التحرير البعدي للترجمة الآلية: هل هو مستقبل الترجمة؟

مقدمة

قطعت الترجمة الآلية شوطًا طويلاً منذ نشأتها. وهي تتطور وتصبح أكثر كفاءة ودقة مع ظهور كل جيل من البرامج. وبغض النظر عن هذا التقدم، فإنها لا تزال بعيدة عن الكمال. ولا تزال هناك حاجة إلى فهم إنساني أكثر للغة لتحقيق المعنى والحس الطبيعي للمستند أو النص. وعلى الرغم من تقدم تقنية الترجمة الآلية بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، إلا أنه ما زال من غير الممكن أن تحل محل التمُّيز الفطن للمترجم البشري. ونظرًا للتغيرات اللانهائية المتضمنة في جميع اللغات تقريبًا، لا يمكن (وربما أبدًا) للترجمات الآلية أن تكون قادرة على اكتشاف وتطبيق الترجمة الصحيحة في كل حالة. وبالتالي، للحصول على مخرجات ترجمة موثوقة للغاية عند استخدام الترجمات الآلية، سيكون التحرير البعدي ضروريًا في معظم الحالات.

ولكي نتحصل على ترجمات موثوقة ، يتم تدريب خبراء لغويون خصيصًا في التحرير البعدي للترجمات التي تم توليدها آليًا. يستفيد المحرر البعدي الخبير من خبرته في مخرجات الترجمة الآلية ليس فقط لتصحيح المخرجات ولكن أيضًا لتحسين مخرجات الترجمة الآلية المستقبلية.

وبوجود الأدوات التقنية المناسبة، ستعمل عملية التحرير البعدي على تحسين جودة مشروع الترجمة الحالي وتحسين كفاءة ودقة محرك الترجمة الآلية للمشاريع المستقبلية.

 

ما هو التحرير البعدي؟

التحرير البعدي، الذي يعمل جنبًا إلى جنب مع الترجمة الآلية، يعتبر طريقة أكثر كفاءة وفعالية للترجمة. فعندما يفشل التشغيل الآلي في توفير تجربة لغوية طبيعية، يقوم المحرر البعدي بتنعيم الحواف الخشنة وخلق منتج نهائي أفضل. هناك طريقتان للتحرير البعدي: الخفيف والكامل.

 

أنواع التحرير البعدي

يهدف التحرير البعدي إلى جعل النص مفهومًا. يأخذ المحرر البعدي مخرجات الترجمة الآلية ويغير أو يصلح أي أخطاء صارخة لجعل النص متماسكًا وصحيحًا. وهذا أقل نهج للتحرير.

أما التحرير البعدي الكامل فيصحح أي أخطاء آلية ولكنه يأخذ العملية إلى مستوى أعلى، حيث يسعى المحرر البعدي ليس فقط إلى جعل النص قابلاً للقراءة ومفهومًا ولكن جعله أيضًا ملائما من الناحية الأسلوبية. إن مستوى التدخل أعلى بكثير. وعادة ما يتم التفاوض على مدى التعديلات وجودة المنتج النهائي بين المحرر البعدي والعميل. والمتوقع هو أن المنتج النهائي لا يمكن تمييزه تقريبًا عن مستند تمت ترجمته بالكامل من قِبل مترجم بشري.

غالبًا ما تستخدم هذه الطرق فيما يتعلق بالتحرير المسبق. ففي التحرير المسبق ، يطبق المحرر قواعد اللغة ومبادئ اللغة التي يتم التحكم فيها على النص المصدر، مما يسهّل على العملية الآلية ترجمة الكلمات إلى مستند ممكن جعله في الشكل المطلوب. وبعد ذلك يقوم المحرر البعدي بتنقيح أي مواطن خلل متبقية بحس إنساني.

 

عملية الترجمة والتحرير البعدي

تختلف عملية الترجمة والتحرير البعدي للمحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الآلة بشكل كبير ، حيث يتطلب كل منهما مهارات وتدريب متميزين. فعند الترجمة ، عادة ما يتبع المترجمون البشر العملية التالية:

  1. قراءة المحتوى المصدر بعناية.
  2. صياغة الترجمة داخليًا (أي في عقولهم).
  3. كتابة الترجمة في تطبيق أو واجهة البرنامج.

واعتمادًا على المحتوى والمشروع ، قد يقوم المترجم بتحرير النص فورًا أو إجراء بحث إضافي أو العودة إليه لاحقًا عند ترجمة النص بالكامل. قد تختلف العملية قليلاً ولكنها عادةً ما تتضمن هذه الخطوات الثلاث.

أما في التحرير البعدي  لمحتوى مترجم آليًا، فتكون العملية مختلفة وتتضمن الخطوات التالية:

  1. تتم قراءة جملة أو جزء من مخرجات الترجمة الآلية.
  2. تتم مقارنة مخرجات الترجمة الآلية بالنص المصدر.
  3. يطبق المحرر البعدي شكلاً من أشكال الحكم على الجودة على كل جزء ، بناءً على تعليمات صريحة.
  4. تتخذ قرارات سريعة حول ما إذا كانت الترجمة صحيحة.
  5. تحسين النص ، أو
  6. إعادة ترجمته (كما في عملية الترجمة المذكورة أعلاه).

 

التحرير البعدي البشري والترجمة البشرية

يوجد اختلاف كبير في المهارات والنهج المتبع عند تحرير الترجمات البشرية مقابل الترجمات التي يتم توليدها آليًا. وبشكل عام، تختلف أنواع الأخطاء الموجودة في الترجمات البشرية اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في النص المترجم آليًا. على سبيل المثال، تميل الترجمات الآلية إلى أن تكون أكثر دقة عند ترجمة القيم الرقمية، ولكنها تميل أيضًا إلى إنتاج عبارات كثيرة غير مناسبة.

ومن ناحية أخرى، تميل الترجمات البشرية إلى أن تكون أفضل في إنتاج مخرجات تبدو طبيعية، مع وجود أخطاء أقل في السياق والمعنى، ولكنها تكون أكثر عرضة للأخطاء في ترجمة القيم العددية. ولإنتاج ترجمات آلية موثوقة، يقوم المحررين البعديين المدربين في الترجمة الآلية بالتعرف على هذه الاختلافات واستخدام أدوات خاصة لتحسين المخرجات. كما أن هذه الأدوات تساعد المحرر في إعادة ترجمة العبارات غير الملائمة بطريقة “تدرب” محرك الترجمة الآلية لتحسين مخرجاته في المستقبل.

 

التحرير البعدي والتحرير المسبق

لا ينبغي الخلط بين التحرير البعدي والتحرير المسبق. يشير التحرير المسبق إلى الإعداد المعني قبل إدخال نص معين في أداة الترجمة الآلية. وهو يتضمن مراجعة المحتوى بحثًا عن الأخطاء الأساسية، ووضع علامات على محتوى معين لتتم ترجمته بطريقة معينة (أو عدم ترجمته على الإطلاق)، وتحسين التنسيق. هذا الإعداد قبل استخدام أداة الترجمة يمكن أن يحسن إلى حد كبير المخرجات ويعتبر خطوة حيوية في معظم مشاريع الترجمة الآلية.

يمكن لدمج عملية التحرير المسبق الفعالة أن يحسن المخرجات إلى حد كبير مما يسهل على المحررين البعديين القيام بعملهم وإنتاج ترجمة عالية الجودة. ومع استمرار تحسين تقنية الترجمة الآلية، سيصبح امتلاك المهارات البشرية اللازمة في كل من عملية التحرير المسبق والتحرير البعدي أمرًا حيويًا لإنتاج ترجمات عالية الجودة.

 

لماذا نستخدم التحرير البعدي؟

تم استخدام الترجمة الآلية والبشرية منذ أن كانت برامج الترجمة الآلية في مهدها. عادةً ما يكون التحرير الآلي أقل تكلفة وأسرع من توظيف الإنسان ، لكنه قد لا يكون كافيًا لوحده. وبالتأكيد هناك وثائق يمكن ترجمتها بدرجة جودة عالية باستخدام الطرق الآلية فقط، لأن بعض النصوص واضحة ومباشرة ولا تحتاج إلى تدخل يذكر من قبل البشر.

ومع ذلك، لا يزال هناك نصوص مصدر تتحدى الترجمة الآلية ولكنها لا تتطلب ترجمة بشرية بالكامل أيضًا. يأخذ التحرير الآلي العبء الأكبر من العمل بينما يمكن للتحرير البعدي أن يتخلص من أخطاء الفوضى والقطع الصعبة، مما سيجعل المنتج النهائي “أنظف” ويفهمه القارئ بسهولة أكبر.

إن سهولة الاستيعاب والفهم ضرورية لأي نص ستتم قراءته من قبل الجمهور. تخيل تأثير الترجمة الخاطئة في مذكرة داخلية مقابل تلك الموجودة في مجموعة من التعليمات المرفقة داخل منتج أو ربما بيان صحفي لصحافة أجنبية. يمكن أن تكون الأضرار واسعة النطاق عندما يكون النص مخصصًا للعرض العام. وهذا هو المكان الذي يصبح فيه التحرير البعدي الدقيق أمرًا مهمًا للنجاح بين من يتحدثون لغات أخرى غير لغتك.

أن الجمع بين انتاجية الآلات وحدس العقل البشري يؤدي إلى الأفضل في كلاهما، وستكون النتيجة ترجمة سلسة فعليًا مع إمكانية قراءة ممتازة ورسالة واضحة.