الرئيسية / البحث العلمي / البحث في مجال علم اللغة

البحث في مجال علم اللغة

تعتبر كل مناهج تعلم وتعليم اللغة المستخدمة حاليا جيدة ومفيدة. إن الهدف من هذه الورقة ليس المجادلة بأن تطبيق أسلوب البحث الاحصائي هو الأفضل، ولكن لتوضيح كيف يدخل البحث الاحصائي في إطار الأنواع الأخرى من البحوث، وكذلك لوصف المميزات الجيدة للبحث الاحصائي. نهدف من خلال عرض بعض المواضيع ألى توضيح قيمة البحث الاحصائي في إطاره الأوسع لمختلف أنواع البحث.

أنواع البحوث

ولتسهيل النقاش سنقوم بتصنيف البحوث إلى فئتين:

1. البحوث الثانوية.

2. البحوث الأولية.

1. البحوث الثانوية

يختلف البحث الأولي عن الثانوي لأنه مشتق من المصادر الأولية للمعلومات (مثلا: مجموعة من الطلبة وهم يتعلمون اللغة)، وليس من المصادر الثانوية (كالكتب التي تصف الطلبة وهم يتعلمون اللغة). هذه الفئات لا يغني أحدها عن الآخر ولبست شاملة ولكننا استخدمناها هنا لنقلل من الخلط بين أنواع الدراسات المختلفة الموجودة في الأدبيات المنشورة.

البحث الثانوي هو الذي يقوم على المصادر البعيدة خطوة عن المعلومات الأصلية وربما يكون هو الذي يعرفه معلمي اللغة. فخلال فترة التدريب في الجامعة أو في الدراسات العليا يستخدم كلنا المكتبة باستمرار في البحث عن حكمة العلماء المكتوبة في الحقل الذي تخصصنا فيه. وعادة ما يطلب منّا جمع الأفكار من هذه المصادر الثانوية في صيغة محكمة تسمى ورقة الفصل البحثية. وبقليل من الحظ فإن مثل هذه الورقات توفر لنا بعض الأفكار المفيدة عن الموضوع الذي بين أيدينا. يستمر بعض العاملين في حقل تعليم اللغة في القيام بهذه العملية في حياتهم المهنية لكي يطوروا رؤى ابداعية وإنتاجية في موضوع معين. يمكن أن تكون مثل هذه الأبحاث نتاج رؤى مباشرة لكيفية تعلم اللغة، وربما تجمع عمل حياة شخص مهم أو تحل نواحي مختلفة لحركات نظرية. يفضل بعض البحّاث القيام بالدراسات التاريخية مثل تتبع تطور لغة أو استكشاف نشوء طرق تعليم اللغات. ومع ذلك قد يقوم الآخرين بالبناء على مصادر وتجارب أوسع للقيام بالبحث. الاسم الذي يخطر على البال في هذا السياق هو نعوم تشومسكي. لقد بنى تشومسكي بلا  شك على مجال واسع من التجارب (بما في ذلك معرفته بالرياضيات والفلسفة) وقام بتجميع هذه التجارب ودمجها مع معرفته بعلم اللغة، حيث كانت النتيجة النحو التحويلي التوليدي، الذي خلق إطارا جديدا لفهم اللغة. وبغض النظر عما كنت تنظر لهذا الإطار على أنه صحيح أم لا، فقد كان بلا شك جدلي وانتاجي ومفيد لكل الحقول العلمية التي لها علاقة بعلم اللغة. المهم هنا هو أنه يمكن للرؤى أن تلعب دورا مهما في البحث حيث يمكن أن تؤدي إما إلى تجميع معرفة موجودة أو انتاجها. من الواضح إذن، أنه يمكن للبحث الثانوي أن يأخذ أشكالا عديدة ممتعة ومفيدة. أما البحث الأولي كما سنرى فيما بعد، فهو طريقة أخرى لاشتقاق النماذج من العالم حولنا.

2. البحوث الأولية

نذكر أن البحث الأولي يختلف عن البحث الثانوي لأنه مشتق من المصادر الأولية للمعلومات (مثلا: الطلبة الذين يتعلمون اللغة)، وليس من المصادر الثانوية (كالكتب عن الطلبة الذين يتعلمون اللغة). بالتالي فالبحث الأولي لديه أفضلية أنه قريب من مصادر المعلومات الأولية. يبدو أن البحوث الأولية تنقسم أيضا إلى نوعين:

أ. دراسة الحالة

ب. ما يسمى بالدراسات الإحصائية.

أ. دراسة الحالة

يتركز البحث الذي يستخدم منهج دراسة الحالة حول شخص أو مجموعة من الأفراد. عادة ما يكون هذا النوع من الدراسات طويل الأمد، لأنها تقوم بتتبع الفرد أو الأفراد خلال فترة زمنية طويلة أثناء تتبع وملاحظة بعض عناصر تطور أو تعلم اللغة. هناك أمثلة كثيرة على هذا النوع من الدراسات في الأدبيات، وخصوصا فيما يتعلق بتعلم واكتساب اللغة الثانية. أحد الأمثلة التي تخطر على البال الآن هو ما لخّصه ليوبولد[1] عندما قام بملاحظة ودراسة ابنه عبر فترة طويلة من الزمن، حيث أثبتت تعليقاته والرؤى التي استشفها من خلال هذا النشاط أنها مفيدة للبحث المتعلق باكتساب وتعلم اللغة الثانية. إذن، يمكن لمنهج دراسة الحالة أن يكون مساعدًا ومنتجًا في مجال تعليم اللغة.

ب. الدراسات الاحصائية

تتعامل الدراسات الاحصائية مع مجموعة من الظواهر والسلوك الفردي، وهي دائما ما تكون مقطعية، أي أنها تأخذ سلوك مجموعة من الأفراد كقطاع من السلوك الممكن في نقطة أو نقاط معينة من الزمن. تخضع الدراسات الاحصائية أيضا لتقييم احتمالية أن النتائج لا تحدث بالصدفة، ويبدو أن الدراسات الإحصائية هي الأخرى تنقسم إلى فئتين: دراسات المسح، ودراسات التجارب.

دراسات المسح

تركز دراسات المسح نموذجيا على المواقف والآراء والمميزات أو الخصائص، وهي غالبا ما تأخذ شكل الاستبيان الذي يوزع على مجموعة من الأفراد. إن ميزة هذا النوع من البحوث هو إمكانية تجميع كم هائل من المعلومات في زمن قصير نسبيا. ولكن أحد عيوبه هو أن عدد الأشخاص الذين يقومون بتعبئة كل البيانات، وخاصة عند إرسال الاستبيان بالبريد، غالبا ما يكون منخفضا. وبسبب معدل الاستجابة الضئيل عادة ما يبرز سؤال حول كيف يمكن للمعلومات التي تم جمعها أن تعبر عن المواقف والآراء والخصائص لمجتمع الدراسة ككل. ومع ذلك، إذا ما تم التحكم بهذا الأسلوب، فمن الممكن أن يساعدنا في استخراج النماذج من كم المعلومات الهائل التي تم جمعها.

دراسات التجارب

وتشمل كل طيف الدراسات التي تبحث في السلوك اللغوي للجماعات في ظروف يتم التحكم فيها. على سبيل المثال، ربما يرغب الباحث في دراسة أثر الجنس (ذكر أو أنثى) على نتائج الطلبة في امتحان يحدد مستوى اللغة. يمكن لهذه البحوث أن تنطوي على إجراء الاختبارات للطلبة، حيث يتم تقسيم درجاتهم إلى مجموعتين حسب لجنسهم، ثم يقوم الباحث بدراسة أوجه التشابه والاختلاف في السلوك بين المجموعتين. ربما يقوم باحث آخر بدراسة العلاقة بين درجات الطلبة في اختبار قابلية تعلم اللغة وسلوكهم الحقيقي في فصول ودروس اللغة الذي يتم قياسه من خلال درجات الفصل. إذن، يمكن أن تختلف دراسات التجارب في أنواع الأسئلة التي تطرحها، ولكن ينبغي مع ذلك، أن تلتزم بالقواعد والاستراتيجيات التي سيتم بيانها لاحقا.

مميزات البحوث والدراسات الإحصائية

تركز هذه الورقة على البحوث الإحصائية، ولذلك سنقوم مباشرة بتوضيح المميزات الأساسية للدراسات الاحصائية. على الرغم من تداخل هذه المميزات مع مميزات الأنواع الأخرى من البحوث،  إلا أنها تشكل مجموعة فريدة في البحث الإحصائي. يجب أن تكون هذه المميزات دائما في الحسبان عند قراءة أيا من الدراسات الإحصائية، لأنه إذا لم تكن أحد هذه المميزات موجودة، فعندها يجب أن يقرع جرس الإنذار حول جودة وكفاءة تلك الدراسة. وعموما يجب أن تتوفر في البحوث والدراسات الإحصائية ما يلي:

1. أن تكون منظمة.

2. أن تكون منطقية.

3. أن تكون واقعية.

4. أن تكون قابلة للإعادة.

5. أن تكون اختزالية

وفيما يلي توضيح لهذه المميزات بشئ من التفصيل.

1. أن تكون منظمة

لدى الدراسة الإحصائية هيكل واضح وقواعد إجرائية تتبعها بدقة. فهناك قواعد لتصميم الدراسة، وقواعد للتحكم في المشاكل المختلفة الطارئة التي يمكن أن تؤثر على الدراسة، وأيضا قواعد لاختيار التطبيقات الإحصائية التي ستسخدم فيها. كل هذه القواعد تجعل الدراسة منظمة وتساعد القارئ على تفسير وفهم نتائج الدراسات الإحصائية ونقدها. طبعا هذا لا يعني أن الأنواع الأخرى من البحوث ليست منظمة، ولكن فقط للتأكيد على النظام الذي تتبعه الدراسات الإحصائية.

2. أن تكون منطقية

تشكل اجراءات هذه الدراسات نموذجا منطقيا واضحا. فهي تتقدم خطوة بخطوة، حيث تكون كل خطوة ضرورية لمنطق الدراسة، وإذا ما تم الاخلال بهذه الاجراءات، فستفقد الدراسة أحد مكوناتها وسيشوب منطقها الخلل كأي منطق آخر.

3. أن تكون واقعية

يعتبر الحث الإحصائي واقعي لأنه مبني على جمع المعلومات من العالم الواقعي. يمكن أن تكون المعلومات في شكل بيانات لدرجات اختبارات، أو تراتيب طلبة، أو عدد متعلمي اللغة الذين يتمتعون بخصائص معينة، وهلم جرا. تختلف أنواع البيانات، ولكنها كلها متشابهة لأنها كمية، أي أنها قد تكون رقما يمثل كمية معرّفة، ترتيب، أو فئة. معالجة هذه البيانات هي التي تقوم بالربط بينها وبين العالم الواقعي. وفي النهاية يجب أن ننوه إلى أن هذا النقاش ليس للمجادلة بأن الأنواع الأخرى للبحوث هي أقل واقعية (مثلا البحوث المبنية على المعلومات النوعية) ولكن لتوضيح الطبيعة الواقعية لصيغة البحوث التي تسمى بالدراسات الإحصائية.

4. أن تكون قابلة للإعادة

يجب على البحوث الإحصائية أن تكون قابلة للتكرار، بمعنى أنه يجب أن يمكّن عرض الباحث وتوضيحه للنظام والمنطق وجمع البيانات ومعالجتها في الدراسة القارئ من تكرار الدراسة(تحت نفس الظروف). إذا كانت الدراسة موضحة جيدا وباستطاعة القارئ أن يفهمها بما يمكنه من تكرارها، فعندها تتوفر المعلومات التي يمكن من خلالها الحكم على جودة الدراسة. وربما هذا ما يجعل امكانية تكرار الدراسات من أحد أهم العناصر التي تستخدم في نقد الدراسات.

5. أن تكون اختزالية

يمكن للبح الإحصائي أن يختزل خلط الحقائق الشائع في حقل اللغة وتعليمها، وأحيانا بطريقة يومية. فمن خلال القيام بالدراسات أو الاطلاع عليها وقراءتها نستطيع اكتشاف نماذج جديدة في الحقائق، ويمكن أن تنشأ من خلال هذه الأبحاث والاتفاقات بين البحّاث نماذج عامة وعلاقات ربما قد توضح مجال الحقل ككل. هذه هي المزايا والامكانات التي تجعل البحوث والدراسات الإحصائية اختزالية.

قيمة البحوث الإحصائية

لقد رأينا أن البحث الإحصائي ليس هو النوع الوحيد أو الأفضل بالضرورة في مجال البحث، ولكنه مع ذلك نوع مفيد جدا من أنواع البحوث. يمكن للدراسات المسحية والتجارب أن توفر معلومات مهمة حول الأفراد والجماعات قد لا توفرها أنواع الأبحاث الأخرى. أضف إلى ذلك أن الأبحاث الإحصائية لديها هيكلية منظمة وقواعد إجرائية محددة وتتبع نموذج تسلسلي منطقي، بالإضافة إلى أنها واقعية، وتقوم على المعلومات الكمية التي تسمى بيانات. هي أيضًا قابلة للتكرار (يجب أن تكون قابلة لإمكانية القيام بها مرة أخرى). ومن مميزاتها أيضًا أنها تساعد على تشكيل النماذج في ظل الخلط الناتج من كثرة الحقائق التي تحيط بنا.

ينبغي عند هذه النقطة أن يكون واضحًا أن هناك بعض المميزات التي تختص بها الدراسات والبحوث الإحصائية، وخصوصًا عند النظر إليها إجمالًا. وإذا ما صح ذلك، فسنجد من المنطقي إعطاء هذه الدراسات القرصة ليمكن الحكم على نظامها ومنطقها لنحدد ما إذا كانت استنتاجاتها مناسبة ومضمونة، ولديها قيمة في موقفك وبيئتك التعليمية. ففي النهاية، وبعيدًا عن حس المسئولية عند الباحث، لا يمكن ضمان جودة مثل هذه الدراسات إلا من خلال القارئ المطلع.

أسئلة

1. ما الفرق بين البحوث الثانوية والبحوث الأولية، وما هي أوجه بينهما؟

2. ما هي الاختلافات الموجودة بين دراسات المسح ودراسات التجارب  في ظل ما فهمته من هذه الورقة؟

3. أذكر بعض الأسباب للقيام بالأبحاث الإحصائية في مجال تعلم وتعليم اللغات.

4. لماذا تعتبر إمكانية تكرار الدراسات الإحصائية مرة أخرى مهمة؟

5 . هل البحوث الإحصائية هي النوع الوحيد الواقعي (قائمة على الواقع)؟

تطبيقات

1.أبحث عن إحدى الدوريات المتخصصة في تعليم اللغة وافحص بعض الدراسات المنشورة فيها، ثم حاول أن تقرر ما هو نوع تلك الأبحاث،وكم عدد الدراسات التي يمكن تصنيفها كأبحاث أو دراسات إحصائية.

2. أفحص بعض الدراسات وابحث عن المعلومات التي تشرح طريقة القيام بالدراسة (عادة ما تكون تحت عنوان طريقة البحث، مادة الدراسة، أو مجتمع الدراسة، أو عينة الدراسة …الخ)،بعد ذلك حاول أن تقرر ما إذا كانت هناك معلومات كافية تمكنك من القيام بالدراسة مرة أخرى.  


[1] Leopold, Werner F. 1978. A child’s learning of two languages, In E. M. Hatch, ed. Second language acquisition: A book of readings. Rowley, Mass.: Newbury House.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي و اللغة الإنجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). نشر ثمانية كتب والعديد من المقالات والبحوث. مهتم بالملف الليبي والعربي والاسلامي بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

شاهد أيضاً

اكتساب اللغة : تحليل تفاضلي لرؤى مختلفة

على الرغم من وجود العديد من النظريات عن اكتساب اللغة (Language Acquisition)، فإن هذا الفصل يشرح بإيجاز ثلاثة منها فقط. تشمل النظريات التي سنناقشها في هذا الفصل النظرية السلوكية (The Behaviourist Theory)، نظرية تشومسكي (The Chomskyan Theory)، والنظرية التفاعلية (The Interactionist Theory)

إظهار شريط المشاركة
إخفاء شريط المشاركة