
  • مساعدة (تساعد الصورة على فهم لماذا تقال الأشياء بطريقة معينة).

وفيما يتعلق بالعنصر اللفظي في العملية السمعية البصرية، فيمكن أن تكون له وظائف مختلفة:

  • تفسيرية (تقديم أو إضافة قطعة من المعلومات غير معروضة في الصور).
  • أدائية (تساعد على القيام بشيء ما).
  • تخصيصية (إعطاء السمات اللغوية من أجل تحديد شخصية).
  • ترسيم الحدود (تنظيم السرد السينمائي، وتسهيل تطور الحبكة، والتمييز بين الحلم والواقع والماضي والحاضر والمستقبل).
  • انتقائية (توجيه تفسير لقطة، أو تسلسل).

وبوضع هذا التعقيد للإشارات والوظائف في الاعتبار، يمكننا الآن أن ننتقل إلى أنواع مختلفة من الترجمة السمعية البصرية.

 

 

أنواع الترجمة السمعية البصرية

ما كان يعتبر تحديا منذ بضع سنوات، وصف الصوت مثلا، يمكن أن يكون ممارسة عصرية اليوم، على الأقل في بعض القنوات التلفزيونية أو شركات الترجمة السمعية البصرية. لذلك، تصنف أنواع مختلفة من الترجمة السمعية البصرية هنا وفقا لمجموعتين رئيسيتين، هما الترجمة بين الرموز (رموز شفوية / مكتوبة، رمز الصورة)، وغالبا في نفس اللغة. والترجمة بين اللغات، الذي يعني أيضا تغييرات في الرموز. بعض الأنواع يمكن أن تكون داخل اللغة (intralingual) أو بين اللغات (interlingual)، و يمكن أن توضع داخل أي من المجموعتين.

 

بين الرموز، في نفس اللغة

إن ترجمة الأفلام (subtitling) التي تسمى أحيانا ترجمات بنفس اللغة، هي تحول من النمط المنطوق للتبادل اللفظي في فيلم أو برنامج تلفزيوني إلى الوسط المكتوب للترجمات. هناك غرضان رئيسيان لاستخدام الترجمات المصاحبة في داخل اللغة:

  • لتعلم اللغة (الشباب والمهاجرين): القناة الخامسة باللغة الفرنسية (TV5)، قناة البي بي سي الرابعة باللغة الإنجليزية (BBC4)، التلفزيون السويدي الرابع باللغة السويدية (STV4) كلها أمثلة على القنوات التي تجعل من الممكن تعلم لغة جديدة أو تحسين التمكن منها، وتعزيز مهارات القراءة لجميع المشاهدين.
  • من أجل سهولة الوصول، الذي يُعرّف بأنه حق مجموعات معينة في الوصول إلى النصوص السمعية البصرية، أي الصم وضعاف السمع في هذه الحالة.

وغالبا ما تكون ترجمة الأفلام داخل اللغة خيارا على التليفزيون (teletext)[2]. ويطلق عليها أيضا، ولا سيما في أمريكا، تسميات توضيحية مغلقة (closed captions)، بدلا من التسميات التوضيحية المفتوحة (أي الترجمات التي لا يمكن إلغائها). ومع ذلك، فإن التسميات التوضيحية المغلقة ليست مرادفة تماما لترجمات الأفلام الداخلية، حيث يمكن استخدام هذه التسميات التوضيحية أيضا على أقراص الفيديو الرقمية وقنوات التلفزيون للترجمات بين اللغات.

ويختلف نوعان من ترجمة نصوص الأفلام بين اللغات جزئيا عن طريقة معالجتها. لا يذكر الأول (لتعلم اللغة) ضوضاء الإشارة، أو رنين الهواتف، أو أصوات الأبواب، أو الأصوات الغاضبة، أو الصراخ، وما إلى ذلك. وهذه أداة للاندماج الاجتماعي اللغوي الأفضل. وتميل هذه الترجمات إلى ترجمة كل شيء (حرفيا)، أما الترجمة المصاحبة بين للغات فتنتقي وتكثّف وتعيد الصياغة.

أما النوع الثاني (للصم أو صعاف السمع) فعادة ما يحول المواد السمعية اللفظية وغير اللفظية إلى نص. وهو، مثل ترجمة الأفلام بين اللغات، يخضع لقواعد أوقات العرض، وقيود سرعة القراءة وكثافة الترجمة. ومع ذلك، وفي تعارض مع ترجمة الأفلام بين لغتين وأقرب إلى الدبلجة، فإنه يحترم درجة معينة من التزامن، ويتبع إلى حد معين كلمات وتراكيب الخطاب الأصلي، لأن العديد من ضعاف السمع يستخدمون قراءة الشفاه كمصدر إضافي للمعلومات. وفي الواقع فإن ضعاف السمع ليسوا مجموعة متجانسة: فمدى ونوع وعمر ظهور الصمم يختلف اختلافا كبيرا بين الأفراد. واحتياجات اللغة والاتصالات للذين يعانون من الصم الخلقي ليست هي نفسها مثل احتياجات المشاهد الصم بسبب سمات مرضية أو العمر.

عادة ما تستخدم ترجمة الأفلام المباشرة، التي تسمى أحيانا إعادة الكلام، للنقل داخل اللغة، ولكنها قد تظهر أيضا في شكل بين لغتين. وتحتاج عند القيام بها، في الوقت الحقيقي، للبث المباشر (مثل الأحداث الرياضية، أخبار التلفزيون) إلى الدعم الفني. ففي بعض الأحيان يتم استخدام نمط ظاهري خاص من لوحات المفاتيح (بمقاطع وليس حروف) لتسريع الكتابة، وغالبا ما يتم اليوم استخدام برامج التعرف على الصوت. و يقوم المترجم بتكرار أو إعادة صياغة ما يقال على الشاشة ليقوم البرنامج بترجمة الكلام القصير إلى سطور مكتوبة. الفاصل الزمني قصير جدا. كما يمكن للمترجم الفوري أن يترجم ويلقن ما يقال وتصبح جمله القصيرة ترجمات على الشاشة. ومن الواضح أن مثل هذا العمل مرهق، وجودة المنتج النهائي مشكوك فيها، لأنه لا يكاد يكون هناك وقت أو موارد، للتدقيق في مخرجات البرنامج قبل بثها.

يمكن الوصف الصوتي المكفوفين وضعاف البصر من الوصول إلى الأفلام والمعارض الفنية والعروض المسرحية، الخ. ويمكن أن يكون داخل اللغة أو بين لغتين. وهو يتضمن قراءة المعلومات ووصف ما يجري على الشاشة (الفعل، لغة الجسد، تعبيرات الوجه، والأزياء، وما إلى ذلك)، والمعلومات التي تضاف إلى الموسيقى التصويرية للحوار أو إلى دبلجة حوار فيلم أجنبي، بدون تدخل من المؤثرات الصوتية والموسيقية. إن جعل السمعي بصري ممكن فقط إذا كانت الأفلام لا تحتوي على كم كبير جدا من المعلومات السمعية مثل الحوار السريع، والمؤثرات الصوتية المتكررة، وما إلى ذلك. هذا النوع من الترجمة البصرية أو الدبلجة المزدوجة يعتبر أكثر فعالية لبعض الأنواع، مثل الدراما والأفلام وبرامج الحياة البرية والأفلام الوثائقية، منه في الأخبار أو برامج الألعاب التي على أية حال لديها محتوى كلامي كافي لتتبعها من قبل ضعاف البصر. يمكن أن تكون الدبلجة الصوتية مباشرة للأوبرا والمسرحيات المسرحية، أو مسجله للأفلام المحلية والأجنبية، والأدلة السمعية في المتاحف، وما إلى ذلك.

فكما هو الحال مع الصم، فإن مجتمع المكفوفين ليس متجانسا. فالأشخاص الذين يولدون عميا ليس لديهم ذاكرة بصرية يمكن الاعتماد عليها، في حين أن المسنين ذوي الإعاقة البصرية أو المرضى الذين يعانون من انخفاض تدريجي في الرؤية فيتذكرون التلفزيون والأفلام، وربما يعرفون بعض مصطلحات السينما. النوع الأول لديهم القليل أو لا مصلحة في لون شعر شخص ما، ووصف الملابس. أما الأخير فقد يفهم مصطلحات مثل مشهد طويل أو زاوية خلفية.

تعتبر ترجمة المرئيات الصوتية مفيدة للأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة، وكبار السن، وضعاف البصر وأي شخص لا يستطيع أن يقرأ بسرعة كافية. وفي هذا الخصوص هناك برامج تحويل النص إلى كلام التي تقوم بقراءة الترجمات بصوت عال. وهي خدمة يمكن أن تحسن إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام السمعية البصرية.

 

 

 

بين اللغات

سنقوم هنا بوصف سبعة أنواع من الترجمة السمعية البصرية بإيجاز. فهذه الأنواع تعتبر تقليدية أو معروفة توعا ما. ومع ذلك، فإن ممارستها آخذة في التغير أيضا.

وهناك حاجة إلى ترجمة السيناريو من أجل الحصول على الإعانات والمنح والدعم المالي الآخر للإنتاج المشترك أو للبحث عن الممثلين والفنيين وما إلى ذلك. وفي الحالة الأولى، يجب أن يكون النص المترجم قصيرا ومباشرا. أما في الحالة الثانية، يريد القراء أن يعرفوا، على سبيل المثال، مضمون الحبكة أو أصالة الشخصيات حتى يتمكنوا من تقرير ما إذا كانوا سيقضون بضعة أشهر، في مكان ما، مع ما قد ينتهي كقصة نجاح محتملة أو إخفاق تام (Cattrysse and Gambier, 2008).

أما ترجمة المواد المرئية بين اللغات (Interlingual subtitling) فتتضمن الانتقال من الحوار الشفهي بلغة واحدة أو عدة لغات إلى سطر واحد أو سطرين مكتوبين. وغالبا ما يقوم الشخص نفسه بهذه المهمة، أي الترجمة، أو تحديد الموضع (أو الصف، الترميز الزمني) والتحرير، وذلك بفضل البرمجيات المخصصة. لقد كان العمل مقسما بين مترجم مسؤول عن الترجمة المكتوبة من نص ما بعد الإنتاج أو قائمة حوار بعد مشاهدة الفيلم (أو لا)، وفني يقوم بتحديد مكان وتوقيت الترجمة، مع أو بدون تمكن من لغة المصدر. وتضيف الترجمة الأفلام (أو المواد المرئية) بين اللغات مصدر سيميائي للمعلومات، بينما تستبدل الدبلجة (على سبيل المثال) قناة موجودة.

وضمن ترجمة المواد المرئية بين اللغات، عادة ما تقدم الترجمة ثنائية اللغة، كما تمارس في فنلندا وإسرائيل مثلا، في دور السينما، ولكن ليس في التلفزيون. وتستخدم الترجمة الفورية أو المرئية، من نص برمجي أو مجموعة أخرى من الترجمات المصاحبة المتوفرة بالفعل بلغة أجنبية (لغة محورية)، خلال بعض المهرجانات السينمائية وفي أرشيفات الأفلام (cinematheques).

لا يمكن تخفيض الدبلجة، أو تعديل نص للشخصيات على الكاميرا، إلى تزامن شفهي. قد يكون أيضا متزامن زمنيا أو متساوي (يجب أن يتطابق طول الكلام المدبلج مع طول الكلام الأصلي). ليس كل المشاهدين لديهم نفس درجة من التسامح تجاه عدم الاتساق البصري الشفهي وعدم اتساق الصوت مع الإيماء وتعابير الوجه. وحيث تهيمن ترجمة المواد المرئية ، نجد والدبلجة في الأفلام والبرامج التلفزيونية للأطفال والرسوم المتحركة والأفلام المتحركة الحاسوبية الروائية المتحركة.

وتكون الدبلجة في بعض الأحيان داخل اللغة أيضا. على سبيل المثال، دبلجة أفلام هاري بوتر في الولايات المتحدة الأمريكية، أو دبلجة أو ترجمة الأفلام التي نفذت باللهجات الإيطالية (من باليرمو أو باري) إلى الإيطالية القياسية. ويمكن أيضا أن تحدث الدبلجة داخل اللغة بعد تصوير المشاهد، وفي هذه الحالة، يكون من الأنسب الحديث عن المزامنة البعدية، أي استبدال الحوار، الذي يتطابق تماما مع الحوار “المستبدل” المسجل في بيئة صاخبة، ويضمن جودة صوتية أفضل، وهنا لا يوجد نقل للغة ولا تغيير للرموز.

التعليق الحر هو أحد أقدم أشكال إعادة الصوت (revoicing). ومن الواضح أن التكييف لجمهور جديد، مع الإضافة والحذف، والإيضاحات والتعليقات. تتم المزامنة مع الصور على الشاشة بدلا من مع الصوت. ويُستخدم هذا لبرامج الأطفال، والأفلام الوثائقية وأشرطة الفيديو التجارية.

وتأخذ الترجمة عدة أشكال على الشاشة. ويمكن أن تكون متتالية (عادة ما تكون مسجلة مسبقا)، في وقت واحد (يتم خفض الصوت الأصلي إلى مستوى سماعي منخفض بعد بضع ثوان)، أو باستخدام لغة الإشارة. وتكمن العناصر الهامة في الترجمة الإعلامية في جودة الصوت والقدرة على الاستمرار في الحديث. ويمكن التمييز بشكل كبير بين الترجمة في حدث تواصلي في استوديو تلفزيوني، مع حضور جمهور أو بدونه (المقابلات والبرامج الحوارية)، والترجمة لبث أحداث تقع في مكان بعيد (الخطب السياسية، المؤتمرات الصحفية، حفلات الزفاف الملكية، الجنازات، الخ). الضغط النفسي، وخاصة عند العمل في وضع ثنائي الاتجاه، وساعات العمل غير العادية، والتعيين في مهلة قصيرة (على سبيل المثال لتغطية حية للكوارث وحالات الأزمات المفاجئة) تعتبر نموذجية في الترجمة الإعلامية.

ويُستخدم الصوت الفوقي أو “نصف الدبلجة” عندما يتم ترجمة فيلم وثائقي، مقابلة أو فيلم يبث تقريبا في بالتزامن من قبل صحفي أو ممثل يمكنه نصف دبلجة عدة شخصيات، حيث يتم فرض الصوت الهدف على فوق صوت المصدر، والذي يكون بدوره غير مسموع تقريبا أو غير مفهوم.

ويتمثل النوع الآخر من الترجمة (Surtitling) في وضع ترجمة المادة الاعلامية فوق المسرح أو منصة الأوبرا، أو خلف المقاعد، حيث تُعرض بدون توقف طوال فترة الأداء. لا يتم اصدار ملف هذا النوع من الترجمة تلقائيا لأن الممثلين والمغنين لا يؤدون مرتين بنفس الطريقة، أو بنفس المعدل. تظهر الترجمات المسرحية عندما يقوم المترجم، وهو أيضا أحد أفراد الجمهور، بإدراجها أثناء العرض.

وخلاصة القول تكمن في أن أنواع الترجمة السمعية البصرية المختلفة لا تُترجم بنفس الطريقة، وباستخدام نفس الرموز. ويؤكد البعض على البعد الشفوي (الدبلجة، والترجمة الفورية، والتعليق الصوتي والتعليق الحر)؛ والبعض الآخر يتحول من الشفوي إلى المكتوب (بين اللغات، وداخل اللغة، والترجمة الإعلامية المباشرة والترجمة المسرحية)، أو من المكتوب إلى المكتوب (ترجمة السيناريو)، أو من الصور إلى الشفوي (الوصف الصوتي)، أو من المكتوب إلى الشفوي (الترجمة البصرية، الترجمة الإعلامية السمعية). وهذا يثير سؤال مثير للاهتمام حول ما إذا كنا نستطيع أن نقول أن أنواع معينة من الترجمة السمعية البصرية تعتبر  أساليب ترجمة لجعل الأجنبي محلي أكثر من غيرها. ومن الصحيح القول أن الدبلجة والتعليق الحر وحتى الترجمة الفورية والوصف الصوتي يسمحان بالتلاعب بالمواد اللغوية من أجل إرضاء التوقعات والأفضليات المهيمنة، وأحيانا فرض الرقابة على الحوارات أو تغيير أجزاء من الحبكة لتتوافق مع محركات الثقافة الهدف الأيديولوجية والقواعد الجمالية . ويلقي تاريخ الترجمة السمعية البصرية الضوء على استخدام تلك الأنواع من الترجمة السمعية البصرية كأدوات للحماية اللغوية وصفاء اللغة، تنتهك المبادئ الأخلاقية إلى حد ما عن طريق محو آثار الآخر، بما في ذلك صوته و / أو خطابه. ومع ذلك، فإن الدور القوي للترجمة السمعية البصرية لا يقوم فقط على مثل هذا الاستيعاب أو التبعية؛ فهو يعمل، بطريقته، على حل مشكلة التوزيع الدولي، وفتح الثقافات على بعضها البعض، وإتاحة إمكانية تداول الأداء والمنتجات السمعية البصرية على نطاق واسع. ولكن هذا ينطوي على مواجهة تحديات محددة.

 

 

التحديات الصعبة

سيتم تناول ثلاثة جوانب في هذا القسم، وهي الممارسة المهنية والتقنية والتدريب.

 

الممارسة المهنية

لا ينطبق تطبيق الترجمة السمعية البصرية على المنتجات الخيالية فحسب، بل ينطبق أيضا على المنتجات غير الخيالية ككل أنواع الأفلام الوثائقية (التاريخ، والعلوم، والطبيعة، وعلم الآثار، وما إلى ذلك)، والأوضاع الحالية، والصحافة الاستقصائية، والدراما التوثيقية، والعروض الواقعية، والبرامج الحوارية، والأحداث الرياضية، الخ. وبالإضافة إلى ذلك، لدينا المواد الترويجية، والإعلانات، وأشرطة الفيديو والمواقع الإلكترونية للشركات، وما إلى ذلك.

ومهما كانت طبيعة المنتج المُراد ترجمته، فإن ظروف العمل وقيوده تعتبر ذات أهمية قصوى للحصول على الجودة. يجب أن نلاحظ أولا وقبل كل شيء أن ترجمة مجموعة واسعة من المنتجات السمعية البصرية، هي في كثير من الأماكن، تتم بالاستعانة بمصادر خارجية لإحدى شركات الترجمة السمعية البصرية التي عادة ما تقوم بالعمل مع مترجم مستقل، يتم اختياره وفقا لمعايير معينة (أو لا) من خلال فحص أو اختبار(أو لا ). ويعطى المترجم (أو لا) سيناريو، قائمة الحوار، شريط أو بدلا من ذلك يقوم بتنزيل المواد من الإنترنت. وغالبا ما يكون الموعد النهائي قريب جدا.

يختلف التعاون مع المفوض (سواء كان وكالة محلية أو متعددة الجنسيات، أو شركة بث تلفزيوني عامة، أو رجل أعمال، أو منظمة غير حكومية، أو جمعية، أو منظمة مهرجان، إلخ)، أو مع مهندس الصوت والممثلين (للدبلجة)، أو الصحفيين، أو مع خبراء المجال اختلافا واسعا. كما إن أعراف وتفضيلات العمل، وتوقعات الجودة، وطرق الدفع، والأدوات التقنية، ووضع ومسؤولية المترجم كلها عوامل تحدد هذا التعاون.

العمل مباشرة من الشاشة، مع السيناريو فقط، أو العمل من النص دون الصورة وضعين مختلفين للعمل. ومع ذلك، فإن الصعوبات في كلتا الحالتين متشابهة تماما، على الرغم من الثقل المتباين إذا كان المرء يترجم فيلم أو فيلم وثائقي أو مقابلة لأن ذلك سيتضمن إعادة صياغة اللغة، واللهجات الصعبة، واللغة العامية، وترجمة أسماء العلم، والمصطلحات، وتزامن الصورة مع النص، ولهجة الممثل ، وأخطاء المتكلم، وأسلوب الراوي، طريقة القاء الخطاب، وعملية التوثيق، وما إلى ذلك. بالطبع، العمل حصرا من السيناريو، أي غياب الإشارة البصرية، يعني ضرورة حل أنواع مختلفة من الغموض. ونادرا ما تتم ممارسة المراجعة  والتدقيق.

وتتمثل إحدى المشاكل الرئيسية في الحياة المهنية في حقوق المترجمين، على سبيل المثال عندما يعاد استخدام عملهم في شكل دعم آخر، على سبيل المثال، من السينما! التلفزيون ! أقراص الفيديو الرقمية! أو يتم بثه أو إصداره في مناسبة أخرى. لقد أصبحت هذه الحقوق في حالة مضطربة الآن بعد أن غيرت التقنية الرقمية الوضع بسرعة كبيرة، ولا تزال الحرية التنظيمية الاقتصادية والقانونية تسيطر على الأعمال التجارية. يخضع سوق الترجمة السمعية البصرية لمنافسة شرسة، حيث تم تحفيض الرسوم بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية. وكان من أوائل المترجمين أف لرفع هذه القضية هو M. وقد كان كروستاد (Krogstad, 1998) من أوائل المهنيين في الترجمة السمعية البصرية، حيث أنشأ بعد ذلك أول الجمعيات المخصصة للمترجمين في المجال السمعي البصري في بلده (النرويج).

 

أثر التقنية

ماذا عن تأثير التقنية؟ سننظر في خمسة جوانب مترابطة هنا. أولها أن التقنية الرقمية قد غيرت وتغير الإنتاج السمعي البصري (كتابة السيناريو، وإنتاج الأصوات، والصور، والأزياء، وكذلك المؤثرات الخاصة، والتصوير، والتحرير، إلخ)، والتوزيع والعرض. وهذا التطور سيكون له عواقب على هندسة المسارح السينمائية، وأنواع الأماكن التي يُشاهد فيها المرء الأفلام، وجودة الأعمال، والقرصنة، وأرشفة الأفلام وترميمها، وحتى على الاستثمارات والتسويق وكذلك أسلوب وجمال المنتجات السمعية البصرية. وقد تغيرت العلاقات بين المنتجين والموزعين والعاملين والمذيعين وأصحاب الإذاعات والسلطات العامة تغيرا جذريا في السنوات العشرين الماضية. ولازال الدور الدقيق للغات والترجمة في تحديد استراتيجيات جميع أصحاب المصلحة هذا غير واضح، وليس من المؤكد على الإطلاق أن مستقبل وسائل الإعلام العالمية يكمن في استخدام لغة مشتركة.

وثانيا، فإن التقنيات الجديدة (الفيديو المتدفق، والفيديو والتلفزيون حسب الطلب، والتدوين الصوتي (podcasting)[3] والمسجلات المحمولة كالهاتف المحمول والفيديو المحمول) قد عدلت معنى البث وفكرة الجمهور المعتادة. وبدأت تظهر متطلبات واحتياجات جديدة، مثل الأشكال الجديدة، كالأفلام القصيرة جدا، مثل السلاسل المصنوعة للهواتف المحمولة لمدة دقيقة أو دقيقتين (mobisodes). تركز هذه الأشكال الجديدة بشكل كبير على دور اللقطات المقربة والمسارات الصوتية، وبالتالي أهمية أكثر للدبلجة. وهنا تحدث عمليتان مختلفتان تماما. فمن ناحية، توفر التقنية مجموعة أفضل وأكثر تنوعا من الخدمات والبرامج. ويشير تنوع القنوات التلفزيونية، من خلال الكابلات والأقمار الصناعية وعبر التتابع والربط الشبكي (التلفزيون المدفوع، والتلفزيون عبر الحدود والتلفزيون المحلي، وقنوات التلفزيون المتخصصة في التاريخ، والرياضة، والمالية، والجغرافيا، والرسوم المتحركة، وما إلى ذلك) إلى نهاية نموذج مركزية وسائل الإعلام (الإعلام الجماهيري)، من البث الواسع إلى البث الضيق، حيث ينتقل عدد أكبر من المشاهدين ذوي الخلفيات التعليمية واللغوية المتنوعة من القنوات غير المتخصصة إلى القنوات المتخصصة بسبب تنوع توقعاتهم واحتياجاتهم المختلفة. ومن ناحية أخرى، فقد أصبح الجمهور عالميا في العالم المترابط عالميا، حيث أن وجود فيديو على يوتيوب أو فيلم على الإنترنت يعني توفره للجميع. ويبدو من غير المنطقي الانتظار لأكثر من بضعة أيام لمشاهدة شيء يجري بالفعل مشاهدته في أجزاء أخرى من العالم. ونتيجة لذلك، فإن هيئات البث التلفزيوني وموزعي الأفلام يقللون من فارق الوقت في البث لتجنب انخفاض عدد الجمهور المحتمل بسب أن عددا من المعجبين ينزلون، على سبيل المثال، المسلسل التلفزيوني أو يبحثون عن الترجمة بلغتهم. فالترجمة تلائم السرعة أكثر فأكثر!

وثالثا، بفضل التقنية، ظهرت مجتمعات الإنترنت التي تهدف لإنشاء ترجمات (اسبانية وإيطالية وفنلندية وغيرها) للمنتجات السمعية البصرية (كالأفلام) الأمريكية لكي يتمكنوا الوصول الفوري إلى الحلقات الجديدة من المسلسلات المشهورة أو الأفلام الجديدة. ويمكن تمييز نوعين من هذه الجماعات:

  • جمهور المترجمين المشجعين (Fansubbers) الذي يترجم منتجات الرسوم المتحركة اليابانية المختلفة للمشاهدين غير اليابانيين (O’Hagan, 2006). وقد وجد هؤلاء المشجعين منذ أواخر الثمانينيات، على الرغم من وضعهم القانوني المشكوك فيه. فهم عادة ما يستمرون إلى ما بعد أحد المنتجات، حيث يحسنون مهاراتهم في الترجمة، ويكتسبون الخبرة من منظور غير هادف للربح. تحتوي العديد من منتجاتهم على رسالة تحذيرية تطالب المشاهدين بتدميرها بمجرد توفر النسخة الرسمية.
  • يرغب الهواة (Amateurs) القادرين على ترجمة المواد المرئية في جعل منتجات الأفلام الحديثة في متناول مدارك الجمهور، حيث يجعلونها في متناول المشاهدين المحليين الذين يمكنهم مشاهدة الأفلام المنسوخة بطريقة غیر قانونية بلغة غیر الإنجليزية. وهم قد يقومون بالترجمة مرة واحدة ويختفون. وتتوقف جودة عملهم على مدى فهمهم للأصل[4]، وعلى مدى معرفتهم ببرامج الحاسوب المجانية أو البرنامج التجريبية من أجل إنشاء ترجمات وفرضها فوقيا على الفيلم. لا يوجد في مثل هذه الترجمة حد صارم لعدد السطور في الترجمة المرئية، أو للأحرف في كل سطر، كما إن حجم الخط قد يكون كبيرا. يميل الهواة إلى أن يكونوا أقرب إلى الأصلي، بكلمات أكثر، وبالترجمة كلمة بكلمة، مما يجعل وقت القراءة أقصر، ويخرق المعايير والاعراف المطبقة في الترجمة المهنية للمواد المرئية. من السهل نسبيا العثور على الملفات النصية بترجمات الهواة للعديد من الإصدارات السينمائية الأخيرة على شبكة الإنترنت. ويبقى السؤال ما إذا كانت الأفلام المتاحة على الإنترنت يمكن أن تتنافس ضد الشاشة الكبيرة وأقراص الفيديو الرقمية. وبعبارة أخرى، هل تشكل تهديدا لمترجمين المواد المرئية المحترفين.

تستخدم ترجمة ودبلجة المشجعين والهواة طرق الترجمة التي تتحدى ليس فقط كيفية تفكيرنا في ترجمة المواد المرئية، ولكن أيضا عملية الترجمة السمعية البصرية نفسها، المُعرّفة بأنها خسارة مع تدخل قليل جدا من قبل المترجم. وهم جزء من مجتمعات الناشطين غير المترجمين (fantrad) الذين يعملون في الشبكات ويستغلون ذكائهم الجماعي (التعهيد الجماعي)، بدون اعتبار لبعض التبعات القانونية. ويمكن للمنصات التقنية الجديدة، والبرمجيات المفتوحة المصدر، أن تؤثر تأثيرا هائلا على الترجمة (ليس فقط في مجال الترجمة السمعية البصرية)، وعلى الأخلاقيات والقواعد المهنية، وعلى التدريب الرسمي للمترجمين في المستقبل.

الجانب الرابع من التقنية الرقمية هو ظهور أشكال معينة من الترجمة السمعية البصرية، مثل الوصف الصوتي، والترجمة المسرحية، والترجمة الحية وترجمة الصوت (انظر ‘أنواع الترجمة السمعية البصرية، أعلاه).

وأخيرا، فإن الجانب الأخير الجدير بالذكر هو أن التشغيل الآلي قد غيّر عملية العمل. وبالعمل مع البرمجيات الرقمية لترجمة المواد المرئية، أصبح من الممكن الآن الصف المسبق، والترجمة حاشية بحاشية، والعرض المتزامن لملف الفيديو. لقد أصبح الصف أسهل وأكثر فعالية. والخطوة التالية هي زيادة الرقمنة (digitization).

وفيما يتعلق بالدوبلاج، فإن الرقمنة من شأنها تحسين جودة الصوت والسماح بتحليل وإعادة تركيب صوت الممثل. اليوم، يمكن لبعض البرامج استنساخ الأصوات الأصلية، حتى يتم جعل الصوت المدبلج مشابه لصوت الممثل الأصلي، بغض النظر عن لغة المصدر. وهذا يثير قضية هامة وجديدة، وهي حقوق الصوت.

وبمجموعة من البرمجيات، يمكن للمرء أن يجعل انتاج ترجمات المواد المرئية بين اللغات آلية. فباستخدام برنامج للتعرف على الصوت للحصول يمكننا الحصول على نسخة مكتوبة، وباستخدام برنامج آخر للضغط التلقائي يمكننا توليد الكلام المكثف، وأخيرا نستخدم برنامج ذاكرة ترجمة أو نظام ترجمة آلية إحصائية لإنتاج ترجمات المواد المرئية. وبالتالي، من السهل النظر في التكلفة والإنتاجية من منظور آخر، ورؤية المراجعة والتحرير بطريقة أخرى.

ويجب طرح سؤالين هنا. هل يكمن مستقبل الترجمة بين جعلها آلية بشكل كامل (أو شبه كامل)، والهواة الذين ينقلون الكلمات من خلال أدوات إلكترونية مختلفة مع حرية الوصول؟ أين يقع الرضا الوظيفي إذا كان العمل هو مجرد استبدال الكلمات ميكانيكيا، في نهج أكثر حرفية (كلمة بكلمة) للترجمة؟

 

التدريب

المسألة الصعبة الأخيرة هي التدريب. وعلينا أن نعترف بأن صورة المترجم تتغير بسرعة كبيرة. ما هي كفاءات مترجم المواد السمعية البصرية؟ بالإضافة إلى المهارات الأساسية لأي مترجم (مهارات الترجمة، والكفاءة في استخراج المعلومات، والقدرة على العمل تحت الضغط، والمهارات اللغوية، وما إلى ذلك)، يمكننا أن نذكر:

  • القدرة على تحليل احتياجات الجمهور المقصود، لمطابقة اللفظي مع البصري.
  • القدرة على الالتزام بالمواعيد النهائية، والالتزامات، والتعاون بين الأشخاص، وتنظيم الفريق.
  • القدرة على التعبير عن النفس بإيجاز وببلاغة، والكتابة بإيقاعية (فلكي يوفر المرء ترجمة سمعية بصرية دقيقة يجب عليه أن يفهم إيقاع خطاب الممثل، وإيقاع الصور كما حددتها تغييرات التصوير، وإيقاع قراءة الجمهور).
  • القدرة على التكيف مع الأدوات الجديدة والتعرف عليها.
  • القدرة على التقييم الذاتي من أجل مراجعة وتقييم جودة المخرجات.

وسيكون من المناسب فتح تدريب مترجمين الترجمة السمعية البصرية في اتجاه تدريب الصحفيين. كلا المهنتين تعمل على الأشكال الشفوية والمكتوبة، ولها مسؤولية اجتماعية وثقافية تتجاوز الإنتاج الفوري للنصوص، ووضع استراتيجيات للبحوث الوثائقية والمصطلحات، والحاجة إلى العمل مع الآخرين، ويجب أن يكون لديهم قدرة قوية لاتخاذ القرارات السريعة. إن معرفة كيف تعرف أكثر أهمية من تجميع المعرفة. وعلى أي حال، يطلب من الصحفيين بشكل متكرر أن يترجموا نظريا (معظمهم من اللغة الإنجليزية) ويلخصوا، في حين أن مترجمي المواد السمعية البصرية بحاجة إلى كتابة المسودات، وإعادة صياغة، وإعادة الهيكلة، والتكثيف والتحرير السريع ضمن حدود زمانية ومكانية.

إن ما تمت  مناقشته علاه حول المترجمين غير المهنيين يزيد من التحديات. لقد أصبح التدريب أكثر تعقيدا بسبب التقدم التقني الذي أدى إلى أنواع جديدة من المحتوى وإلى أدوات جديدة لتسهيل عملية الترجمة. وفي هذا الصدد، فإن ترجمة المعجبين تشكل بيئة محتملة للتعليم الفعال جدا.

 

 

آثار الترجمة السمعية البصرية على دراسات الترجمة

ينبغي مراجعة بعض مفاهيم دراسات الترجمة، وتوسيعها وإعادة النظر فيها عند تطبيقها على الترجمة السمعية البصرية. فمثلا:

  • مفهوم النص: ‘نصوص الشاشة’ قصيرة الأجل ومتعددة الوسائط؛ ويستند تماسكها على التفاعل بين الصور والصوت (انظر قسم “كائن بحثي معقد”، أعلاه). لقد أصبح المفهوم غامض، فمن النص التقليدي كالترتيب الخطي للجمل، أو كتسلسل الوحدات اللفظية إلى النص التشعبي على الإنترنت (بالارتباطات التشعبية)، إن لم يكن غائم ومشوش. هل يشير مترجمي الأدب، ومترجمي المواد المرئية، ومترجمي المؤتمرات والمعربين أو الموطّنين (localizers) إلى نفس مفهوم “النص”؟
  • مفهوم التأليف: غالبا ما ينظر إلى المؤلف في الدراسات الأدبية ودراسات الترجمة على أنه فرد واحد. ولا يمكن التغاضي عن القضية في الترجمة السمعية البصرية ، لأن عددا من الجماعات أو المؤسسات جزء من العملية (كاتب السيناريو والمنتج والمدير والممثلين ومهندسي الصوت، والمصور، والمحررين، الخ).
  • مفهوم المعنى: لا يتم في الترجمة السمعية البصرية انتاج المعنى في تسلسل خطي ولا بنظام رموز واحد. وعلاوة على ذلك، هناك تفاعل ليس فقط بين مختلف العوامل المشاركة في إنشاء المنتج السمعي البصري، ولكن أيضا بينهم والمشاهدين، وحتى بين منتوجات سمعية بصرية مختلفة (المراجع البصرية، التلميحات). يتضرر في الترجمة السمعية البصرية التنظيم في تسلسل هرمي بين النسخة الأصلية والترجمة، بين الإنتاج وإعادة الانتاج، بين البث الأولي وإعادة البث، مع العلم، على سبيل المثال، أنه يمكن تحرير فيلم لأغراض مختلفة وبطرق مختلفة للتلفزيون، للعرض المرئي الرقمي (DVD)، لرحلة جوية أو جماهير محددة (العرض الصحيح سياسيا، والإصدارات، وتهذيب الكلمات البذيئة، وما إلى ذلك). إن عولمة صناعة السينما لا يعني بالضرورة توحيد المعاني والروايات وتعليقات العامة.
  • مفهوم الترجمة: يسلط مفهوم الترجمة نفسه الضوء على عدم وجود توافق في الآراء، وهو متداخل كمفهوم التكييف، والتلاعب، والنقل وإعادة الاصدار. وقد رأينا أعلاه أن الترجمة تشمل التغييرات في الرموز واللغات.
  • مفهوم وحدة الترجمة: تنطوي قضايا النص والتأليف والمعنى على أسئلة تتعلق بوحدة الترجمة في الترجمة السمعية البصرية.
  • مفهوم وأنواع استراتيجيات الترجمة: تختلف الاستراتيجيات على المستويين الكلي والجزئي، وفيما يتعلق بالمؤثرات الاجتماعية والسياسية والثقافية للترجمة السمعية البصرية.
  • الروابط بين قواعد الترجمة والقيود التقنية: يقوم الهواة (انظر ‘أثر التقنية’، أعلاه) بإدخال اختلافات طوبوغرافية، وإضافة المسارد أو التعليقات، أو يقومون بتغيير موضع السطور، وما إلى ذلك. فإلى أي مدى تتضمن التقنية بعض الأعراف الجديدة؟
  • وتعتبر العلاقات بين المكتوب والشفوي (Gambier and Lautenbacher, 2010)، وبين القواعد المكتوبة، وبين الكلام العادي والدوبلاج قضية أخرى ذات صلة. فعلى سبيل المثال، ما هي مسؤولية مترجم المواد السمعية البصرية ودوره الاجتماعي اللغوي؟
  • إمكانية الوصول هي كلمة رئيسية في الترجمة السمعية البصرية، ليس فقط باعتبارها قضية قانونية وتقنية ولكن كفكرة تهز الطريقة المهيمنة لتقييم جودة الترجمة، والهدف من ذلك هو تحسين سهولة استخدام الترجمة السمعية البصرية، والبرمجيات، ومواقع الويب، وغيرها من التطبيقات. وهي تغطي مجموعة متنوعة من السمات التي تشمل ما يلي:
  • المقبولية، المتعلقة بمعيار اللغة، واختيار الأسلوبية، والأنماط البلاغية، والمصطلحات.
  • الوضوح، والذي يعرّف (للترجمة السمعية البصرية) من حيث الخط، وموضع الترجمات، ومعدل الترجمة.
  • سهولة القراءة، التي تعرّف أيضا من حيث معدلات القراءة، وعادات القراءة، وتعقيد النص، والحمل الدلالي، وتغييرات المشاهد ومعدلات الكلام، وما إلى ذلك.
  • التزامن، ويتم تعريفه (للدبلجة، والصوت الفوقي، والتعليق الحر) بملائمة الكلام لحركات الشفاه، وبنسبة الكلام للعناصر غير اللفظية، وبنسبة ما يقال لما يتم عرضه (صور)، الخ.
  • الملائمة، من حيث ما هي المعلومات التي سيتم نقلها، حذفها، أضافتها، أو توضيحها من أجل عدم زيادة الجهد الإدراكي الذي تتطلبه عملية الاستماع أو القراءة.

وبالتالي يمكن للترجمة السمعية البصرية أن تسبب في اضطراب دراسات الترجمة. يمكن لدراسات الترجمة بدورها أن تساعد في تطوير بحوث الترجمة السمعية البصرية  بشكل أكثر اكتمالا في المستقبل. وعلى الرغم من أن العلماء قد أنتجوا ثروة من المواد في العقدين الماضيين، فهم يميلون لتقييد أنفسهم بمجموعة صغيرة من القضايا، مع درجة معينة من الإملائية (prescriptivism). حتى لو كان التخصص التعددي يميز بشكل متزايد البحث في الترجمة السمعية البصرية اليوم، بطرق ومفاهيم مستعارة من الدراسات الأدبية وعلم الاجتماع وعلم النفس التجريبي والدراسات السينمائية ودراسات الاستقبال والتاريخ والتعليم، فإن الأطر التي تنفذ بها الكثير من تحليلات الترجمة السمعية البصرية لازالت من علم اللغة أساسا، بما في ذلك البراجماتية، وتحليل الخطاب وعلم اللغة المعرفي، كما لو كان المكون اللفظي للترجمة السمعية البصرية كافيا لوصفها وفهمها كعملية ومنتج، بتأثيره الاجتماعي والأيديولوجي. صحيح أن البحث يتجه تدريجيا بعيدا عن دراسات الحالة والقضايا المحددة ونحو المناهج القائمة على أساس قواعد البيانات اللغوية والتنظير المنهجي[5]. وبصورة أعم، فإن الرقمنة والوصول إلى الإنترنت ييسران البحث عن طريق زيادة توافر المنتجات السمعية البصرية ومكوناتها (مثل النصوص) وزيادة انتشار البرامج السمعية البصرية وبرامج ترجمتها في مجال التدريب والإنتاج والتحليل والنشر. ومع ذلك، فالمساهمات تركز حاليا على:

  • بعض المشاكل: كيف يمكن أو يجب ترجمة الفكاهة، والكلمات البذيئة، وتعبيرات المخاطبة، والتهذيب، وعلامات الخطاب، وسجل اللغة، والمواد الثقافية.
  • بعض القيود: ما هي خصوصية النصوص السمعية البصرية وفقا لوضعها (شفهية، مكتوبة، أيقونية، مختلطة)؟ ما هي الأنواع المختلفة؟ ومع ذلك، فالنسخ والتحليل ضد التعقيد السيميائي لمثل هذه النصوص السمعية البصرية، ومعناها مكون من اقتران الصور والأصوات والكلمات.
  • بعض الآثار: ما الذي تفترضه قراءة أو مشاهدة مستويات وأنواع جديدة من النص للثقافة الهدف؟ هذا النوع من البحوث تتقاسمه الدراسات ذات المنظور التاريخي (القضايا السياسية، أسباب الرقابة).

أما بالنسبة للبحوث التي تستند بشكل خاص إلى دراسات الترجمة، والبحث عن ما هو على المحك في الترجمة السمعية البصرية، فلدينا الأعمال المستوحاة من نظرية النظام التعددي (polysystem theory)، والمناهج الوظيفية والدراسات الوصفية (ما هي معايير الترجمة السمعية البصرية ؟ وما هي الاستراتيجيات عندما يواجه المترجم بعض العلامات السيميائية أو بعض السمات اللغوية؟). وبالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نذكر النماذج والتحليلات من منظور تعليمي، فهي عادة ما تكون محاولة لوصف النصوص السمعية البصرية من وجهة نظر مهنية أكثر من الجوانب التقنية، ومن الأطر الأيديولوجية والثقافية (أي السياسات)، وكلها جوانب تحدد ظروف فعل الترجمة. كما إن الدراسات التعليمية تكون في كثير من الأحيان فرصة لتحديد الكفاءات أيضا.

وعموما، ما زالت البحوث مجزأة، براسات مجزأة أساسا حول الترجمة السمعية البصرية بين اللغات وداخلها، ودراسات أخرى معزولة عن وسائط الترجمة السمعية البصرية. ولا يزال هناك طريق طويل يتعين علينا قطعه لتكوين حقل بحثي متماسك يجمع بين جميع الرموز السيميائية، بما في ذلك تأثير تلك الرموز على الرموز اللغوية. إن ما نحن في حاجة إليه أيضا هو المزيد من الدراسات التجريبية حول على عادات المشاهد في المعالجة، واستراتيجيات القراءة وأنماط الاستقبال، التي تميز بين ثلاثة أنواع من الاستقبال ، على الأقل بالنسبة للأنواع المكتوبة من الترجمة السمعية البصرية: الاستجابة، أو فك الرموز الإدراكي الحسي (lisibility)، الذي بحث فيه حتى الآن عدد قليل من علماء النفس التجريبيين في الثمانينات والتسعينات؛ ورد الفعل، أو القضايا النفسية المعرفية (أمكانية القراءة). والآثار المترتبة، أو مسألة مواقف المشاهدين (تفضيلات المشاهدين وعاداتهم فيما يتعلق بأسلوب الترجمة السمعية البصرية ؟)؛ والبعد الاجتماعي الثقافي للسياق غير التلفزيوني الذي يؤثر على عملية الاستقبال. وتتاح الآن طرق مختلفة لمثل هذه الدراسات، على سبيل المثال، تسجيل ضربات لوحة المفاتيح وتتبع العين (Gambier, 2003: 184–7, 2008: 29–30).

ويتطلب الانتشار المتزايد للنصوص على الشاشة في الحياة اليومية والتجزؤ المستمر للجماهير فهم احتياجات المشاهدين على نحو أفضل، وتحديد أولويات الترابط في الفضاء الزمني وأولويات الوساطة لمترجمي المواد السمعية البصرية.

 

 

الخلاصة

يتطور حقل الترجمة السمعية البصرية الفرعي بسرعة في دراسات الترجمة، على الأقل من حيث عدد الدراسات والمقالات والمؤتمرات. ويمكن وصف الترجمة السمعية البصرية بالآتي:

  • تركيبها السيميائي، مع تكرار أكثر أو أقل بين الأنظمة المختلفة للرموز.
  • فهم الجمهور وإدراكه – مما يجعل من الصعب تغيير الشكل المهيمن للترجمة السمعية البصرية ، على سبيل المثال، الانتقال من الصوت الفوقي إلى ترجمة المواد السمعية البصرية (فالناس يحبذون ما تعودوا عليه).
  • المهمة المهنية.
  • كفاءة الترجمة.

ومع ذلك، يمكن الجمع بين حقول فرعية أخرى، مثل توطين البرامج والمواقع وألعاب الفيديو. فهي لديها، على الأقل، أربعة ميزات مشتركة. أولا، كلا النوعين من الترجمة هما نتائج عمل فريق. ثانيا، العمل على النصوص المتقلبة والمتوسطة (نص الإنتاج، قائمة الحوار، وثائق على الإنترنت قيد التقدم، والبرمجيات قيد الإنشاء، والنصوص التي يتم تحديثها بانتظام)، وهذا يتجاوز التقسيم التقليدي الثنائي بين النص المصدر والنص الهدف، ويتطلب التشكيك في فكرة الأصلي. وثالثا، فإن معايير الجودة لا تقتصر على المقبولية، بل ينبغي أيضا أن تأخذ في الحسبان سهولة الاستيعاب وإمكانية الوصول وإمكانية الاستخدام. ثم إن كل هذه الميزات الثلاثة لها آثار على التدريب، وتطمس بشكل أكبر وأكبر الفجوة بين الأوساط الأكاديمية والحياة العملية، وبين الأشكال المكتوبة والشفوية، وبين الرموز اللغوي والرموز السيميائية الأخرى. هذا التقارب قد يغير عاجلا أو آجلا كل من اسم وموقف الترجمة السمعية البصرية.

 

المراجع

Barnier, M. (2004) Des films français made in Hollywood. Les versions multiples 1929–1935, Paris: L’Harmattan.

Bell, A. (1984) ‘Language Style as Audience Design’, Language in Society 13: 145–204.

Cattrysse, P. and Gambier, Y. (2008) ‘Screenwriting and Translation Screenplays’, in J. Díaz Cintas (ed.) The Didactics of Audiovisual Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins., 39–55.

Chaume, F. (2004) ‘Film Studies and Translation Studies. Two disciplines at Stake in Audiovisual Translation’, Meta 49(1): 12–24.

Chiaro, D., Heiss, C. and Bucaria, C. (eds) (2008) Between Text and Image: Updated Research in Screen Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins.

Cronin, M. (2008) Translation Goes to Movies, London: Routledge.

Danan, M. (1994) ‘From Nationalism to Globalisation: France’s Challenges to Hollywood Hegemony’, unpublished PhD, Michigan Technological University.

Díaz Cintas, J. (ed.) (2008) The Didactics of Audiovisual Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins.

Díaz Cintas, J. and Anderman, G. (eds) (2009) Audiovisual Translation. Language Transfer on Screen, London: Palgrave Macmillan.

Egoyan, A. and Balfour, I. (eds) (2004) Subtitles. On the Foreignness of Film, Toronto: AlphabetCity Media and MIT Press, MA.

Franco, E., Matamala, A. and Orero, P. (2010) Voice Over Translation: An Overview, Bern: Peter Lang.

Gambier, Y. (ed.) (2003) ‘Screen Translation’, The Translator 9(3), November 2009 (special issue).

——(2004) ‘Traduction audiovisuelle’, Meta 49(1), April (special issue).

——(2008) ‘Recent Developments and Challenges in Audiovisual Research’, in Delia Chiara, Christine Heiss and Chiara Bucaria (eds) Between Text and Image. Updating Research in Screen Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins, 11–33.

Gambier, Y. and Lautenbacher, O.P. (eds) (2010) ‘Ecrit et oralité en traduction’, Glottopol 15, July. Available at: www.univ-rouen.fr/dyalang/glottopol/numero15.html.

Hatim, B. and Mason, I. (1997) ‘Politeness in Screen Translation’, in B. Hatim and I. Mason, The Translator as a Communicator, London: Routledge, 78–96.

Higson, A. and Maltby, R. (eds) (1999) ‘Film Europe’ and ‘Film America’: Cinema, Commerce and Cultural Exchange 1920–1939, Exeter: University of Exeter Press.

Krogstad, M. (1998) ‘Subtitling for Cinema and Video/Television’, in Y. Gambier (ed.) Translating for the Media, Turku: Turun Yliopisto, 57–64.

Maltby, R. and Stokes, M. (eds) (2004) Hollywood Abroad. Audiences and Cultural Exchange, London: British Film Institute.

Mason, I. (1989) ‘Speaker Meaning and Reader Meaning: Reserving Coherence in Screen Transla-tion’, in R. Kölmel and J. Payne (eds) Babel. The Cultural and Linguistic Barriers between Nations, Aberdeen: Aberdeen University Press.

——(2001) ‘Coherence in Subtitling: The Negotiation of Face’, in F. Chaume and R. Agost (eds) La traducción en los medios audiovisuals, Castelló: Publicacions de la Universitat Jaume I, 19–31.

Nornes, A.M. (2007) Cinema Babel: Translating Global Cinema, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.

Norwell-Smith, G. and Ricci, S. (eds) (1998) Hollywood & Europe. Economics, Culture and National Identity 1945–1995, London: British Film Institute.

O’Hagan, M. (ed.) (2006) ‘Anime, Manga and Video Games’, Perspectives 14(4) (special issue). Orero, P. (ed.) (2004) Topics in Audiovisual Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins. Perego, E. (2003) ‘Evidence of Explicitation in Subtitling: Towards a Categorisation’, Across Languages and Cultures 4(1): 63–89.

Taylor, C. (2003) ‘Multimodal Transcription in the Analysis, Translation and Subtitling of Italian Films’, The Translator 9(2): 191–205.

Vasey, R. (1997) The World According to Hollywood, 1918–1939, Madison, WI: University of Wisconsin Press.

Yves Gambier. 06 Dec 2012 ,The position of audiovisual translation studies from: The Routledge Handbook of Translation Studies Routledge.

Accessed on: 28 Sep 2017

https://www.routledgehandbooks.com/doi/10.4324/9780203102893.ch3

Zabalbeascoa, P. (2008) ‘The Nature of the Audiovisual Text and its Parameters’, in J. Díaz Cintas (ed.) The Didactics of Audiovisual Translation, Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins, 21–39.

[1] تم ترجمة هذا الجدول وتعديله من:Yves Gambier. 06 Dec 2012 ,The position of audiovisual translation studies. From: The Routledge Handbook of Translation Studies, Routledge..

[2] التليتكست، تقنية بث المعلومات عبر جهاز التلفزيون.

[3] التدوين الصوتي أو البث الصوتي أو البودكاست (بثّ جيبي) هو سلسلة وسائط متعددة صوتية أو مرئية، مثل أي ملف موجود على الشبكة، لكن ملفات البودكاست تتضمن صناعة ملفًا صغير يتم تخزينه على الإنترنت حتى تلتقطه برامج البودكاست، ثم تبث هذه الملفات عبر قناة ثابتة للبث الصوتي – المرئي تمكن الأشخاص من الاشتراك في هذه القناة وتنزيل آخر الحلقات تلقائيًّا بمجرد الاتصال بالإنترنت.

[4] قد يفتقر المترجم الهاوي إلى الكفاءة اللغوية في لغة المصدر، وقد يكون النص المصدر غير كامل، أو قد يكون جودة المسار الصوتي رديئة.

[5] للاطلاع على لمحة عامة عن التطورات في بحوث الترجمة السمعية والبصرية والمراجع، انظر Gambier, 2008.

 

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري والدكتوراه من جامعة اسيكس ببريطانيا. قام بنشر ثلاثة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *