البحث الكمي

ما هو البحث الكمي؟

غالبا ما يتم تقسيم طرق البحث في العلوم الاجتماعية إلى نوعين رئيسيين: كمية ونوعية. يناقش هذا الفصل أحد هذين الطريقتين وهي الطرق الكمية (طرق إجراء البحث الكمي)، وما يميزها عن الطرق النوعية.

عند التفكير في الطرق الكمية سيكون من المرجح أننا سنفكر في الاحصاء والارقام  وربما سيشعر الكثيرين بنوع من الرهبة لأنهم يعتقدون أن الطرق الكمية شيء صعب. وباستثناء الأخيرة، فإن جميع هذه الأفكار تصف جزءا من جوهر الطرق الكمية.

يصف التعريف التالي المقتبس من ألياجا و جندرسون (Aliaga and Gunderson, 2000) ما نعنيه بالطرق الكمية جيدا:

البحث الكمي هو “تفسير الظواهر من خلال جمع البيانات العددية وتحليلها بواسطة الطرق التي تستند على الرياضيات (خصوصا الاحصاء)”.

 

لنبدأ بتوضيح هذا التعريف خطوة بخطوة. العنصر الأول من التعريف هو تفسير الظواهر. هذا عنصر رئيسي في كل الأبحاث، سواءا الكمية منها أو النوعية، لأننا نقوم بتوضيح أو تفسير شيء ما عندما شروعنا في البحث. ربما يكون هذا أسئلة مثل “لماذا يترك المعلمين التدريس؟” أو ما هي العوامل التي تؤثر على أداء التلاميذ؟”، وغيرها.

 

نكمن خصوصية البحث الكمي في الجزء الثاني من التعريف. نحن نقوم بجمع البيانات العددية في البحث الكمي. هذا مرتبط الجزء الأخير من التعريف، وهو التحليل بواسطة الطرق القائمة على الحساب والرياضيات. ولكن لكي نكون قادرين على استخدام الطرق التي تستند إلى الرياضيات، لابد لبياناتنا أن تكون في شكل أعداد. البيانات النوعية ليست بالضرورة أو في العادة عددية، وبالتالي لا يمكن تحليلها باستخدام الاحصاء.

 

إذن البحث الكمي يكون أساسا حول جمع البيانات العددية لتفسير ظواهر معينة، وخاصة تلك الأسئلة التي يبدو استخدام الطرق الكمية مناسبا للإجابة عليها. كم عدد الذكور الذي يتحصلون على شهادة جامعية مقارنة بالإناث؟ ماهي نسبة المعلمين ومدراء المدارس الذين ينتمون للأقليات العرقية؟ هل تحسن أداء التلاميذ في اللغة الانجليزية في مدارس محفظتنا خلال مع مرور الوقت؟ كل هذه أسئلة يمكننا النظر فيها كميا، لأن البيانات التي نحتاج لجمعها متوفرة في صيغة أرقام. ولكن أليس هذا يحد من فائدة البحث الكمي؟ هناك الكثير من الظواهر التي نرغب في دراستها ولكنها لا تبدو في شكل بيانات عددية. في الحقيقة، هناك عدد قليل نسبيا من الظواهر التي يمكن أن تحدث طبيعيا في شكل بيانات كمية.

 

لحسن الحظ أن البحث الكمي ليس مقيد كما يبدو مما ذكرنا أعلاه، لأن معظم البيانات التي لا تحدث في شكل كمي يمكن جمعها بطريقة كمية. نقوم بذلك من خلال تصميم أدوات بحث تهدف بالتحديد إلى تحويل الظواهر التي لا توجد طبيعيا في شكل كمي إلى بيانات كمية، والتي يمكننا بعدها أن نحللها إحصائيا. من أمثلة ذلك المواقف والمعتقدات. فربما نريد أن نجمع بيانات عن مواقف التلاميذ من مدرستهم ومعلميهم. ليس هناك وجود طبيعي لهذه المواقف في شكل كمي، ولكن يمكننا تطوير استبيان يسئل التلاميذ أن يقدموا استجابات لبعض العبارات (مثلا، “أنا أجد المدرسة مقرفة”) في هيئة ردود مثل “أوافق بشدة”، “أوافق”، “لا أوافق”، أو “لا أوافق بشدة”، ويعطون إجاباتهم في صيغة أرقام ( مثلا رقم 1 = “لا أوافق بشدة” ورقم 4 = “أوافق بشدة”). بهذه الطريقة يصبح لدينا بيانات كمية عن مواقف التلاميذ تجاه المدرسة.  يمكننا جمع البيانات الكمية حول عدد كبير من الظواهر، وجعلها كمية بواسطة أدوات جمع البيانات مثل الاستبيانات أو الاختبارات. عدد الظواهر التي يمكننا دراستها بهذه الطريقة يكون غير محدود تقريبا، مما يجعل البحث الكمي مرن جدا. خذا لا يعني طبعا أن أفضل طريقة لدراسة كل الظواهر هي الطرق الكمية. وكما سنرى، بينما يكون للطرق الكمية بعض المزايا الملحوظة، فإن لديها أيضا بعض العيوب، مما يعني أن الدراسة المثلى لبعض الظواهر تكون باستخدام طرق مختلفة (نوعية).

 

يشير الجزء الأخير من التعريف إلى استعمال الطرق التي تستند الحساب، خصوصا الإحصاء، في تحليل البيانات.

هذا ما يفكر فيه الناس عادة عندما يفكرون بالبحث الكمي، وغالبا ما يعتبرونه الجزء الأهم في الدراسات الكمية. هذا نوع من سوء الفهم، لأنه بينما يكون استخدام أدوات التحليل الصحيحة له أهمية كبيرة واضحة، فإن استخدام تصميم البحث الصحيح وأدوات جمع البيانات المناسبة يكون في الحقيقة أكثر أهمية وأساسي . في الواقع، استخدام الاحصاء لتحليل البيانات هو العنصر الذي يجعل الكثير من الناس يحجمون عن القيام بالبحوث الكمية، لأن الرياضيات التي تكمن وراء الطرق تبدو معقدة ومخيفة. ولكن كما سنرى لاحقا، فإن معظم الباحثين لا يجب أن يكونوا في الحقيقة خبراء في الرياضيات التي تستند عليها هذه الطرق، لأن برامج الحاسوب تسمح لنا بالقيام بالتحليل بسرعة وبطريقة سهلة نسبيا.

 

يشير البحث الكمي إلى الدراسات والأبحاث الذي تتخذ من الأرقام والعمليات الإحصائية أساسا لها. ولذلك فهو يهتم بالمتغيرات التي تتضمن قياس صفات الأشياء وخصائصها .

وإذا كان الباحث يجمع بيانات كمية مثل الطول والوزن من أفراد أو جماعات، ويتوقع تحويل هذه الأرقام إلى متوسطات أو أية عملية إحصائية أخرى، فإننا نطلق على هذا البحث بحثا كميا.

يرتبط البحث الكمي عموما بالنموذج الوضعي / ما بعد الوضعي. وعادة ما ينطوي على جمع وتحويل البيانات إلى شكل رقمي بحيث يمكن القيام بالعمليات والحسابات الإحصائية واستخلاص الاستنتاجات.

 

يتضمن البحث الكمي معلومات أو بيانات في شكل أرقام. وهذا يسمح لنا بقياس أو تحديد مجموعة كاملة من الأشياء. على سبيل المثال: عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر؛ عدد الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة في أعمار معينة، متوسط ​​القدرة الشرائية في مجتمع ما، أو عدد البالغين الذين لديهم إمكانية الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر في قرية أو مدينة معينة.

 

وهناك طريقة مشتركة لإجراء البحوث الكمية باستخدام المسح الاستطلاعي. عادة ما تنطوي الاستطلاعات على ملء استبيان. الفائدة من المسح هي أن المعلومات التي نحصل عليها موحدة لأن كل مجيب (الشخص الذي يقوم بتعبئة الاستبيان) يقدم الإجابة على الأسئلة نفسها بالضبط. حالما يكون لدى الباحث ما يكفي من الردود على استبيانه، يمكنه عندها وضع البيانات معا وتحليلها بطريقة تجيب على سؤاله البحثي أو ما يريد أن يعرفه.

 

من المهم أن ندرك أن البحث الكمي لا يعني بالضرورة أنّ المشاركين سيعطون أرقام لإجاباتهم على أسئلة البحث. فأحيانًا قد تكون اجوبنهم  “نعم” أو “لا”، كما في السؤال: “هل لديك جهاز حاسوب؟”، وفي بعض الأحيان تكون اجاباتهم، كلمة، جملة، أو فقرة توصف شيء ما، كما هو الحال في الأسئلة التالية مثلا : “ما هو نوع أو ماركة جهاز حاسوبك؟ ” أو “أوصف بالتفصيل استخداماتك لجهاز الحاسوب”. قد تنطوي الإجابات الأخرى على أرقام، كما في: “كم عدد أجهزة الحاسوب التي لديك في مجال عملك أو مؤسستك؟”؟

 

كيف يمكن لهذه الاستجابات المتنوعة أن تصبح أرقام في طريقة تحليلها. من أمثلة الأسئلة أعلاه، يمكن للمرء أن يقول أنه: بينما يستخدم 20 من أصل 30 (66٪) من المجيبين ماركة حاسوب معينة، يستخدم 5 (16٪) آخرين ماركة أخرى. باقي المستطلعين الخمسة يستخدمون جميع أنواع الحاسوب المختلفة التي يمكن للمرة أن يتذكرها. عندها قد يرعب المرء أن يقدم بعض الأمثلة على كيفية استخدام أجهزة الحاسوب.

 

هناك، بالطبع، العديد من الأنواع المختلفة للبحث الكمي إلى جانب المسح. يشمل البحث الرصدي (الملاحظة) مشاهدة أو ملاحظة مختلف السلوكيات والأنماط. ربما يرغب الباحث معرفة كم عدد السيارات من ماركة معينة يستخدمون تقاطع طرق محدد. للقيام بذلك ربما يقف المرء عند التقاطع في وقت معين من اليوم، ويسجل انواع السيارات. ربما يريد مراقبة عدد الأشخاص الذين يدخلون متجر معين في أوقات محددة من اليوم، تسجيل تصرفاتهم، وما إذا كانوا يشترون أي شيء منه أو لا أم أنهم يستكشفونه فقط.

وتشمل الأشكال الأخرى للبحوث الكمية الأكثر تعقيدا البحوث التجريبية أو بحوث النمذجة الرياضية[1]. قد تستخدم الأبحاث الإعلامية شكلا من أشكال البحث الكمي لفهم عدد من المقالات المنشورة في مجموعة من الصحف حول موضوع معين. ثم يتم تحليل هذه المقالات وفقا لمعايير الرصد المختلفة، مثل تركيز المقال، المؤلف، تاريخ النشر، عدد الصفحات، وطول العمود وحتى العنوان. من هذا، يمكن للباحث إجراء تحليلات مثل: “من بين جميع الصحف التجارية في نيجيريا، احتوت 25٪ منها في الفترة ما بين شهري يناير وفبراير 2004 على قصص حول فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)”. قد يحتاج الباحث إلى إضافة أن معظمها كُتبت من قبل خمسة صحفيين ، أو الإشارة إلى أنه لم تظهر أيا منها على الصفحات الأولى للصحف خلال هذه الفترة.

من المهم في جميع أنواع البحوث أن يشرح الباحث افتراضاته وأن يكون محدد قدر الإمكان، وعليه تذكر أن نتائج بحثه قد لا نخبره بكل شيء ولكنها ستكون ذات قيمة بقدر ما تكشف عنه. قد يكون الباحث قادرا، في المثال حول بحوث وسائل الإعلام، على استنتاج أن فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) لم يظهر بشكل بارز في وسائل الإعلام التجارية خلال فترة المراقبة، وقد يرغب في معرفة أسباب ذلك ويقرر إجراء مقابلة مع رؤساء تحرير الصحف. وعند قيامه بذلك، فهو يُجري نوعا من البحث النوعي.

 

أساسيات طرق البحث الكمي

 

  1. الواقعية و الذاتية

سيكون من الجيد بعدما عرفنا البحث الكمي أن نقارنه بالبحث النوعي، والذي عادة  ما يتم وضعه في مقارنات معه. ينما يستند البحث الكمي على بيانات رقمية يتم تحليلها إحصائيا، يستخدم البحث النوعي البيانات غير الرقمية. في الواقع، البحث النوعي -هو مصطلح يشمل مجموعة واسعة من الطرق، مثل المقابلات، ودراسات الحالة، والبحوث الإثنوغرافية وتحليل الخطاب، وغيرها.

 

غالبا ما ينظر إلى الفرق بين البحث الكمي والنوعي باعتباره أمرا أساسيا جدا، مما قاد الناس إلى التحدث عن “حروب النماذج” (Paradigm Wars) التي يُنظر فيها للبحوث الكمية والنوعية وكأنها أجزاء تتعارك وغير قابلة للقياس. يُعرف العديد من الباحثين أنفسهم إما كباحث كمي أو كيفي، ولكن من أين جاءت هذه الفكرة ؟

 

وترتبط هذه الفكرة باختلاف الفلسفات الكامنة ووجهات نظر الباحثين عن العالم في النموذجين (وهذا ما يسمى أيضا نظريات المعرفة  “epistemologies”).

 

ووفقا لهذا الرأي، فإن هناك وجهتي نظر تختلفان جذريا كامنة وراء البحث الكمي والنوعي. يتم وصف وجهة النظر الكمية بأنها “واقعية” (realist) أو في بعض الأحيان “وضعية” (positivist)، أما وجهة النظر الكامنة وراء البحث النوعي فإنها توصف بأنها ذاتية (subjectivist).

 

ما الذي يعنيه هذا؟ يرى الواقعيين أن ما يفعله البحث هو كشف واقع موجود. الحقيقة موجودة هناك، وأن وظيفة الباحث هي استخدام طرق بحث موضوعية للكشف عن تلك الحقيقة. وهذا يعني أن الباحث يحتاج إلى أن يكون منفصلا عن البحوث قدر الامكان، واستخدام الطرق التي تزيد من الموضوعية وتقليل مشاركة الباحث في البحث. يتم القيام بذلك بشكل أفضل باستخدام طرق مأخوذة الى حد كبير من العلوم الطبيعية، والتي يتم بعد ذلك نقلها إلى إعدادات البحوث الاجتماعية (مثل التعليم). الوضعية هي الشكل الأكثر تطرفا من هذه النظرة للعالم. وفقا للوضعية، يعمل العالم وفقا لقوانين ثابتة للسبب والنتيجة. يتم استخدام التفكير العلمي لاختبار النظريات حول هذه القوانين، وإما سيتم رفضها أو قبولها مؤقتا. وبهذه الطريقة، فإننا سنحصل في النهاية على فهم الحقيقة حول الكيفية التي يعمل بها العالم. يمكننا من خلال تطوير أدوات قياس موثوق أن ندرس العالم المادي بموضوعية. هذا الرأي بأن هناك واقع حقيقي موجود هناك يمكننا قياسه بموضوعية كاملة يسبب إشكالية. نحن جميعا جزء من العالم الذي نراقبه، ولا يمكن فصل أنفسنا تماما عما نبحث فيه. لقد أظهرت الأبحاث التاريخية أن ما تم دراسته، والنتائج التي تم التوصل إليها، متأثر بمعتقدات الناس الذين يقومون بالبحث والمناخ الاجتماعي السياسي في وقت القيام بالبحوث.

 

ووفقا لوجهة النظر هذه، فإن الباحثين النوعيين ذاتيين (subjectivists). وعلى النقيض من النظرة الواقعية القائلة بأن الحقيقة موجودة هناك، ويمكن قياسها وإيجادها بموضوعية من خلال البحث، فهم يشيرون إلى دور الذاتية البشرية في عملية البحث. الحقيقة ليست “هناك” لتتم ملاحظتها بموضوعية وبتجرد من قبلنا، ولكنها على الأقل يتم بناءها جزئيا من قبلنا وبملاحظاتنا. ليست هناك حقيقة موضوعية موجودة سلفا يمكن ملاحظتها. عملية مراقبتنا للواقع، تغيرها وتحولها، وبالتالي فإن الذاتيين (subjectivists) هم نسبيين (relativistic). كل الحقيقة يمكن أن تكون نسبية فقط، وليست نهائية، كما يدعي الوضعيين. من الواضح أن الموقف النسبي المتطرف يسبب إشكالية مثل الموقف الوضعي المتطرف، لأنه ينكر من الناحية النظرية أن لا شيء أكثر من التوافق الاجتماعي والسلطة يميزان العلم الحديث عن السحر.

 

إذا نظرتم للأشكال المتطرفة من الرأيين المبينة هنا، فسيبدو أن طرق البحث الكمية والنوعية تتعارض إلى حد ما. ولكن هذين النقيضين يعتبران تبسيطا لآراء كلا من الباحثين الكميين والنوعيين. قلة قليلة من الناس في كلا الجهتين منون بهذه الآراء المتطرفة. لقد تم تضمنها هنا لأنها كثيرا ما لقدم  في أشكال أقل تطرفا من قبل منتقدين معارضين لأحد الطرق (النوعية، على سبيل المثال) لمهاجمة مستخدمي الطرق المختلفة (على سبيل المثال، الكمية). وتجدر الإشارة هنا إلى أن ‘الطرق النوعية‘ مصطلح شامل لعدد كبير من طرق البحث المختلفة (مثل ملاحظة المشاركين، والمقابلات، ودراسات الحالة، والبحوث الإثنوغرافية) التي تعتبر مختلفة تماما، ويتم استخدامها من قبل باحثين لهم رؤى عن العالم مختلفة كثيرا، وبعضها يقع بشكل واضح على النهاية الواقعية من الطيف. ولذلك فإن لصق وجهات النظر الذاتية الأصولية لجميع الباحثين النوعيين يعتبر مغالطة.

 

إن تسمية جميع الباحثين الوضعيين بالكميين شيء  غير دقيق أيضا. فقد تم انتقاد الباحثين الكميين بسبب وجهات النظر الوضعية، وهناك الآن مجموعة متنوعة من نظريات المعرفة الأساسي تكمن وراء النظرية والممارسة في البحث الكمي. وأعتقد أنه من الصحيح القول أن عدد قليل جدا من الباحثين الكميين في الوقت الحاضر هم وضعيين متطرفين.

 

  1. ما بعد الوضعية والواقعية التجريبية والبراغماتية

يقبل المؤمنين بما بعد الوضعية (Post-positivism) بنقد الوضعية التقليدية الذي قدمه الذاتيين (subjectivists)، بدون الذهاب إلى حد رفض أي فكرة للواقعية. يقبل أصحاب ما بعد الوضعية بأننا لا نستطيع مراقبة العالم الذي نحن جزء منه بموضوعية تامة وكأشخاص غرباء نزهاء، ويقبلوا أن العلوم الطبيعية لا توفر نموذجا لجميع البحوث الاجتماعية. ومع ذلك، فهم يعتقدون في إمكانية وجود واقع موضوعي. وبما أننا لن تكون قادرين على الكشف الكامل لهذا الواقع من خلال أبحاثنا، يعتقد أصحاب ما بعد الوضعية بأنه علينا أن نحاول نقترب من هذه الحقيقة قدر ما استطعنا، في حين ندرك أن ذاتيتنا هي التي تشكل هذا الواقع. وبدلا من العثور على الحقيقة، يحاول اتباع ما بعد الوضعية تمثيل الواقع قدر المستطاع.

 

وعلى النقيض من اتباع الوضعية، يعتقد اتباع ما بعد الوضعية أن الأبحاث لا يمكن أن تكون على يقين أبدا. بدلا من التركيز على اليقين والحقيقة المطلقة، يركز علم الاجتماع ما بعد الوضعي على الثقة (كم يمكننا الاعتماد على النتائج التي توصلنا إليها؟ كم هي جيدة في توقعها لنتائج معينة؟

 

وجهة نظر ثانية للعالم أو نظرية معرفة أخرى التي تكمن وراء عمل بعض الباحثون الكميين هي الواقعية التجريبية (experiential realism). تدعي الواقعية التجريبية، كما تفعل المواقف المعادية للوضعية، بأنه لا يمكننا أن نلاحظ العالم بطريقة موضوعية بحتة، لأن فهمنا نفسه يؤثر على ما نراه ونقيسه. ولكن على النقيض من مواقف الذاتية، يعتقد الواقعيون التجريبيين أن هناك حدودا للذاتية. ذاتيتنا محدودة بسبب حقيقة أننا نستخدم عدد محدود من المخططات لصياغة وجهات نظرنا عن العالم. وذلك لأن إدراكنا مجسد. نحن لا تلاحظ بشكل سلبي، ولكننا نتفاعل بنشاط مع العالم من خلال أجسادنا.

 

يرى الواقعيين التجريبين بأن استخدام الاستعارة عاملا أساسيا للطريقة التي ننظر بها إلى العالم من حولنا. نحن نستخدم الاستعارات لفهم عالمنا. احد الاستعارات الرئيسية التي نستخدمها لفعل هذا، هي مخطط الفاعل والمفعول، الذي يقسم العالم إلى مفاعيل (الأشياء) وفاعلين (الناس). هذا التشبيه لديه جذوره في حقيقة أنه في تعاملنا مع العالم نجد أن هناك فرقا بين العالم الخارجي الذي يتألف من حواف وأسطح وأشياء مختلطة ليست نحن، وتلك الأشياء التي هي نحن، الفاعل. نحن نتحرك في جميع أنحاء عالمنا، والكائنات تبقى ثابتة. العلم، وفقا لهذا الرأي، هو النشاط الذي يقوم على هذا المخطط المتكون من فاعل ومفعول (Mulaik, 1995).

 

العديد من الباحثين، سواءا الكميين أو النوعيين، يتخذون نهج براغماتي في البحث، وذلك باستخدام طرق مختلفة اعتمادا على سؤال البحث الذي يحاولون الإجابة عليه. هذا قد يؤدي بهم في بعض الحالات إلى البحث الكمي، مثلما عندما يحتاجون إلى إعطاء إجابة كمية على سؤال، وعندما يحتاجون إلى تعميم النتائج على مجتمع، أو حين يتطلعون إلى اختبار نظرية رياضيا. في حالات أخرى، يستخدمون الطرق النوعية. في كثير من الحالات، يكون من الأنسب استخدام الطرق المختلطة والجمع بين الطرق الكمية والنوعية.

 

لقد طور الفلاسفة من أمثال بيرس، ديوي وجيمس البراغماتية (Pragmatics) كفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية. احد الادعاءات الرئيسية لهذه المدرسة الفلسفية هو أن المعنى والحقيقة لأي فكرة يعتبر وظيفة لنتائجها العملية. يعارض البراغماتيين بشدة الحكم المطلق الذي يعتبرونه جزءا أساسيا من معظم المعتقدات الفلسفية الأخرى. يشعر البراغماتيين بأنه غالبا ما يتم وضع فلسفة معينة في تعارض مع الفلسفات الأخرى (الجدل بين الوضعية والذاتية، مثلا) التي يتم رفضها بالكامل.

 

أما بالنسبة لاتباع الذاتية، فليس هناك حقيقة أكيدة في الفلسفة البراغماتية. الحقيقة تتغير باستمرار ويتم تحديثها من خلال عملية حل المشاكل البشرية. والسؤال الرئيسي بالنسبة للبراغماتيين ليس “هل هذا حقيقي؟”، أو “هل هو صحيح؟”، ولكن “هل هذا يعمل؟”.

 

 

  1. متى نستخدم الطرق الكمية؟

إذا ما أخذنا النهج العملي (البراجماتي) لطرق البحث ، فإن السؤال الرئيسي الذي يحتاج إلى إجابة هو ‘أي نوع من الأسئلة يتم الإجابة عليه بطريقة أفضل باستخدام الكمية بدلا من الطرق النوعية؟‘.

 

هناك أربعة أنواع رئيسية من الأسئلة البحثية التي يكون البحث الكمي مناسبا لإيجاد إجابة عليها:

 

  1. النوع الأول من الأسئلة البحثية هو الذي يتطلب إجابة كمية. ومن الأمثلة على ذلك: ‘كم عدد الطلاب الذين اختاروا دراسة التربية؟‘ أو ‘كم عدد مدرسين الرياضيات الذين نحن بحاجة إليهم وكم لدينا في مدارس محافظتنا؟‘ من الواضح أننا بحاجة إلى استخدام البحث الكمي للإجابة على هذا النوع من الأسئلة، لأنه من الواضح جدا أن الطرق النوعية وغير العددية لن توفر لنا الأجوبة (العددية) التي نريدها.

 

  1. لا يمكن أيضا دراسة التغيير العددي بدقة إلا باستخدام الطرق الكمية. ‘هل عدد الطلبة في جامعتنا يزداد أو ينقص؟‘، ‘هل أداء الطلبة في تحسن أو هبوط؟‘ سيكون لزاما علينا أن نجري دراسة كمية لمعرفة ذلك.

 

  1. بالإضافة لرغبتنا في معرفة المزيد عن حالة شيء ما أو غيره، نحن غالبا ما نرغب في تفسير الظواهر. ما هي العوامل التي تنبأ بتوظيف مدرسين الرياضيات؟ ما هي العوامل التي ترتبط بالتغييرات في تحصيل الطلاب مع مرور الوقت؟ يمكننا أيضا دراسة هذا النوع من الأسئلة بنجاح بالطرق الكمية، حيث تم تطوير العديد من الأساليب الإحصائية التي تسمح لنا بأن نتوقع درجات أحد العوامل، أو المتغيرات (على سبيل المثال توظيف المعلمين) من درجات واحد أو أكثر من العوامل الأخرى، أو المتغيرات (مثل معدلات البطالة والأجور والظروف).

 

  1. النشاط الأخير الذي تكون فيه البحوث الكمية مناسبة هو اختبار الفرضيات. قد نرغب في شرح شيء (على سبيل المثال، ما إذا كانت هناك علاقة بين تحصيل التلاميذ واحترامهم لذاتهم والخلفية الاجتماعية). يمكننا أن ننظر في النظرية ونخرج بفرضية أنه كلما كانت خلفية الطبقة الاجتماعية متدنية فإن ذلك سيؤدي إلى تدني احترام الذات، مما سيكون بدوره متعلق بتدني التحصيل. يمكننا اختبار هذا النوع من النماذج من خلال البحث الكمي .

 

تسمى المشاكل البحثية الأولى والثانية “وصفية”، لأننا نحاول فقط وصف الوضع. أما كا يوجد في النقطة الثالثة والرابعة فهي “إستنتاجية”،لأننا نحاول أن نشرح شيئا وليس وصفه فقط.

كما ذكرنا أعلاه، بينما تكون الطرق الكمية جيدة في الإجابة على هذه الأنواع الأربعة من الأسئلة، فإن هناك أنواع أخرى من الأسئلة لا تتناسب بشكل جيد مع الطرق الكمية.

 

  1. الحالة الأولى التي سيفشل فيها البحث الكمي هي عندما نريد استكشاف مشكلة بعمق. البحث الكمي جيد في توفير معلومات واسعة من عدد كبير من الوحدات، ولكن عندما نريد استكشاف مشكلة أو مفهوم بتعمق، يمكن أن تكون الطرق الكمية ضحلة جدا. للحصول حقا على تعرية تامة لظاهرة ما، فسنحتاج إلى استخدام الطرق الإثنوغرافية، والمقابلات، ودراسات الحالة والتقنيات النوعية الأخرى.

 

  1. لقد رأينا آنفا أن البحوث الكمية مناسبة تماما لاختبار النظريات والفرضيات. ما لا تستطيع الطرق الكمية أن تفعله بشكل جيد هو تطوير الفرضيات والنظريات. ربما تأتي الفرضيات التي سيتم اختبارها من مراجعة للأدبيات أو نظرية ما، ولكن يمكن أيضا تطويرها باستخدام البحث النوعي الاستكشافي.

 

  1. إذا كانت القضايا التي يتعين دراستها معقدة بشكل خاص، فستكون الدراسة النوعية المتعمقة (دراسة حالة، على سبيل المثال) أفضل من الطرق الكمية. ويرجع ذلك جزئيا لأن هناك حد لعدد المتغيرات التي يمكن دراستها في أي دراسة كمية واحدة، وذلك جزئيا بسبب أن الباحث في البحث الكمي يحدد المتغيرات التي يتعين دراستها بنفسه، بينما قد تنشأ في البحث النوعي متغيرات غير متوقعة.

 

  1. وأخيرا، في حين أن الأساليب الكمية هي الأفضل للنظر في السبب والنتيجة (السببية، كما هو معروف)، فإن الطرق النوعية هي الأكثر ملاءمة للبحث في معنى أحداث أو ظروف معينة. إذن، ما الذي نفعله إذا أردنا أن ننظر في كل من الاتساع والعمق، أو في كل من السببية والمعنى؟ في هذه الحالات، يكون من الأفضل استخدام ما يسمى بتصميم الطرق المختلطة، الذي نستخدم فيه كل من الطرق الكمية (على سبيل المثال، استبيان) والنوعية (على سبيل المثال، عدد من دراسات الحالة). تعتبر طرق البحث المختلطة نهج مرن، حيث يتم تحديد تصميم البحوث من خلال ما نريد معرفته وليس بأي موقف معرفي محدد سلفا. يمكن أن تكون مكونات أحد الطرق هي السائدة (النوعية أو الكمية) في بحوث الطرق المختلطة، ويمكن أيضا أن تكون لها مكانة متساوية.

 

عملية البحث الكمي

سيكون لدى الباحث فرضية واحدة أو أكثر. هذه هي الأسئلة التي يريد طرحها ومعالجتها والتي تتضمن تنبؤات حول العلاقات المحتملة والممكنة بين الأشياء التي يريدون بحثها ودراستها (المتغيرات). ولإيجاد إجابات على هذه الأسئلة، سيكون على الباحث استخدام مختلف الأدوات والمواد (مثل الاختبارات الورقية أو بالكمبيوتر وقوائم نقاط الملاحظة، الخ) بالإضافة أيضا إلى خطة عمل واضحة المعالم .

يتم جمع البيانات بطرق ووسائل مختلفة تتبع إجراءات صارمة، ومن ثم إعدادها للتحليل الإحصائي. ويتم هذا حاليا بمساعدة برامج الحاسوب الإحصائية المتطورة. يمكن تحليل البيانات الباحثون على تحديد وجود أي علاقة من عدمه بين اثنين أو أكثر من المتغيرات. يمكن أن تكون هذه العلاقة رابطة بسيطة (مثلا، الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بشكل يومي يكون ضغط دمهم منخفض) أو علاقة سببية (مثلا، التمارين اليومية تؤدي في الواقع إلى انخفاض ضغط الدم). يسمح التحليل الإحصائي للباحثين باكتشاف العلاقات السببية المعقدة وتحديد إلى أي مدى يؤثر أحد المتغيرات على آخر.

تعرض نتائج التحليلات الإحصائية في المجلات بطريقة قياسية، وتكون النتيجة النهائية بقيمة P (P value). بالنسبة للأشخاص الذين ليسوا على دراية علمية بلغة البحوث، فسيجدون في أقسام المناقشة في نهاية المقالات في الدوريات والمجلات العلمية وصف لنتائج الدراسة وشرح الآثار المترتبة على النتائج بعبارات صريحة.

 

مبادئ البحث الكمي

تعتبر الموضوعية بالغة الأهمية في البحث الكمي. ولذلك، يهتم الباحثين جيدا بتجنب وجودهم وسلوكهم أو مواقفهم التي تؤثر على النتائج (مثلا، عن طريق تغيير الوضع قيد الدراسة أو جعل المشاركين يتصرفون بشكل مختلف). كما أنهم يختبرون ويدرسون نقديا طرقهم وأساليبهم واستنتاجاتهم للتأكد من خلوها من أي تحيز ممكن.

يبذل الباحثين قصارى جهدهم لضمان أنهم حقا يقومون بقياس ما يزعمون أنهم يقيسونه. على سبيل المثال، إذا كانت الدراسة حول ما إذا كانت الموسيقى الخلفية لها تأثير إيجابي على الأرق لدى قاطنين في دار للرعاية، فيجب أن يكون الباحثين واضحين حول أي نوع من الموسيقى سيستخدمونه، ارتفاع الموسيقى، ماذا يعنون بالأرق، وكيف يقاس الأرق وما الذي يعتبر أثرا إيجابيا. ويجب أن يتم النظر في كل هذا، ويتم الاعداد له والتحكم به أو السيطرة عليه مسبقا.

 

كما يجب مراقبة العوامل الخارجية التي قد تؤثر على النتائج. في المثال أعلاه، سيكون من المهم التأكد من أن إدخال الموسيقى لم يكن مصحوبا بتغييرات أخرى (على سبيل المثال، ربما يكون الشخص الذي أحضر قارئ الأقراص (CD player) قد دردش مع القاطنين بعد الاستماع للموسيقى) لأنه قد يكون هذا العامل الآخر هو الذي تسبب في النتائج (أي اتصال اجتماعي وليس الموسيقى). لا يمكن دائما استبعاد بعض العوامل المساهمة الممكنة، ولكن ينبغي الاعتراف بها من قبل الباحثين.

 

التركيز الرئيسي للبحث الكمي هو على المنطق الاستنباطي الذي يميل إلى الانتقال من العام إلى الخاص. ويشار إلى هذا أحيانا كنهج من أعلى إلى أسفل. ويظهر فيه أن صحة الاستنتاجات تعتمد على أن أحد الأساسيات أو أكثر (الافتراضات المسبقة والنتائج أو الظروف) تكون صالحة. كان مثال أرسطو الشهير على المنطق الاستنباطي: جميع الرجال فانين، سقراط رجل، سقراط فاني. إذا كان أساس الحجة غير دقيق، فحتما ستكون الحجة غير دقيقة. وكثيرا ما يرتبط هذا النوع من المنطق أيضا بشخصية شيرلوك هولمز الوهمية. ومع ذلك، نجد أن معظم الدراسات تتضمن أيضا عنصرا من عناصر الاستدلال الاستقرائي في مرحلة ما من مراحل البحث (انظر القسم على البحث النوعي لمزيد من التفاصيل).

 

نادرا ما يكون الباحثين قادرين على الوصول إلى جميع الأعضاء في مجموعة معينة (مثل كل الناس الذين يعانون من الخرف، مقدمي الرعاية أو المتخصصين في الرعاية الصحية). ومع ذلك، فهم يهتمون عادة باستخلاص الاستدلالات من دراساتهم حول هذه المجموعات الكبيرة. لهذا السبب، من المهم أن يكون الأشخاص الذين شاركوا في الدراسة هي عينة تمثيلية من مجتمع الدراسة الأوسع. ومع ذلك، فإن مدى امكانية التعميم يعتمد إلى حد ما على عدد الأشخاص الذين شاركوا في الدراسة، وكيف تم اختيارهم وعما إذا كانوا ممثلين عن المجموعة الأوسع. على سبيل المثال، ينبغي أن تستند التعميمات حول معلمي اللغة الإنجليزية على دراسة شملت معلمين للغة الإنجليزية وليس على دراسة تضمنت طلبة يتعلمون اللغة الإنجليزية. غالبا ما تُفضل العينات العشوائية (بحيث يكون لكل مشارك محتمل فرصة متساوية للمشاركة)، ولكن في بعض الأحيان قد يرغب الباحثين في التأكد من أنها تشتمل على عدد معين من الناس بخصائص محددة وهذا لن يكون ممكنا باستخدام أساليب أخذ العينات العشوائية. لا يقتصر تعميم النتائج على مجموعات من الناس ولكن أيضا على الحالات. ومن المفترض أن نتائج التجارب المختبرية تعكس وضع الحياة الحقيقي الذي تسعى الدراسة إلى توضيحه.

 

عند النظر في النتائج، تعتبر قيمة P هي المهمة. P تعني الاحتمال، وهي تقيس احتمال ما إذا كانت نتيجة ما أو فارق معين تمت ملاحظته هو نتيجة للمصادفة. قيمة P هي ما بين 0 و 1. كلما اقتربت النتيجة من 0، قل الاحتمال يأن الفارق الملاحظ هو نتيجة للمصادفةـ وكلما اقتربت النتيجة من 1، كلما زاد احتمال أن هذا الاكتشاف يرجع للصدفة (الاختلاف العشوائي) وأنه لا يوجد أي فرق بين المجموعات / المتغيرات.

[1] Peter J.P. & Donnelly J.H. (2000) A Preface to Marketing Management. McGraw-Hill Higher Education, USA.

 

المصدر: صوان، فرج محمد (2017). البحث العلمي: المفاهيم، الأفكار، الطرائق والعمليات. ابن النديم للنشر والتوزيع: وهران، دار الروافد الثقافية – ناشرون: بيروت.

الوسوم: