الرئيسية / البحث العلمي / أخلاقيات البحث

أخلاقيات البحث

نحن نمر بمرحلة تغيير عميق في فهمنا لأخلاقيات البحوث التطبيقية الاجتماعية. منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وحتى أوائل التسعينات، كان هناك تتطور تدريجيا لإجماع حول المبادئ الأخلاقية الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليها الجهود البحثية. يبرز حدثان مميزين (من بين أحداث أخرى كثيرة) كرمز لهذا الإجماع. أظهرت محاكمة نورمبرغ لجرائم الحرب بعد الحرب العالمية الثانية إلى الرأي العام الطرق التي استخدم بها العلماء الألمان البشر الأسرى كعينات في التجارب التي كانت بشعة في كثير من الأحيان. في الخمسينات والستينات، اشتملت دراسة توسكيجي للعلاج الفعال لمرض الزهري المعروف حجب المشاركين الأمريكان المصابين من أصول أفريقية. مثل هذه الأحداث استلزمت إعادة النظر في المعايير الأخلاقية والتطوير التدريجي للإجماع على أن العينات البشرية المحتملة يجب أن تكون محمية من استخدامهم في مجال البحث العلمي مثل “خنازير غينيا”.

بحلول التسعينات، تغيرت ديناميات الوضع. تحارب مرضى السرطان والأشخاص المصابين بمرض الإيدز علنا ​مع مؤسسات البحوث الطبية حول الوقت الطويل الذي يستغرقه المرء للحصول على الموافقة وإكمال البحوث عن علاجات محتملة للأمراض القاتلة. في كثير من الحالات، كانت الافتراضات الأخلاقية للثلاثين عاما السابقة هي التي تدفع هذه العقلية المتأنية البطيئة. فبعد كل شيء، يفضل الباحثين المخاطرة بإنكار العلاج لفترة من الزمن حتى يتسنى تحقيق ما يكفي من الثقة في العلاج، بدلا من تعريض الناس الأبرياء للخطر وإيذاءهم (كما هو الحال في أحداث نورمبرج و توسكيجي). ولكن كان أولئك المعرضين لتهديد المرض المميت يقولون للمؤسسات البحثية أنهم يريدون أن يكونوا عينات اختبار حتى في ظل الظروف التجريبية التي تنطوي على مخاطر كبيرة. أصبح هناك عدة مجموعات من المرضى الصريحين جدا والفصحاء الذين أرادوا أن تجرى عليهم التجارب تخرج ضد نظام المراجعة الأخلاقية الذي تم تصميمه لحمايتهم من التجريب عليهم.

على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية في مجال أخلاقيات البحث كانت عاصفة، إلا أنه بدأ يظهر أن هناك توافق جديد في الآراء آخذ في التطور يشتمل على مجموعات المصلحة الأكثر تضررا من المشكلة تشارك بنشاط أكثر في صياغة المبادئ التوجيهية للبحث. وبما أن الأمر ليس واضحا تماما في الوقت الحاضر حول ماهية الإجماع الجديد، فإنه من شبه المؤكد أنه لن يكون عند النقطتين المتطرفتين: الحماية ضد التجارب على البشر بجميع التكاليف مقابل السماح لأي شخص يرغب في التجريب عليه.

 

قضايا أخلاقية

هناك عدد من العبارات الرئيسية التي تصف نظام الحماية الأخلاقية والتي قد صاغتها مؤسسات البحث الاجتماعي والطبي من أجل حماية أفضل لحقوق المشاركين في أبحاثهم. يتطلب مبدأ المشاركة الطوعية مثلا عدم إكراه الناس على المشاركة في البحوث. ولهذا أهمية خاصة حيث اعتمد الباحثون في السابق على ‘الجماهير الأسيرة” في عيناتهم (مثل السجون والجامعات وأماكن مشابهة). ويعتبر شرط الموافقة المسبقة مرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم المشاركة الطوعية. أساسا، هذا يعني ضرورة أن يكون المشاركين المحتملين في البحث على علم تام بالإجراءات والمخاطر التي ينطوي عليها البحث ويجب أن يعطوا موافقتهم للمشاركة فيه. تتطلب المعايير الأخلاقية أيضا أن لا يضع الباحثين المشاركين في حالات يكونوا فيها عرضة للضرر نتيجة لمشاركتهم. يمكن تعريف الضرر بأنه جسدي ونفسي. هناك نوعان من المعايير التي يتم تطبيقها من أجل المساعدة في حماية خصوصية المشاركين في البحوث.

تضمن جميع البحوث تقريبا سرية المشاركين، حيث يتم التأكيد لهم إن معرفة المعلومات لن تتاح لأي شخص لا يشارك مباشرة في الدراسة. المعيار الأكثر صرامة ضمن أخلاقيات البحث هو مبدأ عدم ذكر الاسم مما يعني أساسا أن المشاركين سوف لن يتم الكشف عن هويتهم طوال فترة الدراسة (حتى للباحثين أنفسهم). ومن الواضح أن شرط عدم الكشف عن الهوية يعتبر ضمانة قوية للخصوصية، ولكنه صعب التحقيق أحيانا، خصوصا في الحالات التي يتم فيها قياس المشاركين عند نقاط زمنية متعددة (على سبيل المثال، الدراسة القبلية البعدية). كما أن على الباحثين التعامل مع القضية الأخلاقية لحق الشخص في الخدمات. غالبا ما تتطلب الممارسة البحثية الجيدة استخدام المجموعة الضبطية بدون أي معالجة (مجموعة المشاركين التي لا تأخذ العلاج أو البرنامج الذي يتم دراسته). ولكن عندما يكون لهذا العلاج أو البرنامج آثار مفيدة، فإن الأشخاص المعينين في المجموعة الضبطية بدون أي علاج قد يشعرون بأن حقوقهم في المساواة في الحصول على الخدمات ناقصة.

حتى عند وجود معايير ومبادئ أخلاقية واضحة، سوف تكون هناك أوقات تتعارض فيها الحاجة لإجراء البحث الدقيق مع حقوق المشاركين المحتملين. ربما لا توجد مجموعة من المعايير يمكنها أن تتوقع كل الظروف الأخلاقية. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك إجراء من شأنه أن يضمن أن الباحثين سينظرون في جميع القضايا الأخلاقية ذات الصلة عند وضعهم للخطط البحثية. لتلبية هذه الاحتياجات تقوم معظم المؤسسات والمنظمات بتعيين مجالس المراجعة المؤسسية التي تتكون من فريق من الأشخاص مهمتهم استعراض مقترحات المنح فيما يتعلق بالآثار الأخلاقية حيث تقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات إضافية يتوجب اتخاذها لضمان سلامة وحقوق المشاركين. تساعد مجالس المراجعة المؤسسية أيضًا من خلال استعراضها لمقترحات الأبحاث في حماية كل من المنظمة والباحث ضد الآثار القانونية المحتملة بسبب إهمال معالجة قضايا أخلاقية هامة للمشاركين.

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ علم اللغة التطبيقي واللغة الانجليزية في جامعة طرابلس وعدد من الجامعات الليبية. حصل على الشهادة الجامعية والماجستير من ليبيا، وشهادة في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة سري البريطانية (Surrey)، ودرس برنامج الدكتوراه في جامعة إيسيكس ببريطانيا (Essex). قام بنشر ستة كتب والعديد من المقالات والدراسات والأبحاث. orcid.org/0000-0003-3931-9484

شاهد أيضاً

تحديد مشكلة البحث

تحديد مشكلة البحث

مقدمة إن أهم خطوة في عملية البحث تكمن في اختيار وتحديد مشكلة البحث بطريقة دقيقة. …

الرجاء الانتظار...

اشترك في نشرتنا الأكاديمية

هل تريد أن تكون الأول الذي يقرأ جديدنا؟ أدخل اسمك وإيميلك أدناه لتكون أول من يشاهد منشوراتنا.